وبعد سنوات كان فيها النفوذ العسكري والأمني والإداري للإدارة الذاتية عاملاً أساسياً في تحديد موازين القوى داخل المناطق ذات الأغلبية الكردية، تجد الأحزاب الكردية نفسها أمام واقع مختلف. يطرح هذا الواقع أسئلة عن حجم تأثير هذه الأحزاب الكردية في سورية الفعلي في الشارع، وقدرتها على العمل السياسي بصورة مستقلة، وما إذا كانت ستطالب بحضور في مؤسسات الدولة السورية، إلى جانب المطالب المتعلقة بالحقوق القومية والثقافية والسياسية للسوريين الأكراد. وتأتي هذه التحولات في ظل الاتفاقات التي رسمت مسار دمج “قسد” ومؤسسات الإدارة الذاتية في الدولة السورية، ومنها اتفاق 29 يناير/كانون الثاني 2026، الذي شكّل محطة أساسية في إعادة تنظيم العلاقة بين دمشق والقوى الكردية في شمال شرقي البلاد.
فاعلية الأحزاب الكردية في سورية
ويرى الأكاديمي والسياسي الكردي فريد سعدون أن المشهد الحزبي الكردي في سورية يحتاج إلى التمييز بين الأحزاب التاريخية وتلك الأحزاب الكردية في سورية التي تأسست خلال سنوات الحرب. ويقول لـ”العربي الجديد”، إن نحو 27 حزباً كردياً تأسس بعد عام 2011، مستفيداً من الظروف التي أوجدتها الثورة السورية، بينما كانت هناك أحزاب أقدم، مثل “البارتي” (الحزب الديمقراطي الكردستاني) و”اليسار” و”حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سورية”.
ويعتبر سعدون أن جزءاً كبيراً من الأحزاب التي تأسست خلال فترة الثورة السورية لم يمتلك قاعدة شعبية واسعة، بل قام على مجموعة من الشخصيات التي اجتمعت حول أهداف سياسية، قبل أن تبحث لاحقاً عن مظلات توفر لها الموارد والقدرة على الحركة. وبحسب سعدون، فإن غياب الإمكانات المادية والتنظيمية والفكرية لدى بعض هذه الأحزاب دفعها إلى الاقتراب من أحد طرفي الاستقطاب الأساسي في الساحة الكردية: “المجلس الوطني الكردي” أو الإدارة الذاتية بقيادة “حزب الاتحاد الديمقراطي” (PYD).
فريد سعدون: بعض الأحزاب التي اختارت العمل مع الإدارة الذاتية التابعة لـ”قسد” حصلت على مناصب أو مواقع في مؤسساتها
ويوضح أن “المجلس الوطني الكردي” امتلك دعماً من إقليم كردستان العراق وحضوراً ضمن المعارضة السورية، في حين كانت الإدارة الذاتية تملك موارد أكبر بحكم سيطرتها على مؤسسات ومناطق واسعة من شمال شرقي سورية، وهو ما وفّر للأحزاب المتحالفة معها هامشاً أكبر للعمل والحصول على موارد ومواقع داخل المؤسسات. ووفق سعدون، فإنّ بعض الأحزاب الكردية في سورية والتي اختارت العمل مع الإدارة الذاتية حصلت على مناصب أو مواقع في مؤسساتها، وإن لم تكن تمتلك بالضرورة قدرة حقيقية على صناعة القرار.
من يخرج من مظلة “قسد”؟
وتبرز الآن، وفق سعدون، مشكلة مستقبل الأحزاب التي ارتبط وجودها خلال السنوات الماضية بمنظومة الإدارة الذاتية. ويطرح الأكاديمي الكردي سؤالاً عن مصير هذه القوى بعد انتهاء الدور السابق للإدارة الذاتية و”قسد”، وما إذا كانت ستتمكن من الحفاظ على وجودها من دون الموارد التي كانت متاحة لها سابقاً. وفي رأيه فإن عدداً من الأحزاب الصغيرة قد يواجه خطر الانحسار أو الانضمام إلى أحزاب أخرى، خصوصاً التنظيمات التي وصفها بأنها “أحزاب شخصية” تقوم على شخص أو شخصين، معتبراً أن توقف الدعم المادي سيكشف قدرتها الحقيقية على الاستمرار.
ويشير في هذا السياق إلى أن بعض الأحزاب الكردية في سورية كانت تمتلك مكاتب وموظفين وحراساً بدعم من الإدارة الذاتية، متسائلاً عن مدى قدرة هذه الأحزاب على الاحتفاظ بأعضائها في حال توقف هذا الدعم. ويرى أن الخيارات أمامها ستكون محدودة، بين الاندماج في أحزاب أكبر، أو تشكيل تكتلات جديدة، أو حل نفسها، أو الانضمام إلى إطار سياسي كردي جديد يجري الحديث عن تشكيله. ولا يستبعد سعدون استمرار بعض القوى التي كانت قريبة من الإدارة الذاتية ضمن ترتيبات سياسية جديدة، مستفيدة من الموارد التي راكمتها خلال سنوات سيطرتها على المنطقة.
“قسد” ليست القضية الكردية
في المقابل، يقدم المحلل السياسي الكردي عبد الحليم سليمان قراءة مختلفة لمستقبل الأحزاب الكردية في سورية. ويرى أن دمج “قسد” في الدولة السورية لا يعني تراجع القضية الكردية أو ضعف الأحزاب التي تبنتها. ويقول لـ”العربي الجديد”، إن “مسألة دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن هياكل الدولة السورية أو حلها وتحوّل عديدها إلى قوات عسكرية نظامية لا يضعف موقع الأحزاب الكردية، بل على العكس، القضية الكردية بكلّيتها انتقلت من طور إلى طور آخر”.
عبد الحليم سليمان: اتفاق يناير فتح مساراً سياسياً جديداً يمكن للأحزاب الكردية من خلاله طرح مطالب إضافية
وبرأيه، فإن اتفاق 29 يناير 2026 لا يلبي جميع المطالب الكردية، لكنه فتح مساراً سياسياً جديداً يمكن للأحزاب الكردية من خلاله طرح مطالب إضافية، خصوصاً في ما يتعلق بدسترة الحقوق الكردية وتحقيقها عبر مؤسسات الدولة السورية. ويشدد على أن الأحزاب الكردية في سورية تعاني من ترهل وضعف في أدواتها وتراجع في نفوذها، لكنها ما زالت، في رأيه، جزءاً أساسياً من التمثيل السياسي للأكراد السوريين، بما في ذلك الأحزاب المرتبطة سابقاً بالإدارة الذاتية. الفصل بين القضية الكردية ومسار “قسد” ليس دقيقاً دائماً، وفق سليمان، معتبراً أن تأثير الأحزاب في الشارع الكردي لا يزال موجوداً، وإن كان متفاوتاً بين حزب وآخر. ويلفت إلى أن مستقبل هذا التأثير سيعتمد على طبيعة القوانين والمناخ السياسي العام في سورية.
مطالب تتجاوز اندماج “قسد”
أما رئيس حزب الوسط الكردي شلال كدو، فيرى أن المرحلة المقبلة يمكن أن تكون فرصة للأحزاب الكردية التي كانت خارج منظومة الإدارة الذاتية، خصوصاً “المجلس الوطني الكردي”. ويقول لـ”العربي الجديد” إن اندماج “قسد” وحل الإدارة الذاتية وأذرعها، في حال تطبيقه، سيجعل العمل السياسي للأحزاب الكردية “أسهل”، معتبراً أن الحياة السياسية والحزبية كانت مقيّدة خلال سنوات حكم الإدارة الذاتية في مناطق شرق الفرات (شمال شرقي سورية). وفي رأيه فإن الأحزاب الكردية في سورية أمام فرصة لإثبات قدرتها على قيادة المطالب السياسية للأكراد السوريين، مشيراً إلى أن لدى “المجلس الوطني الكردي” والحركة الكردية عموماً مطالب تتجاوز مسألة دمج “قسد”.
ويشير كدو في هذا السياق إلى مطالب من بينها دولة سورية لامركزية، وضمان الحقوق القومية والسياسية والثقافية للأكراد، وتثبيت هذه الحقوق في الدستور السوري المقبل، إضافة إلى إزالة آثار سياسات التمييز التي تعرّض لها الأكراد خلال العقود السابقة. ولا يقتصر الأمر، بحسب كدو، على الحقوق الثقافية واللغوية، إذ يرى أن من حق الأكراد المشاركة في مؤسسات الدولة وتولّي مناصب عليا فيها، بما في ذلك الجيش والأجهزة الأمنية والوزارات. ويعتقد أن المرحلة المقبلة قد تشهد وصول شخصيات من “المجلس الوطني الكردي” ومن الوسط الكردي السوري إلى مواقع متقدمة في الدولة.
هل يستعيد “المجلس الوطني” نفوذه؟
تضع هذه التطورات “المجلس الوطني الكردي” أمام فرصة لإعادة تقديم نفسه لاعباً سياسياً داخل الساحتين الكردية والسورية، خصوصاً إذا تراجع نفوذ الإدارة الذاتية بوصفها إطاراً حاكماً في شمال شرقي سورية. لكن هذه الفرصة لا تعني بالضرورة عودة تلقائية إلى النفوذ السابق، إذ ستحتاج أحزاب المجلس إلى إثبات قدرتها على الوصول إلى الشارع، وتقديم خطاب سياسي قادر على منافسة القوى التي امتلكت خلال السنوات الماضية حضوراً واسعاً بفعل سيطرتها على المؤسسات والأمن والقوة العسكرية.
شلال كدو: هناك حوارات بين عدد من الأحزاب الكردية بشأن صيغ اندماجية أو تكتلات جديدة
ويرى كدو أن للأحزاب الكردية تأثيراً في الشارع، معتبراً أن المجتمع الكردي في سورية يتمتع بدرجة عالية من التنظيم السياسي، وأن الأحزاب لعبت دوراً في قيادة الحركة الكردية منذ عقود. ويقول إن قوة هذه الأحزاب ستزداد في حال تمكنت من توحيد صفوفها، مشيراً إلى وجود حوارات بين عدد منها بشأن صيغ اندماجية أو تكتلات جديدة، بالتزامن مع التحضيرات لإصدار قانون للأحزاب في سورية (خصوصاً بعد انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب السوري في يوليو/ تموز الماضي، واستكمال تشكيل 26 لجنة دائمة للمجلس، الأسبوع الماضي).
مرحلة إعادة التشكيل
وتشير المواقف المتباينة إلى أن مرحلة ما بعد “قسد” قد لا تكون بالضرورة مرحلة تراجع للأحزاب الكردية، وإنما مرحلة اختبار لقدرتها على العمل بعيداً عن المظلات العسكرية والأمنية. فبالنسبة إلى سعدون، قد يؤدي فقدان الدعم والموارد إلى انحسار عدد كبير من الأحزاب الصغيرة التي لم تتمكن من بناء قواعد شعبية مستقلة، بينما يرى سليمان وكدو أن انتقال القضية الكردية إلى المجال السياسي السوري يمكن أن يمنح الأحزاب فرصة أكبر للعمل والمطالبة بالحقوق عبر المؤسسات والقوانين.
وفي الحالتين، يبدو أن وزن كل حزب سيكون أكثر ارتباطاً بقدرته على إثبات وجوده في الشارع، وبامتلاكه برنامجاً سياسياً واضحاً، وليس فقط بموقعه من الإدارة الذاتية أو “قسد”. كما أن الحديث عن “حصة” للأحزاب الكردية في السلطة السورية لا ينفصل عن طبيعة النظام السياسي الذي ستتجه إليه البلاد. فالمطالبة بالمشاركة في الجيش والأمن والوزارات ومؤسسات الدولة تعني انتقال جزء من الخطاب الكردي من التركيز على إدارة منطقة ذات خصوصية إلى المطالبة بشراكة فعلية في الدولة السورية.
من هنا، قد تكون المرحلة المقبلة اختباراً مزدوجاً؛ للأحزاب التي كانت جزءاً من منظومة الإدارة الذاتية لمعرفة قدرتها على الاستمرار بعد زوال مظلة النفوذ السابقة، وللأحزاب الأخرى وفي مقدمتها قوى “المجلس الوطني الكردي” لمعرفة قدرتها على ملء الفراغ السياسي المفترض. ويبقى العامل الأكثر حسماً هو قدرة هذه القوى على تجاوز الانقسامات التي طبعت الحياة السياسية الكردية خلال السنوات الماضية، وتشكيل أطر أكثر تماسكاً، خصوصاً أن المنافسة المقبلة قد تكون سياسية وشعبية بصورة أكبر. يأتي ذلك في ظل انتقال جزء من الصراع على النفوذ من المؤسسات العسكرية والأمنية إلى المؤسسات السياسية والدستورية. بذلك، فإن اندماج “قسد” في الدولة السورية لا يعني بالضرورة نهاية الدور السياسي للأحزاب الكردية، لكنه قد يعني نهاية مرحلة كانت فيها القوة العسكرية والإدارية العامل الأبرز في تحديد موازين القوى داخل الشارع الكردي.
- العربي الجديد











