أن تُرفع صور نتنياهو وعلم الاحتلال في بعض ساحات وشوارع السويداء، وتُحظر حقائب طلبة العِلم المحمولة على الأكتاف، فهو المأساة في أكثر أطوار الانحطاط، إذ يتجلّى بمقايضة الانتماء الوطني بوهم الولاء للعدوّ. ففي الوقت الذي لا يتورّع فيه حكمت الهجري عن التغنّي بالانتماء لكيان الاحتلال، ومشاركته “العقيدة” والتاريخ، وتوجيه آيات الشكر له، يُقدِم مسلّحو ميليشياته على منع أبناء السويداء من تقديم امتحاناتهم في وطنهم! إنهم يبجّلون أحضان الاحتلال، بينما يصبح الوطن محظوراً، ويُجرَّم التعليم فيه؟
جاء المرسوم رقم 163 جسراً وطنياً، يصون بمسؤولية مستقبل 13 ألف طالب وطالبة، وحفظ جهدهم من الضياع، غير أن مسلّحي ( زعيم الباشان ) الهجري فضحوا رهاناتهم الدفينة بحواجز تُمزّق الوطن، وشائعات تُرهب الأهالي، وقطع لشرايين التواصل بقول حقّ يُراد به باطل “التعليم حقّ لأبنائنا“!ففي الوقت الذي تفتح المعابر لصهاريج المحروقات وشاحنات البضائع لأنها تدِرّ الأتاوات ومسارات لتهريب الكبتاغون، تُستنفر الأسلحة لمنع حافلات تحمل طلاباً يحلمون بالغد الأفضل؟
في السويداء تُشرَع الرشاوى والقرابات سبيلاً وحيداً للعبور، ويُمنع العلم، فيُضطرّ بطلٌ استثنائي لكتابة أبدع البلاغات بأقدام تلتفّ عن الموت مشياً أكثر من 30 كيلومتراً، فلا هجمات المسلحين ترهبه، ولا وعورة الطريق وقسوته تردعه؛ يسبق ظلّه ليصنع ملحمة وصولٍ يؤدّي فيها الامتحانات وحيداً في قاعاتٍ خاوية، إلا من كادر امتحاني كامل الجاهزية، وكأن الطالب المنهَك شاهد على جريمة لا يُخفى أثرها، ولا يُغفَر لفَعَلَتها، وتستحقّ بالمقابل التعظيم والتكريم بما تحمله من رمزية تمثّل حبّ السوريّ العلم واستعداده للتضحية وصولاً إلى هدفه.
لم يفلح في الوصول سوى 130طالباً- بما يعادل (1%)-، وحرمان (99(% منهم، وذلك ليس “حراكاً شعبياً” كما يروّجون، بل اعتداءٌ فاجر على كرامة الجبل، واختطافٌ لإرادة أبنائه لصالح أجندات معلنة لشيخ عقل لا يقرأ متغيّرات السياسة. فمن الخاسر حين يُطفأ نور العلم في بيوت السويداء؟ وهل يربح مَن يرهَن مصير الأجيال لمن يرى في نتنياهو شريكاً، وفي سورية الوطن ونسغ الحياة والكرامة عدواً؟
قام الهجريون بتوتير الأجواء وافتعال صدام مع قوى الأمن الداخلي؛ استعادةً لسردية التهديد وتعرّض السويداء للاعتداء، ووجوب الدفاع عن النفس و”الكرامة”، وامتصاصاً للغضب الشعبي ونقمة أهالي السويداء بعد منع أبنائهم من العبور لأداء امتحاناتهم، للمتاجرة بنتائجه بعد استنكار الأهالي مصادرتهم قرار المحافظة، وتضليل الرأي العام، بينما يرمون إلى تغيير يلاقي التطورات الجديدة بعد “حلّ قسد” واندماجها، فيلهث “شيخ الباشان” رافعاً سقف تهديداته، بحثاً عن رعاية وحماية، وانتظاراً لدور أميركي أوروبي عربي بخصوص السويداء، آخر الملفات الأكثر حساسية في سورية والإقليم.
وعلى الرغم من الحواجز ورايات الاحتلال؛ فالمستقبل لا تصنعه المراهنات الرخيصة، بل تكتُبُه أقدام الذين رفضوا الهوان، ومَن يملكون شجاعة الخطوة الأولى يسيرون صوب سورية الجديدة، دولة المواطنة والعدل والكرامة في وقت يتردد السؤال الذي لا بدّ من الإجابة الوطنية عليه: إلامَ يُترك الغد رهينةً لمن باع حاضره بثمن بخس؟
- رئيس التحرير











