"المشكلة مع إسرائيل، لا تكمن في أنها تشكل موقعاً متقدماً لأوروبا في العالم العربي، وإنما لكونها قد نشأت في وقت متأخر للغاية، حاملة معها مشروعاً تقسيمياً يعود الى نهايات القرن التاسع عشر الى عالم مختلف، هو عالم حقوق الأفراد، والحدود المفتوحة، والقانون الدولي. إن فكرة الدولة اليهودية بحد ذاتها، حيث يتمتع الدين اليهودي واليهود بامتيازات خاصة، يُحرم منها غير اليهود، فكرة تعود الى زمن آخر، ومكان آخر. باختصار شديد إسرائيل هي مجرد مغالطة تاريخية".
هذا الكلام لم يقله إدوارد سعيد، ولا أحد المفكرين الفلسطينيين، وإنما هو مقطع من مقال بعنوان: "Israel:L’alternative" كتبه المؤرخ البريطاني اليهودي الأصل طوني جوديت، ونشرته "نيويورك ريفيو أوف بوك" عام 2003، وأحدث يومها ولا يزال ضجة كبيرة في أوساط المثقفين اليهود وغير اليهود خارج إسرائيل وداخلها، فاتحاً النقاش على مصراعيه بين أنصار الدولة اليهودية، والمدافعين عن فكرة الدولة الثنائية القومية.
إن الهدف من الكتابة عن طوني جوديت، الذي وافته المنية في آب الماضي بعد معاناة طويلة مع المرض، هو بشكل خاص من أجل إلقاء المزيد الضوء على تيار من المفكرين في الغرب، من مثقفين وأساتذة جامعات، بدأوا مثل جوديت مسيرتهم المهنية بحماسة وتأييد مقطوعي النظير لدولة إسرائيل، ليتحولوا مع مرور الوقت إلى أشد المنتقدين لها، والمهاجمين لإحتلالها الاراضي الفلسطينية، والرافضين لمفهومها القومي للدولة اليهودية.
ولد جوديت في العام عينه الذي أُعلن فيه عن قيام دولة إسرائيل، في بريطانيا من عائلة مهاجرين يهود من ليتوانيا، تابع دراسته في جامعة كامبريدج، حيث تخصص في تاريخ اليسار الفرنسي، قبل أن ينتقل للإستقرار في الولايات المتحدة. كان في شبابه صهيونياً متحمساً، يمضي عطله الصيفية في العمل في الكيبوتزات الإسرائيلية. ودفعته حماسته خلال حرب 1967 للتطوع في الجيش الإسرائيلي، لكن تجربته في الجيش شكلت نقطة تحول في حياته. فقلد صدمته الروح الانتصارية التي تعامل بها الجيش الإسرائيلي مع ما حدث، كما أرعبته الكراهية الكبيرة للعرب وعنصرية الجنود الإسرائيليين الذين كانوا يرددون أمامه بأن "العربي الجيد الوحيد هو العربي الميت".
وعلى الرغم من كل ذلك استغرق جوديت أكثر من 35 عاماً كي يدرك بأن لا مستقبل لدولة إسرائيل، وكي يكتب ما كتبه في مقالته المشار اليها أعلاه والتي يقول فيها بأن إسرائيل هي "مغالطة تاريخية". وأهمية هذا المقال أنه يعكس التحول الذي مرّ به المفكرون في الغرب في موقفهم من دولة إسرائيل، التي باتت في رأي جوديت وكثر من نظرائه من المثقفين من أصول يهودية تشكل عبئاً عليهم، وتضعهم أمام مأزق أخلاقي حقيقي، فكيف يمكن المثقف الذي يعيش في مجتمعات تمتاز بالتعددية الثقافية والأثنية، وحيث يستطيع الفرد أن يقول ما يشاء، وأن يتزوج من يشاء من
دون أية قيود، الدفاع عن دولة تعتبر نفسها "دولة لليهود"؟
يرى جوديت أنه من المستحيل لدولة إسرائيل أن تكون دولة يهودية وأن تبقى دولة ديموقراطية. ويعتقد أنها إذا واصلت سيطرتها على الأراضي الفلسطينية، فستجد نفسها أمام واحد من ثلاثة خيارات:
1- تفكيك المستوطنات اليهودية في الاراضي الفلسطينية والعودة الى حدود 1967، حيث يشكل اليهود الغالبية، وبهذه الطريقة تستطيع أن تكون دولة يهودية وديموقراطية، مع أقلية عربية يشكلون مواطنين من الدرجة الثانية.
2- الاستمرار في احتلال يهودا والسامرة [الضفة الغربية]حيث من المنتظر خلال ثمانية أعوام مع الزيادة السكانية الطبيعية للفلسطينيين، ألا يصبح بإمكان إسرائيل أن تكون دولة يهودية ولا ديموقراطية.
3- الاستمرار في السيطرة على الأراضي المحتلة، ولكن مع التخلص من الغالبية السكانية العربية سواء بالطرد، أم عبر حرمانهم من الأرض ومن مقومات العيش، بحيث يصبح لا مفر لهم من مغادرة أرضهم. بهذه الطريقة يمكن أن تصبح إسرائيل يهودية، وديموقراطية، ولكنها ستكون أول دولة ديموقراطية حديثة، تتبنى مشروع التطهير القومي، مما سيجعلها دولة مارقة، ومنبوذة دولياً."
لم يصدق جوديت يوماً بأن حل الدولتين قادر على الحياة، وإنما في رأيه الخيار الوحيد سيكون واحداً من امرين: إما إسرائيل الكبرى المطهرة عرقياً والموحدة؛ أو الدولة الثنائية القومية لليهود وللعرب.
نتيجة آرائه ومواقفه، تعرض جوديت لهجوم عنيف من جانب أنصار الفكر الصهيوني الكلاسيكي وعلى رأسهم المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس الذي اتهمه في كتابه الأخير: "نحو حل للمشكلة الفلسطينية: دولة واحدة أم دولتان؟" بأنه من المحرضين على الدولة الثنائية القومية، متهماً إياه بأنه مصاب بداء "كراهية النفس". على الرغم من أنه فقد أقرباء له في المحرقة النازية إبان الحرب العالمية الثانية.
يدافع جوديت عن نفسه في مقال أخير له صدر في 2009 بعنوان: "الهوية الصهيونية والهولوكوست" قائلاً: "بالنسبة إليّ اليهودية هي هذه الحساسية على المحاسبة الجماعية للنفس، وعلى قول الحقيقة مهما كانت قاسية. علينا أن نكون الأكثر تشدداً في انتقاد أنفسنا. إنني أشعر بالمسؤولية تجاه هذا الماضي، وهذه هي طريقتي في أن أكون يهودياً".
وقف جوديت موقفاً واضحاً معارضاً للإستيطان في المناطق الفلسطينية المحتلة. وميز في مقاله بعنوان: "Fictions on the Ground: Israeli Settelement in the West Bank" بوضوح بين الكيبوتزات التي شكلت النواة الأساسية لدولة إسرائيل في أواخر أربعينات القرن الماضي، والتي عكست رؤية "الرواد الأوائل" من المهاجرين الى إسرائيل، وأساسها فكرة العمل الصهويني في الأرض، والحياة الجماعية القائمة على التقشف؛ وبين المستوطنين الحاليين من المهاجرين الروس، أو من اليهود المتديّنين، الذين انتقلوا الى العيش في المستوطنات ليس لدوافع إيديولوجية، وإنما للإستفادة من التقديمات الحكومية، وبحثاً عن فرص لحياة استهلاكية أفضل.
تصف صحيفة "لوموند" جوديت بالمؤرخ "المشاكس"، وتعطي مثلاً على ذلك، كيف قام القنصل البولندي في عام 2006، بإلغاء محاضرة له في مقر القنصلية في نيويورك بعنوان "اللوبي الموالي لإسرائيل، والسياسة الخارجية الأميركية"، بعد تلقيه كماً من الاتصالات الهاتفية من الجمعيات اليهودية الأميركية تطالبه بإلغاء المحاضرة.
ثمة من يضع طوني جوديت في خانة المفكرين الغربيين الموالين للفلسطينيين من أمثال نعوم تشومسكي، والمؤرخ نورمان فنكلشتاين (المعروف بكتاباته المنتقدة لإسرائيل، ومن اهم كتبه "صناعة المحرقة" حيث يتهم إسرائيل باستغلال المحرقة لتحقيق مصالحه)، ولكن على الرغم من ذلك، يعتبر جوديت نفسه بأنه يمتاز عنهما بإنتمائه الى اليسار الإشتراكي الديموقراطي.
وعلى الرغم من الشلل الكامل الذي عاناه جوديت في الأيام الأخيرة لمرضه فقد أصر على تسجيل آخر محاضرة له وهو على كرسيه المتحرك الى طلابه في جامعة نيويورك، حيث أدان فيها بعنف انهيار اليسار ومثقفيه في أوروبا.
إن التعرف على كتابات طوني جوديت، ومتابعة المسار الذي قطعه، يعرفنا عن كثب على ما طرأ من تغير جذري في نظرة عدد لا يستهان به من المثقفين الى إسرائيل التي في مطالبتها الاعتراف بيهوديتها، وتنصلها من المسؤولية التاريخية للظلم الذي حل بالفلسطينيين جراء قيام إسرائيل، وتهربها من العملية السلمية، ومواصلتها سياسة الاحتلال والقمع والفصل العنصري، تؤكد كل يوم ما قاله جوديت من أن إسرائيل "مغالطة تاريخية".
"النهار"








