قبل اكثر من خمس سنوات صدرت تعليمات من الرئيس بشار الأسد للقيادة القطرية بمنح الحركة النقابية العمالية استقلالية تامة ورفع الوصاية عنها من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ومن قبل القيادة في العمل والنشاط والشؤون المالية وقد أثارت هذه التعليمات يومها ارتياحاً كبيراً في صفوف وأوساط العمال واللجان النقابية والنقابات واعتبر ذلك بأن الحركة النقابية وضعت أمام مهمات جديدة ومسؤوليات وتحديات واستقلالية في العمل ،
منحت من قبل الرئيس ولم تنتزع من قبل الحركة النقابية وهذا ماكان يجب أ يحدث أمام المتغيرات الاقتصادية وانتقال سورية من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق أرادت التعليمات إنهاء دور النقابات كواجهات حكومية أو كأجهزة تابعة للسلطة وذلك من أجل مواكبة المتغيرات الاقتصادية ولكي تكون أكثر قوة وفاعلية وأصلب عوداً ليغدوا بإمكانها أن تلعب دوراً متميزاً وجديداً في حياة المجتمع والسؤال المطروح:
هل استوعبت القيادة النقابية السورية المهمات الجديدة بعد التحول الاقتصادي ورفع الوصاية عنها ؟
تجربة السنوات الماضية تقول أن قيادات نقابية اعتقدت بأن رفع الوصاية الحكومية عن الحركة النقابية هدفه فك الارتباط بين قيادة الحزب والحركة النقابية والحزب والنقابة جناحان لحركة واحدة يتفاعلان في إطار ولا يجوز وضع حاجز مصطنع فيما بينهما من شأنه أن يضيف عملية التفاعل الجدلية القائمة موضوعياً بينهما ، وأي ضعف ينتاب أحد الجناحين من شأنه أن يترك تأثيراً سلبياً على الجناح الآخر وانطلاقاً من هذا الفهم رفضت أكثر قيادات الحركة النقابية الاستقلالية التي منحت لها بل وعمقت ارتباطها بالقيادة السياسية والحكومية وهذا رأي خاطئ لعدم تمييز البعض من القيادة النقابية بين التنظيمين الحزبي والنقابي والخلط بينهما ، لذلك فقد أغرقت القيادة النقابية قيادة الحزب بالكتب اليومية والمذكرات والتقارير حول أبسط القضايا العمالية والمهنية على حساب القضايا السياسية والاقتصادية الهامة ومن هذه الكتب مثلاً : أن القائد النقابي فلان مدعو لحضور مؤتمر في الأردن أو بيروت أو أي مكان آخر ما رأيكم ، وأن شركة كذا سرحت 12 عاملاً يرجى أخذ العلم ، وأن الاتحاد سوف يعقد ندوة صحية ما رأيكم ونرجو الموافقة .
هذه نماذج ولا شك أن تواجد قيادات سياسية في قمة القيادات النقابية أمر طبيعي، وهم بذلك يستطيعون تعزيز الحركة النقابية وتمتينها من منطلق مكانتهم ، ولكن هذا لم يحدث لأن الولاء ليس للعمال وليس للحزب ، الولاء للقيادة السياسية الموجودة والولاء للحكومة مهما كانت هذه الحكومة .
أشارت الصحف السورية الرسمية مؤخراً إلى مخالفات ومحسوبيات وتجاوزات ارتكبها أمين فرع حزب البعث في حماه وأعتقد أنها المرة الأولى التي يشير بها الإعلام السوري إلى مخالفات يرتكبها قائد سياسي وهو على رأس عمله ومسؤولياته وهذا إيجابي ، المهم هنا أن أمين الفرع هذا هو من يحضر اجتماعات اتحاد عمال حماه ويعطي النصائح والتوجيهات ويطالب النقابات بالعمل والنضال واحترام القوانين ، لم تستطع النقابات العمل إلا بالسقف الذي يحدده أمين الفرع وأعضاء قيادة الفرع ، ترشيح مدراء لمواقع إنتاجية وخدمية من قبله وعزل مدراء من قبله أيضاً … وهنا علينا أن نتصور واقع الإدارات مع هكذا قيادات سياسية ولاء أكثر الإدارات لقيادة الفرع وليست للمؤسسة التي يديرونها وليست لقايدة الحزب المركزية .
قبل أكثر من 15 عاماً اكتشف أن أحد أعضاء قيادة فرع الحزب في حمص وكان رئيس مكتب العمال الفرعي منظم في جماعة الأخوان المسلمين واكتشف بعد سنوات من عمله بالفرع ، هنا علينا أن نتصور واقع الإدارات التي عينت في عهده ، وواقع شركات ومؤسسات القطاع العام في حمص تتحدث عن نفسها، إذاً الحركة النقابية لن نطلب منها أن تفك ارتباطها بالحزب ولكن المطلب معالجة التشابك الخاطئ بين العملين النقابي والسياسي وبين العملين النقابي والحكومي وإذا كانت المعالجة تتطلب إصلاحاً سياسياً في سورية وهذا ماكان يجب أن يحدث قبل الحديث عن الإصلاح الإداري والاقتصادي فإن الوقائع الآن تتطلب وضع جدار فاصل بين المنظمة النقابية والأحزاب السياسية وهذا لا يعني شل عمل التفاعل الجدلي المطلوبة لهما وإنما لجعل هذا السور يشعر به النقابي أنه نقابي فعلاً وممثلاً للعمال والذي هو أساس عمله ومع ذلك تستطيع القيادات النقابية تبوء المكانة المتقدمة في البلد من أجل العمال وحقوقهم ومطالبهم . عندما أقر اقتصاد السوق الاجتماعي ونقل سورية إلى الاقتصاد الحر جرى تململ في أوساط الحركة النقابية وتحدثت أكثر القيادات بأن هذا التوجه هو انتهاك للدستور السوري ولمبادئ حزب البعث ومنطلقاته النظرية وبعد لقاءات عديدة مع القيادة الحكومية وافقت الحركة النقابية على هذا التوجه خلال سنوات والمشاريع تقدم لاصلاح شركات ومؤسسات القطاع العام من قبل وزارة الصناعة ووافقت الحركة على جملة هذه المشاريع ولكن في الظل كانت هناك قرارات متخذة وظهر إلى العلن قرار بعد قرار ” طرح الشركات على الاستثمار وتصفية الشركات الأخرى” وصمتت الحركة النقابية وأقرت هذه الإجراءات مع تعديل قانون العمل 91 للقطاع الخاص اعترضت الحركة النقابية على بنود عديدة تنتهك حقوق العمال وتضرب مكاسب تحققت منذ أكثر من 50 عاماً وبعد حوارات ولقاءات خرج قانون العمل كما تريده الحكومة ووافقت عليه الحركة النقابية ، عندما عرضت المرافئ السورية على الاستثمار محطة الحاويات والتوكيلات الملاحية رفعت من قبل النقابات والاتحاد العام للعمال عشرات المذكرات التي تعترض على هذه الخطوة ولم يرد على هذه المذكرات.
قانون التأمينات الاجتماعية سوف يتم تعديله وبموجب هذا التعديل سوف تخفض الرواتب التقاعدية وتقول وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل أن هذا التعديل ضروري لأن مؤسسة التأمينات سوف تكون مفلسة في العام 2014 وهذه نصائح البنك الدولي طبعاً الحركة النقابية تعترض ولكن في المحصلة سوف يتم التعديل كما تريده الحكومة.
قوة الحركة النقابية وفاعليتها لا تتم من خلال الشراكة مع الحكومة في الخندق الواحد لأن هناك أكثر من خندق ولا تتم من خلال اللقاءات مع الحكومة وبوس الشوارب واللحى وإنما تتحقق من خلال تفاعل القواعد النقابية مع القيادات ومن خلال كسب عمال القطاع الخاص للانتساب إلى المنظمة النقابية وهذه مسؤولية النقابات وليست مسؤولية الحكومة، من خلال رسم الأهداف النقابية ووضع استراتيجية عمل بما يتناسب مع المرحلة الجديدة التي تمر بها سورية .
يتعزز دور الحركة النقابية عندما تقف بحزم ضد المظاهر البيروقراطية في الحياة النقابية ومكافحة الفساد والميول الارستقراطية وروح التعالي على العمال ومكافحة ميول الاستئثار بالعمل النقابي .
وفي كل الأحوال وكما انتقلت سورية من اقتصاد إلى آخر فإن مسؤولية الحركة النقابية تتطلب تغيير أساليب العمل جملة وتفصيلاً !!!
“كلنا شركاء”




















