يطرح تراجع وانحسار الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط أسئلة عديدة، تطاول طبيعة وأدوار القوى الإقليمية الصاعدة، خصوصاً إيران وتركيا، التي تريد كل منهما أن تلعب أدواراً محورية في المنطقة، وتطاول أيضاً طبيعة التحالفات الجديدة بين دول المنطقة، ومدى توافق أدوارها وعلاقاتها مع ما تريده وتسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.
وفيما يثير الدور الإيراني حفيظة الإدارة الأميركية وبعض الأوساط السياسية العربية، فإن الدور الإقليمي التركي، يحظى بقبول لدى بعض الأوساط العربية، ولدى الإدارة الأميركية كذلك، نظراً لأن تركيا هي دولة أطلسية وديمقراطية، وتستخدم الدبلوماسية الناعمة والنشطة، وتسعى إلى توسيع دائرة نفوذها الإقليمي، وإلى تحسين فرص انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى سعيها إقناع الولايات المتحدة بحجز مقعد لها في النظام الدولي.
ولعلّ الأهم هو أن التراجع الأميركي فتح الباب على مصراعيه أمام تكهنات وتخمينات بشأن إمكانية وجود صفقات وتفاهمات، سواء مكتوبة كانت أم غير مكتوبة، ما بين الولايات المتحدة الأميركية وبين إيران وتركيا وسواهما. وهناك من المحللين السياسيين من يعتبر أن الانسحاب الأميركي من العراق ومن أفغانستان هو انسحاب مقصود، يترافق مع دفع تركيا كي تلعب دوراً محورياً في المنطقة بالتنسيق والتشاور مع الولايات المتحدة، بل وهناك من يعتبر الانسحاب إقراراً بأهمية الدور الإقليمي لإيران في المنطقة المحيطة بها.
وليس جديداً حديث الصفقات، كما أنه ليس غريباً عن عالم السياسة الدولية في عصرنا الراهن، الذي عرف صفقات عديدة بين أطراف مختلفة ومتصارعة على النفوذ والمصالح، بل وعرف التاريخ السياسي تسويات ومؤامرات ومكائد كثيرة، لا يتسع المجال لذكرها. كما أن الصفقات ليست بعيدة عن العقل السياسي الأميركي، المتأثر بعقلية اقتصاد السوق والتجارة الحرة، القائمة على الصفقات، فضلاً عن أن العقل السياسي الإيراني، هو الآخر، ليس بعيداً عن عالم الصفقات، حيث توصف العقلية السياسية الإيرانية بعقلية “البازار”، القائمة على المساومة والمماطلة.
و يبدو أن اّلإدارة الأميركية باتت مقتنعة بأن لإيران دوراً تلعبه في حل ما تسميه “أزمة أفغانستان”، حيث أعلن ريتشارد هولبروك المبعوث الأميركي إلى كل من أفغانستان وباكستان، مؤخراً، في مؤتمره الصحافي بالعاصمة الإيطالية روما، أن بلاده لا تعترض إطلاقا على أن تحضر إيران اجتماع مجموعة الاتصال الدولية الخاصة بأفغانستان، بحجة أن إيران، بحدودها الطويلة والمفتوحة تقريباً مع أفغانستان وبمشكلتها الكبيرة مع المخدرات، “تملك دوراً في حل أزمة أفغانستان سلمياً”. وهكذا، فجأة اكتشفت الولايات المتحدة الأميركية أن لإيران دورها المهم في أفغانستان، وقبل ذلك اكتشفت دورها المهم في العراق! ثم ماذا بعد ذلك؟
أما فيما يخص الصراع العربي الصهيوني، فإن حديث الصفقات والمساومات تزداد وتيرته، بالرغم من الفشل الأميركي، الذي أعلنه توقف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة، بسبب رفض الجانب الإسرائيلي إيقاف النشاط الاستيطاني. وقد كشفت صحيفة “واشنطن بوست”، مؤخراً، عن صفقة أميركية في اتجاه إسرائيل، مقابل إيقاف الاستيطان لمدة شهرين فقط، تتضمن حوافز وضمانات كثيرة، والسبب هو استثمار وتمرير استمرار المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية في انتخابات الكونغرس النصفية المقبلة على الأبواب، التي يسعى الحزب الديمقراطي للفوز بها بقوة، وبأي ثمن. وبالفعل فقد اعترف السفير الإسرائيلي في العاصمة واشنطن، بأن الإدارة الأميركية قدمت فعلاً ضمانات لإسرائيل لإيقاف الاستيطان.
ولا يخفي النظام الإيراني سعيه إلى التفاهم والحوار، وإبرام الصفقات، سواء مع الولايات المتحدة الأميركية أم مع دول الاتحاد الأوروبي وسواها، وهو ما أعلنه قادة هذا النظام في أكثر من مناسبة، وفعلوه وطبقوه في السنوات الأولى لاحتلال أفغانستان ولاحتلال العراق. والغاية من سعيهم هذا هو حصولهم على شرعية الاعتراف الدولي بنظامهم واحترام خياراته، ومع ذلك فإن الطريق أمام الصفقات والمساومات مازالت شاقة، وتصطدم بالعديد من العوائق، وربما صعود أداور بعض القوى الإقليمية دفع مخيلة المحللين لافتراض عقدها في فضاء مسرح الشرق الوسط الشائك.
“المستقبل”




















