عشية اغتياله، كان رئيس الحكومة الاسبق الراحل رفيق الحريري يطمئن زواره الخائفين من الخطر على حياته، بأن ثمة ضمانات دولية قوية معممة في شأن عدم المس بسلامته ورغم ذلك لم تمض 24 ساعة على تطميناته تلك الا ودقت ساعة الصفر ونفذ الاغتيال لتدخل البلاد في مجهول لا يزال يحكم مستقبلها حتى الساعة. اذ ان المشهد يتكرر ذاته. والاستقرار الهش وربما الموقت تحت وطأة سيناريوات الفتنة والاستيلاء على السلطة التي تتردد بقوة في الاوساط الاعلامية والسياسية، يحكمه الضمان العربي تحت سقف التفاهم السوري السعودي. وهو ما يدفع رئيس الحكومة سعد الحريري الى الحفاظ على رباطة جأشه وتفاؤله أمام زواره مطمئناً اللبنانيين بأن لا طريق للفتنة “فالوطن يمر بأزمات وقد مررنا بالعديد منها ولكن ثبات اللبنانيين وقدرتهم على الخروج من الازمات وعدم فقدان الامل يبقى دائماً هو الاقوى. وبقدر ما تبدو الامور سوداوية يجب التطلع دائما الى المستقبل. والغد يوم آخر”.
ولكن هل تفاؤل الحريري في مكانه؟ وهل تصمد الضمانات السورية السعودية عند حلول ساعة الظن بالمتهمين بارتكاب جريمة اغتيال الحريري الاب وسط تردد معلومات في دوائر اجنبية عن ان الامر بات مسألة اسابيع معدودة، ومنهم من يذهب ابعد بالقول ان القرار السري صدر وابلغ الى الدوائر الضيقة المعنية في المحكمة ويبقى على المعنيين في المحكمة اتخاذ القرار في شأن تحويله الى قرار علني؟
لا شك في ان المشهد السياسي الراهن ولا سيما بعد تطيير جلسة مجلس الوزراء برضى كل الأفرقاء وبعده محاولة تطيير جلسة الحوار (التي صمدت بفعل عدم رضوخ رئيس الجمهورية للتراجع عن دعوته) يؤشر الى ان الجميع في مأزق خشية المواجهة على ما يصف مرجع سياسي مطلع الصورة وان كانت نسبة المأزق تتفاوت بحجمها بين فريق وآخر.
فالرئيس الحريري وضع من خلال ما آلت اليه الامور ومواقف “حزب الله” وسوريا منه امام خيارين لا يقل أحدهما صعوبة عن الآخر: هل يتجاهل تهديدات الحزب ووراءه دمشق ويسعى وراء الحقيقة او جزء منها على الاقل (يتمثل بالقرار الظني ليتم على اساسه البحث بالتسوية) او يعمل على اراحة سوريا عبر اسقاط اتهامه السياسي لها كما حصل في حديثه الى صحيفة “الشرق الاوسط” قبل فترة واعاد تأكيده اخيراً في مقابلته مع صحيفة “التايمس”، مخففا بذلك مساعي البعض لزعزعة الاستقرار؟
قد يكون خيار الحريري بات واضحاً في هذا الشأن: فهو اختار الخيار الثاني من دون ان يعدل عن الاول. فأسقط الاتهام عن دمشق من دون أن يقارب “حزب الله” في هذا الشأن، لا تبرئة ولا اتهاماً، مع تأكيده الاستمرار في المحكمة وعدم اعاقة مسارها رغم دعوة الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله الى مقاطعتها، علما ان في فريق رئيس الحكومة من يرى ان ثمة تسرعاً في ردة فعل الامين العام على هذه المسألة.
ويتسلح الحريري الابن بموقعه في رئاسة الحكومة ليقول “انا كرئيس حكومة ادعو في خطابي السياسي الى الهدوء والحوار وتدوير الزوايا”، سائلاً: “لماذا التصادم؟ الأن ثمة اختلافاً بالرأي نذهب الى المواجهة ونعطل الحكومة والبلد؟”
في المقابل يبدو مأزق الفريق الآخر أكبر: فهو يطلب من الحريري ان يعلن موقفاً يستبق القرار الظني، وهو يعي تماما ان قطار المحكمة انطلق ولا شيء يعوق مساره. فالمخارج المطلوبة من رئيس الحكومة بحسب المرجع عينه ليس بامكانه ان يقدمها. ولكن هذا الفريق الذي يدرك انه لا يمكن الحريري المقايضة على المحكمة ولكن يمكن بموقف منه ان ينزع عنها صدقيتها وشرعيتها. وليس القبول بتأجيل جلسة مجلس الوزراء التي تلحظ بند ملف “شهود الزور” على جدول اعمالها إلى الأسبوع المقبل الا رهان للمعارضة على امكان ان يغير الحريري موقفه.
وتصب الممارسات الجارية حاليا ضد رئيس الحكومة في اطار اخضاعه. ويرى المرجع ان هذا الامر، معطوفاً على الاجواء الضاغطة والتهويلية لا يدعو الى التفاؤل ولكنه لا يشكل سبباً او مبرراً للحريري للخضوع للابتزاز.
وفي هذا الاطار يقول المرجع عينه ان لا مصلحة لأي فريق بالمواجهة، لا السياسية في مجلس النواب او مجلس الوزراء عبر تغيير معادلة الاكثرية، ولا استباحة بيروت عبر تحويل السنياريوات الجاري الترويج لها الى “تطبيقات عملية”، وذلك لأكثر من سبب اهمها ان اي عمل عسكري او انقلاب سياسي على الحكم بصيغته القائمة لن يعني فقدان الاكثرية اكثريتها وتحولها الى الاقلية وانما سيطرة “حزب الله” باسم المعارضة والاقلية على الحكم في لبنان وهو امر لن يكون حسب المرجع مقبولا دولياً.
وقد عبرت المواقف الدولية الاخيرة عن قلقها من الواقع المستجد بدءاً من الادارة الاميركية مرورا بالموقف الفرنسي فالروسي واخيرا البريطاني انطلاقا من ثابتتين:
– الاولى منع سقوط قرار دولي يتمثل بانشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وتعطيل عملها على يد حزب محلي نظراً الى ما يمثله ذلك من سابقة تكون الاولى من نوعها في سجل العدالة الدولية ودور الامم المتحدة ومجلس الامن في تحقيقها.
– الثانية منع انهيار الوضع في لبنان لما يعنيه ذلك من سقوط للنفوذ الغربي في منطقة الشرق الاوسط ولتعاظم التطرف والارهاب فيه وامتداده منها الى العالم.
العودة الى 1990
وأمام المخاوف التي ترتسم حيال مفاعيل القرار الظني واستمرار الحريري في موقفه من المحكمة الذي يأتي نقيضاً لما طالب به السيد نصر الله بمقاطعتها على اساس انها مشروع اسرائيلي، يطرح مصدر سياسي تساؤلات مقلقة حول مرحلة ما بعد القرار الظني ويرى ان ما تشهده البلاد حالياً هو انقلاب سياسي – حتى الآن- يهدف الى العودة عن تسوية الطائف الى تسوية العام 1990 بعد سقوط العماد ميشال عون واستعادة سوريا نفوذها المطلق في لبنان.
ويرى المصدر ان البلاد شهدت محطات مفصلية منذ ذلك التاريخ، فبعد الطائف حصل الانقلاب على النفوذ السوري نتيجة صدور القرار الدولي 1559 واغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي مرحلة شهدت بعد حرب تموز 2006 مساكنة مع الفريق الحليف لدمشق من خلال شراكة وصفت بالضعيفة تغيرت بعدها قواعد السلطة بحلول السابع من ايار حيث تشكلت شراكة جديدة في توزع القوى فيها بعد اتفاق الدوحة. لكن كل الحقبة المشار اليها بتفاوت مكامن قوتها وضعفها للمعارضة لم توقف التحضيرات في رأي المصدر للانقلاب الكبير بحيث استمر استهداف المعارضة للقضاء والاجهزة الامنية والاعلام بهدف تدجين زعيم السنة والغالبية النيابية مستفيدة من تراجع الملف اللبناني عن الاجندة الخارجية عموما والاميركية خصوصاً.
واذا كانت زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للبنان ايقظت مجدداً العملاق الاميركي على مخاطر المد الايراني انطلاقا من لبنان لما له من انعكاسات على العالم العربي عموما والاسلامي خصوصا، فان التحول الحاصل وفق قراءة المصدر عينه لن يؤدي الى تغيير جوهري في المشهد بل سيزيد قسوة المواجهة وحدّتها. ويعول المصدر امام هذا الواقع على الدور السعودي الوازن للمعادلة الداخلية والقادر على الضغط على مختلف الافرقاء المحليين ولا سيما الوسطيين منهم والاقليميين بعدما وفرت المملكة الغطاء لدمشق للعودة الى الساحة المحلية من الباب العريض. كما وفرت من خلال المحور السعودي المصري والتفاهم السعودي السوري سقفاً للتهدئة الداخلية في انتظار انضاج التسوية.
وينتهي المصدر الى وصف المشهد الراهن كالآتي:
– لا قرار بعد لدى المعارضة بالتصادم المباشر مع رئيس الحكومة.
– لا عودة قريبة للاتصالات المباشرة بين الحريري ودمشق او بين الحريري والامين العام لحزب الله.
– لا تصعيد امنيا او عسكرياً في المدى القريب (اقله الى ما بعد عيد الاضحى).
– اي احالة لملف شهود الزور الى المجلس العدلي يعني اسقاط الشرعية اللبنانية عن عمل التحقيق الدولي.
– اي رفض للمخارج الجاري العمل عليها لملف “شهود الزور” واللجوء الى المجلس النيابي لطلب وقف المحكمة سيضع الحريري في مأزق تعطيل عمل المؤسسات كما حصل مع رئيس المجلس عندما اقفل البرلمان ومنع النواب من التصويت على الاتفاق مع الامم المتحدة في شأن المحكمة.
ويخلص الى القول “ان حكومة الوحدة الوطنية سقطت من دون ان يسقط رئيسها في محظور الاستقالة او الاقالة وهو امر يلامس الخط الاحمر”.
اذن، فالمرحلة مرحلة عض اصابع في انتظار من يصرخ اولاً”.
sabine.oueiss@annahar.com.lb
“النهار”




















