لم يعد الأمر يقتصر على المحكمة الدولية والقرار الظني والاتهامات المحتملة فحسب، بل أخذت الازمة تنخر في النظام وفي الدولة وفي المؤسسات. وما كان يجب ان ننسى، في غمرة الاحتفال بانتهاء أزمة 2006 – 2008، أن قطبي المعارضة “حزب الله” و”التيار العوني” وحليفيهما الاقليميين سوريا وايران، يسعون الى الاستيلاء على الدولة.
مما يزعج هذه الاطراف الاربعة أنها تعلم أنها قادرة عمليا، بفضل “سلاح المقاومة” على انجاز هدفها ولو تطلَّب منها أن تحرق الجسور في كل الاتجاهات. لكنها لا تجهل أن نصف الشعب ليس معها والنصف الآخر ليس مضمونا كله معها. ثم ان حسابات “اليوم التالي” للانقلاب لا تبدو مطمئنة في ما يتعلق بادارة البلد أمنيا وسياسيا. واذا كانت لا تبالي بعواقب أي انقلاب تقدم عليه، ولا يهتم كل منها إلا بمصلحته المباشرة، إلا أن مساهمتها المتهورة بانكشاف البلد ستتحول استدراجا لكل الاحتمالات، بما فيها الحرب الاقليمية.
هذه الحرب المستدعاة لن يشنها أصحابها، وهم هنا الاسرائيليون وحلفاؤهم، بسب أنهم معنيون مثلا بوجود أو عدم وجود “الموالاة” في الحكم، أو بمعرفة حقيقة من ارتكب الاغتيالات السياسية، أو باعادة الاكثرية النيابية الى نصابها، وانما لأنهم معنيون بالوضع الذي تديره سوريا مع ايران وتستخدمان فيه “حزب الله” تحت مظلة “المقاومة”. هذا الوضع الذي أُرغمت الدولة على تبنيه بسبب التحكم الاقليمي بمؤسسة الجيش، كما أُرغمت الحكومة على قبوله بحثا عن “التوافق”، يعرف اللبنانيون أن لا شأن لـ14 آذار به تفصيلاً، بل حتى لا شأن للتيار العوني، الذي يحاول فقط تحقيق مكاسب في سياقه.
من هنا ، لا ينطلق التركيز الاميركي الحالي على تحذير سوريا من افتراء محض، بل من حقيقة ان سوريا لاعب محوري في ما تخططه ايران و”حزب الله”، وليس سرا أن تصعيد الازمة وانزلاقاتها الخطيرة ووصولها الى عنق الزجاجة في مجلس الوزراء تمت جميعا بمباركة دمشق وتشجيع منها، بل ان “مسرّبي سيناريوات الرعب” هم من المحسوبين عليها، الذين يصمتون أو يتكلمون وفقا للاشارات الآتية منها. وليس سرا أيضا ان تعطيل مجلس الوزراء، تفاديا لأي تصويت يمكن ان يحرج رئيس الوزراء فيخرجه، يتم بايحاء منها، انتظارا لـ”حل سحري” يمكن ان ينبثق من المشاورات في اطار الـ “س. س”. لكن سقف التفاهم السعودي – السوري لا يستطيع أن يرتفع الى مستوى ما تطمح اليه دمشق، من إلغاء للمحكمة الدولية واعادة للتفويض الدولي لسوريا في ادارة الشأن اللبناني.
كانت الفرصة متاحة ومفتوحة منذ استعادة اللقاءات الرئاسية اللبنانية – السورية، ثم بعد حلول السفيرين في العاصمتين، وبالاخص بعد الزيارة الاولى للرئيس سعد الحريري لدمشق، كي تبرهن سوريا أنها أجرت فعلا مراجعة عميقة، موضوعية وايجابية، لمجمل تجربتها السابقة في لبنان، وأن تتخذ فعلا لا قولا موقعا على مسافة متساوية من جميع الاطراف لأن أحدا لا يريد – واقعيا – مخاصمتها حتى ولو اختلف معها، بل كانت الفرصة سانحة جدا لتدشين مرحلة علاقة بين دولتين وحكومتين تطمئن اللبنانيين والسوريين معا… ولكن، للأسف، لا يبدو أن تلك المراجعة حصلت، واذا حصلت فإنها أفضت الى الخيارات السابقة نفسها، رغم سقوط معظم الذرائع الامنية والسياسية التي كانت تساق لتبرير “الدور السوري” في لبنان.
لماذا لم يحصل التغيير المنشود في دمشق لادارة العلاقة مع لبنان؟ ربما لأنها لا تزال تعتبر أن هناك تهديدا اسمه المحكمة الدولية ولا بد من ازالته، رغم انها تجاوزته، لكنها تخشى أن يمس بحليفها الايراني عبر اتهام “حزب الله” او بالاحرى عناصر من هذا الحزب. ولا يدل الرد السوري على اعلان سعد الحريري خطأ الاتهام السياسي الى جدية في معالجة الازمة، كما أن مذكرات الاتهام التي أصدرتها تكريما لجميل السيد كانت مجرد تصعيد أخرق لا يعرف أحد ما الذي يدعو سوريا الدولة الى الاقدام عليه. ومع ذلك يبقى الأهم، وهو تشجيع “حزب الله” على وضع سيناريوات السيطرة على الدولة والحكومة، وعلى المدن والشوارع والازقة، كدليل دامغ على براءته من دم رفيق الحريري ورفاقه.
ليس بمثل هذه الطريقة تعالج أزمة تعرف سوريا، كما يعرف “حزب الله”، عنها أكثر مما يعرفه اللبنانيون، فالمتوقع من سوريا كدولة معترف لها بدور ونفوذ في هذا البلد أن تكون أكثر حرصا من أي طرف عربي او دولي آخر على الاستقرار ودوام التعايش وتعزيز التعاون مع لبنان، أقله اقتداء بمسارات ودروس علاقتها الطيبة والمزدهرة مع تركيا. بل ان المتوقع من سوريا، وهي المدركة أن لا مصلحة لها في أي فتنة في لبنان، أن لا تسمح لأي حليف لها بالانزلاق الى التهويلات الفارغة، والمتوقع منها ايضا تدعيما لدورها الايجابي البناء، أن تعمد الى تفعيل حوار لبناني مشارك في حل الازمة بل صانع لهذا الحل، لا أن تُخضع خياراتها لمناكفاتها مع واشنطن أو سواها. وللعلم، فاللبنانيون لا يجهلون ان سوريا مستهدفة اميركيا واسرائيليا ولا يقرّون ذلك على اختلاف انتماءاتهم، سواء عبر المحكمة الدولية أو غيرها. فلا الدولة ولا المجتمع يمكن أن يعوّلا على مثل هذا الاستهداف لسوريا او لـ”حزب الله”.
يبقى أن أي حل يمكن أن / ويمكن ألا يتوصل اليه الحوار السعودي – السوري لا يجوز أن يحل محل حوار داخلي لا بد منه في كل الاحوال. كيف يعقل أن ترجح الاطراف كافة انتظار التفاهمات الخارجية لتتفاهم في ما بينها. وهل يعقل أن يبرمج البلد أعصابه على وقع أن السيد حسن نصرالله سيحكي غدا أو في أي يوم آخر، وكلما حكى لا يعطي انطباعا بأنه باحث عن حل وطني وانما يعطي أنصاره جرعة جديدة للامعان في عدم احترام إخوتهم في الوطن. “حزب الله” لا ينفك يقول انه في ورطة، وإن على الآخرين إيجاد حل لها وإلا فإنه سيعاقبهم.
“النهار”




















