استفتاء شعبي وتصويت برلماني كلاهما شرعيان في الانظمة الديمقراطية. لكليهما فضائل ونواقص، ولكن السؤال هو ما اذا كان موضوع الجولان هو فتحة أم سد في وجه فرص السلام مع سورية.
الرغبة في الوصول الى اتفاق مع دمشق، اضافة الى الامنية العامة في السلام، تميزان على نحو خاص محافل في جهاز الامن تؤمن بان سابقة مصر، التي أنتجت 30 سنة من عدم القتال رغم ثلاث حروب وانتفاضتين، يمكن أن تتكرر بالنسبة لسورية ايضا.
على أي حال، المقارنة تعاني من النقص. فلمصر، باستثناء فترة الاحلام التوحيدية العربية لناصر، لم يكن هنالك تضارب مصالح اساسية مع اسرائيل. وفهم السادات، ولا سيما بعد حرب يوم الغفران، بان السلام سيعزز مصر في المنطقة وفي العالم. بالمقابل، فان سورية، التي في نظر نفسها هي التجسد للقومية العربية، غير معنية بعلاقات سلام مع اسرائيل، وبالتأكيد ليس اذا كان الامر ينطوي على تنازلات من جانبها. وبالعكس، فانها ترى في مجرد طرح امكانية السلام تنازلا.
دافع سلبي آخر ينبع من أن الاقلية العلوية في سورية مقتنعة بانها ملزمة بان تثبت اسلاميتها وعروبتها، بما في ذلك من خلال استمرار الخط غير المساوم تجاه اسرائيل.
رغم ذلك، تكاد تكون كل حكومات اسرائيل، من اليمين او من اليسار، حاولت ان تفحص اذا كان ممكنا مع ذلك اقتحام حاجز الرفض السوري. رابين أودع بيد الامريكيين ‘الوديعة’ الشهيرة (أي، الاستعداد لترك الجولان مقابل اتفاق سلام وترتيبات امنية) ولم يفهم أن الوديعـة، حسب المفاهيم السورية، تصرف في لحظة اعطائها.
احدى الخطوات الهامة التي اتخذها نتنياهو في 1996 كانت مطالبة الامريكيين باعادة ‘الوديعة’ ولكن أيضا محاولاته للشروع في خطوة مع سورية فشلت بسبب عناد السوريين؛ اما باراك الذي كان مستعدا لان يقطع شوطا اضافيا، فقد تبين له أن السوريين غير مستعدين لأي حل وسط، ويصرون على مطلبهم في ان تعاد اليهم المناطق التي سيطروا عليها خلافا للقانون الدولي، بما في ذلك الشاطىء الشرقي من بحيرة طبريا.
شارون لم يحاول. اما اولمرت الذي كان مستعدا لان يسير الى ما أبعد مما سار الجميع، فلم يقرب السلام، الا انه نجح في ابعاد الاتراك.
في الشرق الاوسط تلعب، كما هو معروف الكثير من الاكاذيب والنظريات المدحوضة، وهكذا ايضا تجذر الشعار وكأن اعادة الجولان هو مفتاح السلام والتغيير الجذري للمنطقة بأسرها. ويزعم ان هذا هو تغيير في اعقابه ست.وافق دمشق على الانقطاع عن طهران، فتوقف النبش في لبنان، وتطرد القيادات الارهابية من اراضيها وتصبح عضوا في الكتلة المؤيدة للغرب. غير أنه لا تصمد أي من هذه الافتراضات في اختبار الواقع. ما الذي لم يفعله اوباما كي يقرب اليه سورية؟ عين سفيرا امريكيا اول منذ 2005، بعث اليها بدبلوماسيين كباراً، وأزال قيودا اقتصادية. والنتيجة؟ اعترف كلينتون الاسبوع الماضي بان ‘سلوك سورية لم يستجب لأماني وتوقعات امريكا’.
الاعتراف بالخطأ لا يمكنه أن يشطب الانجازات التي سجلتها سورية لنفسها في هذه الاثناء. علاقاتها مع باقي الدول العربية، بما فيها السعودية، اصلحت؛ مكانتها في لبنان، صحيح حتى الان، رممت. وحظيت بمكانة نفوذ في العراق وكل هذا دون أن ينشأ حتى لو شق هو الاضيق في علاقاتها القريبة مع ايران، او في علاقاتها الوثيقة مع حزب الله، مع حماس ومع غيرها من منظمات الارهاب. كما ان علاقاتها المتوثقة مع تركيا، التي تصبح اكثر فأكثر مركزا للنشاط الاصولي السني، تساعد الاسد على تثبيت مكانته الاقليمية والداخلية على حد سواء.
اضافة الى ذلك، لولا ما أكدته الاستخبارات الامريكية في هذه الاثناء كعملية اسرائيلية، لواصلت سورية مساعيها في تطوير سلاح نووي. كل هذا يؤكد ما وصفه جاكسون ديل، محرر الشؤون الخارجية في ‘الواشنطن بوست’ كـ ‘غياب مطلق لنهج استراتيجي شامل من جانب الادارة’. الاختبار التالي سيأتي مع نشر استنتاجات لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري. وكما قيل فان هذه الاستنتاجات ستشير بشكل قاطع الى اتهام حزب الله، الى اليد الطويلة لايران والى عناصر لبنانية اخرى تأتمر بإمرة سورية.
هل ستنجح دمشق في تشويش تهمتها؟ هل الدول العربية الاخرى ستقف الى جانبها، هل ستندلع الفوضى التامة في لبنان؟ هل ستتدخل ايران بشكل نشط؟ الاجوبة على كل هذه الاسئلة ستضع في اختبار حرج السياسة الشرق اوسطية لامريكا وفي نفس الوقت ستؤثر على الوضع السياسي والامني لاسرائيل.
اسرائيل اليوم
29/11/2010
“القدس العربي”






