توالت الزيارات الى لبنان، بعد احمدي نجاد جاء اردوغان، فاكتملت صورة المشرق العربي الجديدة.
هكذا يستطيع اللبنانيون ان يشعروا بالفخر، لأن بلادهم ليست مرآة المشرق العربي فقط، بل مرآة المنطقة كلها، من الهضاب الايرانية الى المدى التركي. اي ان لبنان بعد كل حروبه، وبعد نجاحه في التحرر من الاحتلال الاسرائيلي البغيض، وفي فرضه الانسحاب على الجيش السوري، لا يزال في مكانه، بوصفه نقطة تقاطع وليس وطنا.
يستطيع المحللون السياسيون ان يروا في الزيارتين، ثم في زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية الى قطر، واخيرا زيارة الحريري الى طهران، علامات تبشّر بتهدئة ممكنة، من اجل استيعاب ما بعد عاصفة القرار الظني، وهي علامات تصب في النهاية في مصلحة تفاهم س.س. على اجتناب الفتنة. وهذا جيد بكل المقاييس، لأن لا شيء اسوأ من فتنة سنية – شيعية تأخذ الوطن الصغير الى التوحش النهائي. الجديد في المشهد اللبناني هو اضافة مظلة ثانية فوق المظلة السياسية الأمنية السورية- السعودية. دخل الشريكان الاقليميان الكبيران، تركيا وايران لتشكيل مظلة فوق المظلة العربية، تحميها من العواصف.
هذا الدور الأقليمي كان في الماضي منوطا بمصر، عندما كانت مصر دولة اقليمية كبرى. لكن الخروج المصري من الملعب الاقليمي، خلق فراغا سارعت تركيا الى سده، كي يحصل التوازن مع الدور الايراني المتعاظم. معادلة نبيه بري الأثيرة س.س. اصبحت اكثر تعقيداً، عندما انتقلت من معادلة ثنائية الى معادلة رباعية، وهذا يشير الى احتمال انتقال الوضع اللبناني من موقع ساحة الصراعات، الى موقع نقطة تقاطع المصالح.
على الرغم من ان الموقعين قد لا يختلفان كثيرا من حيث البنية، الا انهما يختلفان جوهريا من حيث الدور.
وقد سبق للبنان ان دخل لعبة التقاطع بعد اتفاق الطائف، حيث اتخذ التقاطع السعودي- السوري المدعوم من فرنسا والولايات المتحدة، شكل سلم اهلي مديد، انتهى مع اغتيال الحريري عام 2005.
كان جوهر التقاطع اقتساما للنفوذ بين السينين، السعودية تأخذ عبر الطائفة السنية الملف الاقتصادي، الذي صار حكرا على الرئيس الحريري، وسورية تمسك بالملف الأمني من خلال اجهزة الدولة، كما تمسك بالملف المقاوم من خلال حزب الله والطائفة الشيعية.
ورغم شن اسرائيل حربين على لبنان خلال تلك الفترة، فان اقتسام النفوذ هذا لم يهتز، بل صمد واثبت فاعليته على حماية مجموعة من المصالح التي بدت متضاربة.
لم يكن لهذا التفاهم ان يستمر لولا نجاحه في انجاز ضربتبن متوازيتين، قادت الأولى الى تهميش المارونية السياسية عبر نفي الجنرال عون واعتقال سمير جعجع، ما اعلن نهاية الغلبة المارونية في السياسة اللبنانية، وتقاسم نفوذ شيعي سني حل في مكانها. كما قادت الثانية الى طرد اليسار والقوى العلمانية من المقاومة اولا ثم من الحياة السياسية عبر التطويق والاغتيال والملاحقة، ما سمح للمقاومة الاسلامية باحتكار مقاومة الاحتلال الاسرائيلي.
انهار التقاطع مع التغير الذي حدث في سورية بعد وفاة الأسد الأب وتسلم الأسد الابن للسلطة، وبعد متغير اقليمي ودولي خطير تمثّل في غزو العراق، وانتقال السياسة الامريكية الى الهجوم.
هنا حدث اغتيال الحريري الذي اعقبه موجة من اعمال الاغتيال الوحشية التي قادت الى انهيار التقاطع والعودة الى منطق الساحة.
الفرق بين الساحة والتقاطع هو ان الأولى ارض صراع مفتوح، بينما الثانية هي ارض تنظيم للصراع وتواطؤ وتبادل مصالح.
لبنان اليوم على مفترق التقاطع بعدما ثبت امران:
الأول هو استحالة الحسم السياسي لأي من الطرفين، حتى وان كان الحسم العسكري ممكنا على المستوى النظري.
والثاني هو الاقتناع الذي بدأ يسود بأن القرار الظني، مثلما تقول التسريبات، وآخرها تسريبة هيئة الاذاعة الكندية، لا يملك معطيات صلبة، تسمح له بالانتقال الى مرحلة متقدمة وفاعلة.
هنا تأتي المظلتان العربية والاقليمية، من اجل ايقاف احتمالات الانهيار، والعودة الى ارض التقاطع بدل ارض الساحة. وعلى هذا الأساس سوف تجري من جديد عملية اقتسام معقدة للسلطة في لبنان بين الطائفتين الكبريين السنية والشيعية، على قاعدة تمثيلهما لقوى متوازنة في المظلة الرباعية.
تفتقد هذه المعادلة كي تترسخ ولا تتعرض للاهتزاز للعامل الاسرائيلي، الذي يستطيع الاطاحة بها في اي لحظة، عبر شن حرب شاملة على لبنان تعيد خلط الأوراق من جديد. لكن هذا العامل لا يستطيع ان يجد لنفسه مكانا في المعادلة، لأن اطرافها الأربعة لا تريده، ولأن التوتر التركي الاسرائيلي والايراني الاسرائيلي لن يسمحا به. علما ان تركيا وايران دخلتا المنطقة من اجل سد النقص الذي خلفه الانهيار العربي العام في مواجهة عدوانية اسرائيل وغطرستها.
هذا التحليل الذي يبدو منطقيا، ونأمل ان يجد طريقه الى التنفيذ، لأن بديله الوحيد هو بربرية الحرب الأهلية، يثير الأسى بدلا من ان يثير التفاؤل.
هكذا يجد الوطنيون والديموقراطيون اللبنانيون انفسهم خارج المعادلة، لأن المعادلة الطائفية السائدة تلفظهم، كما انهم لا يستطيعون التأقلم مع لا عقلانيتها.
فالوطن الذي حلموا به مرة ليس في الأفق، والحركة القومية التي ضحت اجيال متعاقبة في سبيلها دخلت في النسيان، ولم يبق سوى هذا التقاطع الذي يحوّل اللبنانيين واللبنانيات الى رعايا في طوائفهم، والى اشباه مواطنين في متصرفية جرى توسيعها.
“القدس العربي”






