سفارة واشنطن في بغداد دعمت حكومة يتزعمها المالكي بدعم كردي مع ‘بعض’ الشخصيات السنية
لندن ـ ‘القدس العربي’: تقدم وثائق السفارات الامريكية التي كشف عنها موقع ويكيليكس صورة عن العالم الذي رسمه سفراء ومبعوثو الادارات الامريكية السابقة واللاحقة ويجعل العالم الذي رسمه الرؤساء وقادة الادارات السابقة كاذبا، فالصورة الوردية التي تظهر على الاقل في المذكرات الاخيرة للرئيس الامريكي السابق جورج بوش، تناقض الصورة ‘الحقيقية’ التي تقدمها ‘وثائق’ السفراء. ففي الاخيرة يبدو عالما قائما على نقل ما يجري خلف الستائر السرية وتقييمات تبنى على حوارات تجري بين السفراء ومسؤولي الدول التي يعملون فيها في الحفلات او اللقاءات العامة، وعادة ما يتم رصد العالم وتقييمه بناء على اخبارية نقلها مصدر عن مصدر، وفي مجالس القيل والقال يتم التهكم ورسم صور ساخرة عن زعماء بلاد اعداء واصدقاء، وتمثل الوثائق الجديدة والضخمة تاريخا ‘بديلا’ واجتماعيا يهم الباحثين والعلماء الذين يبحثون في الكيفية التي نظرت فيها الامبراطورية الامريكية الحالية للعالم.
وسيكون لنشر الوثائق على الرغم من تقليل المسؤولين الامريكيين ومراقبين من اهميتها على طبيعة العلاقات الامريكية مع العالم، خاصة العالم العربي الذي عري مسؤولوه وتسابق المعلقون في الغرب على وصفعم بالمنافقين الذين يتحدثون لغة في السر تخالف العلن وهو ما دعا رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو للتجرؤ على القاء المحاضرات عليهم والطلب منهم الشفافية مع مواطنيهم.
وفي العالم الغريب للدبلوماسيين الامريكيين لا تزال الوثائق تكشف الكثير عن ما كتبوه من ارساليات وما حوته الحقائب الدبلوماسية من تقارير الجواسيس وعلقوا فيه على الشاردة والواردة. واذا اخذت الوثائق في مجموعة فهي تعكس في النهاية خوف امريكا وقلقها من التهديدات الصاعدة في العالم ضدها خاصة ايران التي نظرت اليها من منظور التهديد النووي والخوف على مصالحها في الخليج وطموح طهران ان تكون الدولة المهيمنة على المنطقة، والامر الثالث حماية المصالح الامنية الاسرائيلية وكل هذه المخاوف تعكس موقفا امريكيا من ايران على انها تهديد ‘وجودي’.
وفي سلسلة الكشوف الاخيرة، حديث عن موقف امريكا من العراق وتشكيل حكومته، وكشف عن اراء ومواقف العائلة المالكة بريطانيا ودور ولي العهد البريطاني في تمتين العلاقات بين البلدين، ووصف تقرير مسؤولة امريكية امير منطقة عسير ‘بالحرص الكبير على المال’ ودفعه رجل اعمال غربيا كي يرمم قصر والده الملك فيصل في جدة من اجل اقامة حفل استقبال للامير البريطاني.
وكذا كشف عن استعداد صيني للتخلي عن حليفتها في كوريا الشمالية مع ان تحليلات امريكية وصفت الوثائق بانها مبنية على الوهم. وهناك تفاصيل عن موقف امريكا من معارضي موغابي.
الاميران اندرو وتشارلز والسعودية
ففي الشأن البريطاني اشارت ‘ الغارديان’ الى تقارير كشفت عن موقف امريكا من العائلة المالكة البريطانية وتصرفات الامير اندور التي اثارت دهشة سفيرة امريكا في قيرغيزستان حيث قالت ان الامير تصرف بطريقة وقحة اثناء حفلة شاي في الصباح مع رجال اعمال بريطانيين وكنديين.
وهاجم الامير الصحافيين والفرنسيين ومحققي مكافحة الفساد في بريطانيا في اثناء حفلة زفاف تمت في بيشكك عام 2008.
وهاجم الامير الذي يعتبر مبعوثا للترويج للتجارة والاستثمار البريطاني ما تقوم به وكالة مكافحة الفساد في التحقيق في عقود اليمامة ووصفه ‘بالاحمق’، وهاجم محققي صحيفة ‘الغارديان’ التي فتحت الموضوع لاول مرة وقال انهم يدخلون انوفهم في كل مكان ووصفت السفيرة تاتينا غولفر تعليقات الامير في تقرير لها انها اتسمت باستخدام لغة جارحة وجاءت في معرض الترويج للتجارة البريطانية وقالت ان ‘رعايا امه الذين كانوا يجلسون حول الطاولة معه هزوا رؤوسهم بالموافقة على اقواله’.
كما وصف تقرير كتبه مسؤول امريكي في لندن نقلا عن مسؤول بارز في مجموعة دول الكومنولث ان الامير تشارلز ولي العهد لن يكون قادرا على الحفاظ على استقرار المجموعة كما فعلت والدته. ونقل عن اميتاف بانيرجي، السكرتير السياسي للمجموعة ان ولي العهد لا يحظى بنفس الاحترام الذي تحظى به والدته.
وقال ان المجموعة تحاول بطريقة هادئة دفعه للمشاركة في شؤون المجموعة. واضاف ان موضوع رئيس المجموعة تجب مناقشته بعد وفاة الملكة اليزابيث الثانية لانه لا يوجد في قانون المنظمة ما يشترط ان تكون الملكة رئيستها. وكشفت البرقية ان الامير وزوجته يعتبران لاعبين رئيسيين في العلاقة مع السعودية، فقد ساعدا على اطلاق سراح خمسة من البريطانيين المسجونين في السعودية في الفترة ما بين 2001 -2003.
وعملا على تخفيف حدة العلاقات بين البلدين فتح تحقيق في عقود اليمامة عام 2006. وفي برقية منفصلة يشير مسؤول ان رجل اعمال غربيا يعمل في السعودية اضطر لتأثيث قصر متداع على حسابه الخاص ويعود لامير سعودي معروف بحرصه ويستخدم كلمة ‘رخيص اي بخيل’ من اجل ان يكون الاخير قادرا على تنظيم حفل باذخ للامير تشارلز. ويقول التقرير ان رجل الاعمال اخبر ممثلة امريكا في قنصلية جدة، تاتانيا غوفلر نفسها سفيرة واشنطن في قيرغيزستان، ان امير منطقة عسير الامير خالد الفيصل اعطاه مهلة 3 اسابيع من اجل اعادة اعمار قصر والده المتداعي لهذا الغرض.
وعمل رجل الاعمال مساعدا للامير المعروف بحبه للاعمال الفنية. وبحسب رجل الاعمال فاول عمل قام به هو اطفاء الانوار من اجل ان لا يرى احد الاوساخ وهي تنقل من القصر. وكانت الشموع هي المصدر الوحيد للاضاءة.
العراق وتشكيل الحكومة
ومع ان الوثائق كشفت عن موقف امريكا من ايران ودورها الا ان العراق لم يكن غائبا فهو لم يغب عن احاديث المسؤولين الامريكيين مع القادة العرب، لكن سفارة واشنطن في بغداد وهي الاكبر في العالم، كانت مشغولة بارسال البرقيات منها برقية حذرت من حكومة ائتلافية تنتج بعد الانتخابات البرلمانية وهي الحكومة التي يحاول العراقيون تشكيلها منذ تسعة اشهر. وعبر المسؤولون الامريكيون عن رضاهم ببقاء نوري المالكي على رأس حكومة يتسيدها الشيعة ومدعومة من التحالف الكردي وتضم بعض الشخصيات السنية من الحزب الاسلامي. ولكن برقية ارسلت قبل انتخابات السابع من اذار (مارس) حذرت من امكانية اقتراب هذه الحكومة من ايران.
وتظهر الوثائق الصادرة عن السفارة في بغداد قلقا وعدم رضى من القوى الاقليمية بقيادة المالكي ومخاوف من هيمنة ايرانية في العراق. وتظهر الوثائق خوفا من الدول العربية من تدخلات ايران في السياسة والاقتصاد في العراق. وقالت واشنطن بوست ان الوثائق يبدو انها لن تؤثر على جهود تشكيل الحكومة ولكن مسؤولا كرديا مستقلا قال ان الحكومة العراقية رفضت الوثائق هذه واعتبرتها دعاية غربية قبل ان تطلع عليها، واضاف ان المسؤولين اعتبروا الكشف عنها عملية مدروسة لخلق مشاكل لهم وانها اي الوثائق ليست مهمة مع ان من يقرأها يكتشف الكثير من الاشياء فيها، مشيرا الى ان من يجهد نفسه للاطلاع عليها هو من يريد استخدام عقله.
وتكشف برقية صادر عن السفارة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2009 انه في حالة انتصار الشيعة في الانتخابات فايران معنية بتقوية الائتلاف الشيعي الموحد في المرحلة التي تلي الانتخابات وتشكيل الحكومة.
واكد التقرير ان الاكراد سيكونون العنصر الرئيسي في التأكيد على وصول الائتلاف الشيعي المتحالف مع ايران للسلطة. وتكشف الوثائق عن رغبة امريكية بانهيار التحالف الشيعي وضعف القوى الدينية المؤيدة لايران، واشاروا الى قرار المالكي خوض الانتخابات بدون التحالف الشيعي بانه ضربة للايرانيين ومحاولتهم ربط الاقتصاد العراقي بالايراني. لكن انتصار المالكي لم يعن تخليه او ابتعاده عن التأثير الايراني فمن دعم ترشيحه لولاية ثانية هم الصدريون.
ويكشف الامريكيون في بغداد عن صلات بين لواء القدس التابع للحرس الثوري الايراني ورجله في العراق قاسم سليماني ومسؤولين سياسيين عراقيين بارزين وان حجم المال الايراني المتدفق للعراق سنويا يتراوح ما بين 100 -200 مليون دولار. ويتحدث المسؤولون عن مجالات التأثير والضغط التي تمارسها ايران وهي دعم مالي للاحزاب ومشاريع اقتصادية ودعم جمعيات دينية ودعم عسكري لميليشيات شيعية.
واحيانا يمتد الدعم لعدد من اللاعبين السنة الذين يختارون بعناية. وتكشف الوثائق عن جهود المسؤولين الامريكيين تقوية علاقات العراق مع الجيران العرب من اجل تخفيف التأثير الايراني لكن السعودية اعتبرت المالكي عميلا ايرانيا، حسب قول الملك عبدالله لجون بيرمان. وتقول برقية ان وزير الخارجية القطري، الشيخ حمد بن جاسم ال ثاني اخبر السناتور الامريكي جون كيري ان الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد اخبره ان ايران هزمت امريكا في العراق وان المعركة الاخيرة مع امريكا ستكون في ايران.
امريكا تشك في معارضي موغابي
وتكشف التقارير عن محاولات امريكا الاطاحة بنظام الرئيس روبرت موغابي، في زيمبابوي حيث واصل السفير الامريكي هناك كريستوفر ديل (2004- 2007) تزويد الخارجية بمعلومات عن نشاطات المعارضة ويصف ديل موغابي بالرجل الشرس والانتقامي لكنه سياسي محنك وفي المقابل اثنى السفير على نشاطات زعيم المعارضة مورغان تسفانغيراي ولكنه وصفه بالرجل الذي ليس جاهزا للنصحية وانه متردد واحكامه خاطئة على الامور ويختار من يعمل معه.
وحذر ديل واشنطن من انه في حالة وصول حركة تسفانغراي للسلطة وهي الحركة الديمقراطية للتغيير فستكون مثل الطائر البحري القطرس المتغطرس، وقارن بينه وبين زعيم حركة اتحاد السفن في بولندا، ليخ فاليسا. فزيمبابوي بحاجة اليه لكن عليها ان لا تعتمد على قدراته السياسية. ووصف زعماء معارضة اخرين بانهم لا تأثير لهم واحدهم وقال انه يقضي وقته بقراءة برامج الحملات الانتخابية الامريكية.
امريكا لا يهمها الظلم في الشرق الاوسط
وفي هذا السياق وصف روبرت فيسك التسريبات الجديدة في مقال له في ‘اندبندنت’ تحت عنوان ‘نعرف الان ان امريكا لا تهتم بالظلم الحادث في الشرق الاوسط’ وجاء تعليق الصحافي البريطاني وهو يغطي الانتخابات البرلمانية المصرية حيث علق على نصيحة الرئيس المصري، حسني مبارك للامريكيين ‘يجب ان لا تلتفوا للديمقراطية’ واجاب فيسك ان الامريكيين في الحقيقة لا يهتمون بها.
واكد ان المشكلة لا علاقة لها بجهل الامريكيين في الشرق الاوسط لكنها تتعلق بفقدانهم البصر لرؤية الظلم الحاصل فيه. فالوثائق تظهر ان هم امريكا هو حماية اسرائيل وحث القادة العرب على الانضمام اليها واسرائيل في التحالف ضد ايران. واشار الى ان السفراء الامريكيين في المنطقة المشغولين في الحديث عن ايران لا يتحدثون عن الاستيطان في الضفة الغربية والنقاط التي يقيمها المتطرفون اليهود، ولا عن النظام غير القانوني الذي تستخدمه اسرائيل لسرقة الاراضي الفلسطينية. والاهم من ذلك فمبعوثو الادارة الامريكية يركعون امام المطالب الاسرائيلية، وبعضهم من المؤيدين المتحمسين لها، مشيرا بشكل ساخر الى ان قادة الموساد والعسكريين الاسرائيليين يقرأون للمبعوثين المذعنين قائمة المطالب- المشتريات الاسرائيلية.
ويشير الى برقية تتحدث عن ما قاله نتنياهو في 28 نيسان (ابريل) من العام الحالي عن دولة فلسطينية منزوعة السلاح بدون حدود ولا سلطة على مجالها الجوي، ويعلق ساخرا على محاولات مبعوث الرباعية الذي يسميه الان ‘لورد بلير اوف اصفهان’ بدلا من الكوت والعمارة ويقول مع السلامة لدولة قابلة للحياة. ويعلق على كلام العاهل السعودي الذي الح على الامريكيين لقطع رأس الافعى ـ اي ايران ان لغة القطع والذبح معروفة في الخطاب بالمنطقة فعرفات هدد بقطع يد بيغن والاخر هدد بقطع يد عرفات اليمنى وكل واحد هدد بقطع طرف من الاخر، كما ان الزعماء يهددون دائما بقطع رؤوس الافاعي والفئران والحشرات فيما شبه الاسرائيليون الفلسطيينين بالحشرات ‘ايتان’ والتماسيح ‘باراك’ وما الى ذلك من الاوصاف المتبادلة في المنطقة.
في الشرق الاوسط القادة يموتون ثم يبعثون
وقال ان الوثائق مضحكة مبكية لما فيها من مواقف غريبة ومنها التقرير الذي كتبه مسؤول في سفارة انقرة عن اخبارية نقلت عن ايراني عن ان المرشد الروحي للثورة الايرانية في مراحله الاخيرة من مرض اللوكيميا ـ سرطان الدم.
ويقول ان الشائعة هذه تشبه شائعات كثيرة نقلت عن قادة المنطقة في الماضي واوضاعهم الصحية. فهو يتذكر الماضي عندما كان يتحدث فيها مسؤولون امريكيون وبريطانيون ‘موثوقون’ من ان القذافي في النزع الاخير وان الخميني مات بالسرطان، وان ابو نضال يعاني من السرطان. ويعلق على تقرير مسؤول عن ممرضة القذافي ‘الشقراء المثيرة’ مشيرا الى سذاجة الكاتب قائلا ‘طبعا اليست كل شقراء مثيرة’.
عندما قال الاسد نحن افضل في تحليل المعلومات
ومن اهم التقارير التي يرى انها مهمة ذلك الذي يتحدث عن لقاء بشار الاسد هذا العام مع وفد من الكونغرس، حيث اخبر الاسد الوفد بان امريكا لديها ‘جهاز معلوماتي هائل’ لكن ليست لديها القدرة على تحليل المعلومات.
واضاف الاسد قائلا ‘ ففي حين نفتقد القدرات الاستخباراتية لكننا ناجحون في مواجهة التطرف لاننا اقدر على التحليل’ منكم، ويقول الاسد ‘في امريكا تحبون اطلاق النار على الارهابيين لكن خنق شبكاتهم هو انجع كثيرا’. وقال ان ايران هي اهم دولة بالمنطقة وبعدها تركيا ثم سورية. وعبر فيسك عن اعجابه بتقرير ارسل من القاهرة ‘وليس تل ابيب’ والذي وصف فيه ‘شياكة’ نتنياهو وسحره ولكن مشكلته انه لا يفي بوعوده ‘كذاب’. ويعلق في النهاية على لقاءات مسؤول امركي مع مسؤولي استخبارات اسرائيل الذين تحدثوا عن الوضع في لبنان وغزة والمخاطر التي يمثلها حزب الله والوضع المتفجر في لبنان على اسرائيل والتأثير السعودي والسوري والايراني عليه مذكرا ان المسؤول العسكري الاسرائيلي الذي تحدث عن مخاطر تتعرض لها الطائرات العسكرية التجسسية في جنوب لبنان نسي ان يذكر التأثير التركي والفرنسي والاسرائيلي والامريكي والبريطاني.






