ليس نزوة عابرة ولا عدوى الثورات, ما يحدث الآن في ليبيا وغيرها, وما هو مرشح أن يحدث هنا وهناك. ليس نزوة, بل هو كشف لما هو موجود بدلالة وجوده, وبعزيمة نهوضه وامتداده مدشناً زمناً عربياً شبابياً جديداً وهوية عربية جديدة .
المارد الشبابي العربي انتصب في أوانه ومكانه, ليحجب الأفق بحضوره البهي الناضح بالعزيمة وإرادة التغيير. خرج المارد ليتحرر من قمقمه ويحرر مجتمعاته بقوة الاحتجاج السلمي على عقود من القهر والإذلال والقمع مزمنة حتى التفسخ والتعفن, عريقة في احتباسها وكمونها حتى تفجرت كالبراكين المحتبسة منذ أبد.
فالغضبة الشعبية الكبرى حين تتحول إلى شوارع, تغلي وتفور بالعزائم وتتحلى بالحكمة والعلم والعقلانية والديمقراطية – أي تستند إلى أهم ركائز الحداثة – وعبرها تطمح إلى تحديث بنى مجتمعاتها ودولها, عبر جدلية المجتمع المدني – كبنية تحتية منتجة ومجددة, والسلطة كبنية فوقية- حاكمة ورشيدة, تشكل صفعة لكل من يعلن, أنا مجتمعات تقليدية رتيبة, ترفض القيم الديمقراطية وثقافة الحرية وتأبد الاستبداد وحكم الفرد وتشخصن حكامها.
لقد أسقط الشارع العربي ثقافة الغرب الاستعلائية عامة, والغرب الأمريكي خاصة, ولم يقف العالم عارياً من التاريخ ومن ثقافة الشعوب, وأصالتها, لتسوده ثقافة الغرب وقيمه بلا تمييز بين معتد ومعتد عليه, وبين مستغل ومستغله, وبين من يدعون صناعة التاريخ والحضارة ومستهلكيها, ولا بات العالم المتمدن مهدداً بثقافة إسلامية ( همجية ) بل صار تشاركاً بين جميع الشعوب والأمم, وتعايشاً بين الثقافات والحضارات المتباينة عبر الانفتاح المتبادل والثقافة المتبادلة والقيم الإنسانية الخيرة لصالح الجميع بلا احتكار.
كما أسقط مقولة حكامه المستبدين الذين يختبئون خلف خوفهم من شعوبهم, فيتوجهون برسائلهم المتتالية – المفضوحة – إلى الغرب والغرب الأمريكي, بأنهم حماة العلماينة ومكافحو الإرهاب والتطرف, وأن بديل سلطاتهم هو التطرف والإرهاب واستهداف الحضارة الغريبة .
لقد وأدت هذه الثورات والتحركات الكاسحة, رسائل الفتنة المذهبية والعرقية في صفوف الشعب الواحد, حين بينت الساحة والأحداث, أن فئات الشعب المتعددة عرقياً ومذهبياً وطائفياً وعشائرياً لا يستهدف بعضها بعضاً بل يهب الجميع مستهدفين التغيير الديمقراطي من أجل أن يتساوى الجميع, ويعمل الجميع وتتفاعل طاقات الجميع في وطن الحرية والكرامة وفي دولة المواطنة العادلة والحقوق والواجبات المتساوية لكل مواطنيها, في مناخ من الحريات الفردية والاجتماعية وحقوق الإنسان.
لقد رأى الجميع مسلمي مصر وأقباطها يداً مسالمة واحدة, وصوتاً واحداً يهتف لمصر, وينادي بحرية مصر, ومستقبل مصر, ورأى الجميع كيف يرد الشباب وترد المجتمعات المتحررة من كابوس الاستبداد على بذور الفتنة التي زرعتها الأنظمة المتسلطة الفاسدة المفسدة, وكيف ترتقي حركتها على سلم الفخار والمجد, متمثلة قيم الحرية والكرامة البشرية , إذ لا كرامة بلا حرية , وبلا عدالة ومساواة.
إنه عصر الثورات وعدوى الثورات – إن شئت – ولكنها عدوى الهواء النظيف, لتقول الثورات الشبابية المجتعية, وتقول امتداداتها وتفجراتها المتلاحقة لمن لم يستوعب الدرس من أنظمة العصمة والمكابرة: ” رأسك والجدار !!”
مجتمعاتنا العربية مأزومة, وأنظمتنا العربية مأزومة أيضاً, وكفانا مجتمعاً وسلطة نتبادل الأزمات وندورها.. كفى لأن مجتمعاتنا, بشيبها وشبابها, برجالها ونسائها ممسوسة بشرارة التغيير, ومختزنة رياح التغيير وإرادة التغيير وحكمته وعقله, فهل تلاقي الأنظمة العربية المتبقية هذه الإرادة , وهل تجسر الهوة العميقة بينها وبين مجتمعاتها لتقود عملية التغيير عبر بابه الآمن والوحيد, باب ملاقاة طاقات الشباب الجبارة وتمكينها وترشيدها, عبر بوابة الحريات السياسية والاجتماعية وباب الديمقراطية وحقوق الإنسان ؟؟ .
ثمّ ألا يكفينا نحن – السوريين – عقود من إعلان حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية والقمع وتغييب الحريات, وما دفعناه حتى الآن من كلفة الحرية الغالية, وقد كنا سباقين إلى الديمفراطية والحريات العامة والفردية منذ فجر الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي !!؟
فمتى نعلنها شراكة في الوطن الواحد عبر الحوار المتكافئ والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات, ومتى نرسي حالة استقرار سياسي قائم على سيادة دستور دائم لبلد مستقر, لا يعاني قلق الأنظمة ولا أرق المواطن, بلد يضمن مبادئ دولة الحداثة المتمفصلة المستقلة في مهامها والمتكاملة في خدمة المواطن والوطن ؟؟
ومتى يزال الغبن عن المحرومين من جنسياتهم, وحقوقهم المدنية, والمهجرين من أوطانهم, والممنوعين من السفر .. .. ومتى تخلى السجون السورية من أحرار الفكر والضمير و تطلق طاقات كوادر الوطن وشبابه ؟؟
كل متكامل, من أين جئته تجده دائرة مغلقة, أساسها ومركزها احتكار السلطة والمنعة على الإصلاح السياسي الذي هو بوابة العبور إلى الإصلاح الشامل, ومحورها استئصال الفساد والمفسدين وإعادة هيكلة بنية الوطن والمواطن عبر جدلية الفرد – مجتمع – سلطة = وطن معافى..
كلنا الآن شركاء في الهم الوطني وفي التخوف من إشارات غير مستحبة ورائحة منفرة. وكلنا نريده أمناً وحرية وكرامة للوطن, لا وطناً للأمن.
الوطن أكبر وأنبل من الجميع.. فهل كلنا لوطن الحرية والكرامة والعيش الكريم أولاً .. ؟؟




















