في 16/1/2011، إثر انتفاضة الشباب ـ الشعب التونسي كتبت مقالاً بعنوان : رسالة عاجلة لأصحاب الفخامة والجلالة والسيادة، وإلى أبنائهم وأصهارهم، ومافياتهم : ارحلوا ..
لم يكن حكمي برحيلهم فورة عاطفية ملتهبة أشعلتها تونس، أو فشّة خلق لمعارض أمضى جلّ عمره بحثاً عن أفق حرّ، بقدر ما كان التعبير المنطقي لحصيلة متفسّخة بعمر تلك الأنظمة وإخفاقاتها المريعة، والتعبير الصادق لأغلبية جماهير الأمة من المحيط إلى الخليج . في السجون الكبيرة والصغيرة، والمهاجر القسرية، وديار الغربة شبه الإجبارية، وكنتيجة لما فعله هؤلاء عبر حكمهم المديد بالأمة وقضاياها ومصالحها، والشعوب وآمالها وحقوقها، ولما بعثوه، وراكموه، وحشروه من احتقانات تنتظر الانفجار متعدد الأشكال في عموم الوطن العربي، وبغض النظر عن مسمى الحكم(شكله، لأن المضمون متشابه) : ملكياً كان أم جمهورياً، أم جملكياً القاسم المشترك الأكبر بين عموم تلك الأنظمة هو : الاستبداد المعمم المكين، التاريخي والمُحدث، واستلاب الحقوق، والتبعية، والنهب والفساد والإفساد، وتحوّل الحكم إلى نوع من تأبيد تتحكم به زمر أقرب للمافيا والطغم منها للطبقات، أو الأحزاب، والاستهتار المهين بالإنسان وكرامته، وبالأمة وحقوقها وموقعها ودورها .
كنت أدرك، بالتأكيد، الفروق في التركيبة، والظروف، وأسس الاستناد الفعلي والشكلي، بين هذا النظام أو ذاك، مما يسمح بوضع نوع من السلّم لها في جدول وفلسفة الاستبداد، ونوعية خطابها، ومستوى تعاطيها مع مطالب الشعب وحرياته الأساس، حيث (يرتقي) بعضها إلى المرتبة العليا، النادرة، التي يمكن اعتبارها ماركة مسجلة خاصة، وبامتياز يصعب على الغير، من قبل ومن بعد الوصول إلى مستواها، بينما بعضها يستنقع في حيّز الهوامش الهامشية التي تركها للتغرير والتمرير، وألاعيب الانتخابات المحسوبة، وعمليات التزوير، والضحك على النفس ببعض فتافيت محسوبة، في حين نامت جلّ الأنظمة الملكية والإمارية والسلطانية في كهوف القرون الوسطى التي تلفحها بعض القشور الاستهلاكية والترفيهية المستوردة .
****
في التباين هذا تبرز الحالة الليبية، كما الحالة السورية(ولكل منهما خصوصيات و”إبداعات”) كنموذج أنقى للطغيان والديكتاتورية والديماغوجيا والشمولية الهرمية، واللعب بالشعارات والقضايا الوطنية والقومية، وعبر خطاب شعبوي أكلته تلك النظم وتقيّأته كثيراً، وعديداً عبر عمرها المديد، فلم يبق منه سوى ترداد صداها واجترارها .
ولئن كانت مرحلة الستينات، وبداية السبعينات تعطي نوعاً من (المشروعية الثورية) لتلك النظم التي حسبت نفسها على قوى حركة التحرر العربية، أو استخدمت اليافطة للركوب والقعاد المؤبّد، حتى وإن كان على حساب الحريات العامة كلها، وحقوق ومشاركة الشعب، فإن التهامها، ونقضها الفاضح لما رفعته وامتطته واستغلته، وتبلور تطورها باتجاه استبدادي، أقلوي، نهبي، ومافيوزي تلعب فيه العائلة وطغم المقرّبين الدور الرئيس في الحكم ونهب المال العام.. قد أسقط عنها تلك المشروعية تماماً بما جعلها عارية في عموم الميادين، ولم يبق لها سوى خطاب الدجل والغش في حين تزداد قبضتها الأمنية، وتوغل في خنق الحريات، وقتل الرأي الآخر، وإغلاق كل المنافذ أمام الإصلاح، والتطوير، سلاح وجودها الرئيس مدى ترهيب وتدجين البشر وقتل اهتمامهم بالشأن العام، وسوية الخوف المعمم .
إن الشعارات الكبرى في الوحدة والحرية والاشتراكية(بغض النظر عن التقديم والتأخير فيها)التي رُفعت من قبل تلك النظم، قد أبيدت تماماً على يد الطغم الحاكمة(المالكة).. فلا وحدة تحققت، بل تشرشحت، وتفرّقعت، فغابت واختفت، وباتت (الدولة ـ المستثمرة) القطرية مهددة بالتفتيت على أكثر من شكل، ناهيك عن الحريات المشنوقة أمام الملأ، والاشتراكية الممسوخة، المفوّتة التي دفنت من زمان في رأسمالية الدولة لتوليد نوع جديد من الطغم الطفيلية التي تمتصّ دماء الشعب وخيراته .
ورغم أن هذه النظم تبدّلت، وارتدّت مراراً . قايضت وساومت على ما كانت تعتبره خياراتها(أيام شبابها)، أو براقعها، ورغم مرور الكثير من الرياح، وأفكار التغيير، ومنجزات الثورة العلمية، وتطور البشرية، خاصة في مجال حقوق الإنسان، والحريّات العامة.. إلا أن العقيد(الزعيم الذي لا يعترف بأنه مسؤول عن شيء) ظلّ مصرّاً على ترهاته(نظريته الثالثة، وكتابه الأخضر)، وهو مستلق في خيمة التمسّرح، تثقله النياشين والألقاب، فتكثر هلوساته وأحلامه الغرائبية، وبالذهن أن الشعب(شعبه) ساكت، قانع، خانع.. كيف لا ولديه ما يُخرس، ويميت، ويخنق ؟؟..وظلّت الخطب ذاتها الملوّنة بالتهم القديمة ـ الجديدة لمن يعارض، أو يفكر بقول لا ..(تحضر الإمبريالية كثيراً، هي المعششة فيهم، المعشوقة ـ الأمنية في علاقاتهم ومقايضاتهم وسمسراتهم) .
*****
جميعهم قالوا أن وضعهم ليس تونس، وليس تونس ومصر(وستضاف ليبيا لاحقاً).. وحينماً هبّ الشعب الليبي منتفضاَ يمزق الخوف، ويكسر عنق زجاجة الخنق، فيموج انفلات المخزون عقوداً أربع ويزيد من التنويم المفروض، والهلوسة المريضة بكل أفانين الذات، والخنق، وفوضى ابتكار الجنون.. بهت الزعيم فأًصيب بلوثة انفجار النرجس، وإذ بالجماهيرية قبض الريح، وإذ بالعظمى لظى الشواظ لعقل مريض ..
وبدلاً من أن يتعامل مع (الظاهرة ـ الانتفاضة، أو الاحتجاج) بروحية(الزعيم ـ معبود الجماهير)، والمسؤول عن حياة الشعب وأمن ووحدة البلاد ،أرسل ابنه(الذي لا يحمل أية صفة رسمية) ليلقي تلك المعلقة العجائبية التي تفضح المستور، وتبيّن كمّ التخلف في هذا النظام، وكمّ الاستخفاف بالشعب وإرادته، وكمّ الفاشية في أطنان التهديد والوعيد والقتال، والحرب الأهلية، وحرب القبائل، وحرب العشائر، وحروب البترول، وكمّ الفوضى القاتلة لعقل حوّل البلد إلى زنقة بالكاد تسع عائلته، وأفكاره.. وغير ذلك مما أجادت به قريحة مستبّدة فجّر مخزونها شعب أراد أن يقول : كفى .
ثم مسلسل خطابات الزعيم التي تثير الشفقة، كما تثير السخرية ..
*****
الآن يجد الزعيم متكأً، أو عكازاً لحربه ضد شعبه، وكأني به كان يدفع بالأمور إلى هذا الاتجاه ليصوّر صراعه مع الشعب على أنه : الدفاع عن ليبيا المهددة بالغزو الخارجي، وبالتمزق، والصوملة، والعرقنة.. فبئس النوايا، وبئس المواقف التي دفعت الشعب لامتشاق السلاح دفاعاً عن النفس بديلاً للتظاهر والتغيير السلميين .
ـ لقد ألقى الزعيم خطبتين عرمرميتين، فقع فيهما مخزون نرجسيته، ومرضه، فشن(الحرب) على شعبه علانية، وهدده بالويل والثبور، وبحر الدماء، وبملاحقته (بيت بيت، ودار دار، و زنقة زنقة، وفرد فرد ـ التي صارت الأغنية الأكثر رواجاً)، ثم تهديده بتحويل ليبيا إلى(نار حمراء ـ جمر )، وغير ذلك من كثير تشهده المدن والبلدات الليبية .(كان ذلك منذ البدايات وقبل أن تتخذ الأحداث مسارها الدامي، وقبل أن يجد العالم نفسه أمام إحراج كبير إزاء المذابح المتنقلة، وقبل أن تنفتح شهية الدول الغربية على أفكار التدخّل وفق سيناريوهات متعددة .
ـ القذافي(المبدع) أتحفنا بتعريف أسباب ثورة الشعب، ولأن(حكامنا) الفهلويين، الأفذاذ، يستحيل أن يروا الحقائق، أو يعترفوا باليسير منها، خاصة حقوق الشعب وإرادته وحرّياته، تفتّقت العبقرية عن كومة من الدوافع والخلفيات التي تنوّعت بداية في حبوب الهلوسة، والمُخدّرين، والمتشددين(ضمن تشكيلة راقية من توصيفات للشعب : المقمل، والجراذين، والتافهين).. وغير ذلك كثير، ثم التوّقف عند نسب ما يجري إلى القاعدة، ومناشدة الغرب أن ينتبه إلى هذا الاكتشاف الخطير ليساعد الزعيم في (حربه ضدّ الإرهاب، كما ساعدهم كثيراً).. ثم .. أخيراً : الغرب وعملاء الغرب، والمؤامرة وما أدراك ما المؤامرة ..!!! .
*****
ربما قال قائل : أنه كان يمكن للزعيم(السابق عصره) أن يتعامل مع احتجاجات الشعب، وانتفاضته(في بدايتها) بطريقة أخرى تخلو من الفوقية والتهديد، والاحتقار، والاستهتار، وأنه كان يمكن الالتفاف عليها، أو امتصاصها ببعض الإجراءات والخطوات، وبشيء من التواضع الذي يقرّ (ببعض أخطاء أربعة عقود ونيّف).. فيوفر على هذا البلد الشقيق أنهر الدماء، وأكوام الخسائر، بل والمصير المحتوم للزعيم وعائلته ونظامه .. لكن هل يمكن لنظام الاستبداد أن يتنازل ؟. هل يؤمن بوجود شعب يمكن أن يغضب ويتمرّد ويثور؟.. وإذا ما فعل ذلك وعملها الشعب في غمضة عين عن آراء المستشارين والمقربين والأجهزة الأمنية والمخبرين،وأكوام التقارير وصور أجهزة الإعلام ومظاهرات التجميع والارتزاق.. هل يستبدل المستبّد نهجه القمعي الذي ضمن له الديمومة بالاعتراف ببعض الحقوق والمطالب ؟؟..وبأن تجربته المديدة اعترتها بعض الفجوات والسلبيات؟، وأن الشعب كبر وفاق، وهو يرى الزلزال العربي، ويحلم أن يسهم في إنهاء قهر العقود، ومجون القوة والبطش ؟؟..
لم يفعلها زعيم الزعماء، ملك الملوك.. على العكس.. قدّم لها، من حيث يريد، أو بالنتيجة أكبر خدمة في انتشارها، وفي اعتماد خطاباته، وفعله لإشعال جمر الثورة الذي كان مطموراً تحت رماد الخوف، واليأس ..حين قزّم الشعب واحتقره بتلك الأوصاف السوقية، وحين هدده بالقتل والإفناء، والنار الحمراء.. وغيرها في مسيرة الزحف وثورة الثائر على شعبه .
***
اليوم تكثر الأحاديث عن الخارج وتدخله، ويرتدي الزعيم، منذ بضعة أيام رداء الثورية والوطنية التي تستعد لمواجهة(المؤامرة الخارجية)، بينما يدخل على هذا الخط بعض القوميين والقومجيين الذين يريدون أن يبتسروا المشهد كله بما يصدر عن الأمم المتحدة، وتصريحات وتحركات ونوايا بعض الدول الغربية، أو بعض التصريحات الشاردة، المستغيثة من هذا الفرد الليبي أو ذاك.. وكأن ثورة الشعب الليبي لا وجه مشروع، ولا مكانة لها، وكأن شعب ليبيا الثائر، الحريص على وحدة وحرية بلده العزيز يمكن أن يرحب باستعمار ليبيا، أو أن يؤيّد استقدام الغزو الخارجي إليه، وكأنّ هذا الشعب الذي يقدّم التضحيات الغالية كل يوم لا يستحق الحياة والحرية، والتخلّص من نظام دمّر البلد، وفشل حتى في إقامة سلطة تعتمد المؤسسات، ناهيك عن الإخفاق التام في إقامة دولة حديثة كان يمكن لها أن تقوم، وأن ترفع سوية الشعب الليبي في جميع المجالات ليكون الجاذب(حالة دبي والإمارات مثال صغير)، وكأنّ هؤلاء في خندق نظام يحارب الأعداء فعلاً وليس شعبه !!! .
لقد ابتلينا دوماً بهذا الخلط الساحق بين الوطني ـ القومي والاجتماعي، وفق نظرة حولاء تهرس الاجتماعي كله تحت بيارق الدفاع عن الوطن، ومواجهة المؤامرت الخارجية، وكأنّ تلك الأنظمة تحارب فعلاً، وتعمل على التصدي للمؤامرات الخارجية، وتحرر المحتل من الأرض، وتحمي الوحدة الوطنية، وتواجه تحديات ماثلة !! ..ناهيك على أن تجاربنا الدامية أثبتت إخفاق جميع الشعارات التي لا يحميها شعب حر مؤمن بها، وأن الحريات الديمقراطية هي الأساس لتحقيق ذات الإنسان، وبناء الدولة القوية، العزيزة .
القذافي(الذي لا يعترف أنه مسؤول، وأن بيده كل السلطات، وإن شبّه نفسه في واحدة من خطبه الهادئة بملكة بريطانيا وملك النيبال !!) يدفع بقوة، وتخطيط لتدخل خارجي قد يتخذ شكل حظر جوي، وربما ما هو أكثر، لأن ذلك، إن حدث، يكون الشماعة الأنسب لتعليق رفض الشعب له عليها، وتحريف جوهر الصراع، والثورة عليه، حين سيحاول إيجاد تهم جديدة للشعب تبرر له ديمومة المجزرة المفتوحة التي يقوم بها، وربما إغراق البلد في بحر الدماء، وتحويله إلى قاع صفصف(وقد وعدهم سيف الإسلام بذلك، وأكدها الزعيم قولً وفعلاً ) .
فشماعة المؤامرة الخارجية التي يسوّقها منذ أيام، ومعه بعض المريدين، وبعض القوميين الحساسين من أي تحرّك غربي(خاصة ودماء العراق ما تزال نازفة) هي الأنسب للاستبداد كي يغطي بها حقيقة نقمة الشعب عليه، ولم يخجل مبارك في اتهام الغرب بالتآمر عليهم، هو الذي كان من أخلص أتباعه وذيوله، فكيف سيكون الأمر مع من لم يجف حبر شعاراته (الثورية) إلا منذ بضع سنوات ؟؟..
****
البديهي أن الشعوب، وفي مقدمهم الشعب الليبي، وكافة قوى المعارضة، والقوى الحيّة ترفض رفضاً قاطعاً أي مساس بسيادة البلد ووحدته، ناهيك عن احتلاله، بل وحتى التدّخل المباشر في شؤونه، وإن أقصى المطلوب من المجتمع الدولي، وهيئات حقوق الإنسان حماية الشعب الليبي من المذبحة بوقف يد القذافي عن استخدام طيرانه الحربي، والتحقيق في الجرائم المرتكبة وتحويلها إلى المحاكم الدولية المختصة، وتجميد الأرصدة .. بينما سيتمكن الشعب الليبي، وأيّاً كانت التضحيات الجسيمة التي يقدمها من انتزاع النصر وإسقاط نظام القتل والاستبداد .
ثورات الشعوب أكبر من مشاريع بعض المأجورين العملاء، أو المندسّين، وهي الأقدر على تصويب مسارها، وحمايتها من أي تشويه، أو استغلال . وبرغم أن نظام القذافي حرم الشعب من ممارسة السياسة(إلا في علب أهوائه)، وافتقاره إلى التقاليد الحزبية، وهيئات المجتمع المدني، وأدنى هوامش حرية الصحافة والإعلام، وغيره كثير.. إلا أنه يًطور وعيه وأساليبه في خندق مواجهة الاستبداد، وسيعرف كيف يتغلّب على المصاعب، وكيف يتجاوز الأخطاء وبعض مظاهر الفوضى والفلتان والبعثرة..
يكفي ثورات شعوبنا العربية فخراً، وإنجازاً،حتى الآن، أنها كسرت زنازين، وسراديب الخوف المدّلهمة، وجدران الرعب القاتل للحياة، وهيبة بساطير الفتك وجلاوزة القوة، وكتاب التقارير، وخلقت الثقة بالنفس، والاعتزاز بالوطن، والشعب والأمة .. والقادم أعظم، وأفضل .
الثامن من آذار 2011





