” نهـــايــة عــهــد “
قد يبدو نشازاً الحديث هذه الأيام عن الغد في سورية في حمأة الانتفاضات الشعبية المتعاظمة والمتلاحقة في عديد الساحات العربية من مغربها إلى مشرقها – أكانت جمهوريات مزيفة أم ملكيات ، بترولية كانت أم لا ، قريبة من فلسطين أم بعيدة ..- ، وهي تشدّ عيون واهتمامات العالم ..
وقد يبدو التغيير المنشود مبكراً – في رأي البعض – أو ضرباً من الأماني في تقديرات بعض آخر ، نظراً لما هو سائد على السطح من معطيات متداولة حول سطوة الاستبداد الشامل والمديد من جهة، ونتيجته في إفقار البلاد من قواها الحيّة ، قتلاً وفتكاً وسجناً ونفياً ، ومن فاعلية شبابها على مدى أجيال تقارب ثلثي تاريخ سورية الحديث ، تضليلاً وتهميشاً وترويعاً واستلاباً، من جهة ثانية، وغلق جميع الهوامش والمنافذ على أي حراك، أو حرّيات بالحد الأدنى، من جهة ثالثة ..
لكنّها سوريـــة.. بموقعها وتاريخها والمعروف عن شعبها ، لا يمكن لها أن تبقى معزولة عن هذا التسونامي التحرري في عموم المنطقة ، والذي لاشكّ أنّه تأخر بعض الوقت عن ركب المتغيرات العالمية ، ناهينا عن أنّ منطق التاريخ وجدله لا يسمح أكثر بهكذا ” موات ظاهري ” .. فسورية تبقى واحداً من أهم المفاتيح في المنطقة عربياً وإقليمياً .. والشباب هو الشباب ، مخزن الحيوية وكمون الانتفاضة والتغيير مهما خضع للاستلاب، والحصار، والتخويف ..
هكذا ، لا يجوز أن نتصور – مثلما يتوهم أو يتظاهر سادة ورموز الاستبداد – أنّ سورية ستبقى عصيّة أمام عوامل الثورة والتغيير الديمقراطي ، سواء بفعل هذه المتغيرات العاصفة أم بفعل تراكم عوامل التفجّر الداخلي وتراكم التضحيات ، وما أكثرها بعد أربعة عقود من الاستبداد والفساد والتوريث والهوان..
لا شكّ أنّ هناك نقاط اشتراك وتشابه عديدة بين مختلف الساحات العربية ، من كوكتيل التسلط والاستبداد والفساد والتخلف وتهميش الشباب، وتغييب الشعب والتعالي عليه ..كما أنّ لكل منها ميزات خاصة تتعلق بطبيعة وسيرورة المجتمع ذاته كما بتاريخ وقبضة الاستبداد القائم، ومحتوياته وركائزه، وخلفياته الداعمة لديمومته ..
لنا هنا أن نختار أهمها فيما يعني سورية :
فهي بلد التوريث ( الجمهوري ) الأول ( والأخير ) حيث يبدو قطار التوريث الموعود يقفل سكـّته المعطّلة ليعود إلى محطته سورية وهو يحمل نعشه.
وهي البلد الذي يتفاعل دائماً مع أوضاع القطر العربي الكبير ( مصــر ) في كل المحطات والمنعطفات ، باتجاه كما بآخر .. ،
وتسلط نظامها الأسدي أكثر ما يشابه ويواكب نظام – الصرعة القذافي في ليبيا – رغم ما به من تشابهات مع أنظمة “جمهورية – مزيفة ” أخرى ..
وفي الوقت الذي أبدع الشعب العربي في كلّ من الساحات المتحركة عبقرية خاصة في التعامل مع تحديات الاستبداد في بلده حتى إسقاط قمة وبعض رموز وركائز النظام المعني ، فليس هناك تاريخياً وواقعياً ما يضع الشعب في سورية خارج السياق ، خاصّة أنّ قواه الحيّة لم تتوقّف يوماً عن ترجمة حيويته ونضاله في وجه أعتى الأنظمة الاستبدادية في الواقع الدولي ، لا يـُنقص من تضحياته ، تلك التغطية الدولية والعربية الواسعة التي حظي بها النظام- السمسار طيلة عهده ..
صحيح ٌ أنّ قمة النظام تتصرف و تعتقد أنّها دائمة و أنها وفـّرت لذلك ما يلزم من أسباب القوة و لجم وتدمير المجتمع ، وأنها ليست كهذا القطر العربي الثائر أو ذاك ، بوهم صلاحية استمرار وإتقان فنون السمسرة والمتاجرة بدور ومصير سورية مع القوى الخارجية الفاعلة .
و لا بأس هنا من التذكير بما نـُقل عن دبلوماسي غربي من أن بشار أسد كان قد أجابه خلال لقاء معه على سؤال يتعلّق بهوية طفل دخل عليهما : بأنه رئيس سورية القادم ، وهو حافظ بشار حافظ أسد . الأمر الذي يمثل فعلاً حقيقة تفكيره وتخطيط بيت أسد ، وذلك بغض النظر عن مدى دقة هكذا تصريح ..
صحيح أيضاً أنّ واقع المجتمع السوري – على السطح – بما لحق به من ممارسات تخريبية يسمح للبعض من المتابعين والوطنيين بالاعتقاد أنّ سورية مازالت بعيدة عن ولوج قطار التغيير ، نظراً لعوامل أخرى هامّة ، منها :
* الواقع المثقل للقوى السياسية المعارضة، وما حلّ بها من اضطهاد وملاحقة وتصفيات، وما عانته من يتم إزاء الوضعين : العربي والدولي، ومن تغييرات كبرى في نسيج المجتمع واهتماماته، وأوضاعه، وترهل قيادات معظمها وإرباكاتها الداخلية وقصورها عن مواكبة المتغيرات وعن انجاز التكتل المفروض حول برنامج ” التحرر الوطني الداخلي “، بل والاتفاق حول قواسم التغيير المشتركة ووسائلها وتثوير، بما في ذلك القطع مع المراهنات الخلبية على إصلاحات من داخهل الانتظار، والبقاء على لائحة انتظار ما قد يجود به في هذا الشأن، وبالتالي : العجز الواضح عن قيادة حراك المجتمع ، يصعّب من ذلك فعل القمع المتواصل والإرهاب المتعدد الأشكال والحصار والتضليل ومحاولات الاختراق الخبيثة من قبل النظام وتصدير الأزمات لها ، مما أدى إلى تراجع دورها وحضورها وفاعليتها ..
* خلق وتغذية العصبية الأقلوية الخاصة من قبل قمة النظام وبعض دواليبه ( طائفياً و عائلياً وعشائرياً ..) ، حيث كان حافظ أسد قد سعى لها ونفخ فيها وركب حصانها قبل استيلائه الكامل على مقاليد السلطة واستخدامها في صعود عهده، وموضعتها في (معاركه) الداخلية مع خصومه، واستخدامها فزاعة معلنة أوخفية .. إمعاناً في تهديد الوحدة الوطنية وإضعافها خدمة لتسلطه ولاستمراره
* ركوب واستنساخ الصيغ التضليلية المعروفة لمواجهة الكيان الصهيوني الإفتراضية وصولاً إلى حصان الممانعة المزعومة والفارغة من أي معنى ، بالتوازي مع الاستخدام التآمري المستمر للقضية الفلسطينية كورقة داخلية وإقليمية ودولية، وفي الوقت الذي لم يتوقف لحظة عن السعي لتمزيق الوحدة الوطنية الفلسطينية أساس وسند كل مواجهة ونضال وطني فاعل ومتقدم ..
* الحرص المعروف والمعلن من الكيان الصهيوني على استمرار هكذا عهد بالذات ، لسكوته المطلق والمطبق عن مجابهة الاحتلال الصهيوني للجولان السوري بحجة أن ” السلام ” هو خياره الاستراتيجي، ورفع شعارات لا تقلّ خلّبية ودجلاً عن الممانعة، واختيار الزمان والمكان المناسبين، وتصدير خطاب يتسم بالديماغوجية القومية التي يمكن أن تغش وتجذب بعض الأوساط والقوى..بينما الواقع غير ذلك تماماُ، ويزداد وضوحا مع عزلته الداخلية وواقع الفساد والإفساد بما لا يسمح له بتشكيل أي خطر حقيقي على راحة وحركة هذا الكيان الصهيوني الذي يدرك جيداً ويصرّح مراراً أن الجولان المحتل هو آخر انشغالات النظام الفعلية داخلياً وخارجياً.. وحيث أن عهد أسد و- بالملموس -لا يريد السلام أصلاً وفلسفة مثلما يرفض الحرب والمواجهة ، طالما أنّه يضمن بهذا السلوك بقائه واستمراره إلى أقصى مدى ممكن ..
* التغطية الدولية والعربية الواسعة له ولعملية التوريث المشؤوم، بدافع امتهانه للعبة السمسرة والمقايضة على حساب دور ومستقبل سورية واحترامه التام لوعوده و لاتفاقاته مع القوى الغربية والكيان العدو ..
*تحالفه المعروف والواسع مع النظام الإيراني الذي يمدّه – بواقع الأهداف والمصالح والأبعاد المشتركة – بعديد صيغ المساعدة والإسناد ، كما يمدّه( حسبما هو متداول بشكل واسع داخل سورية ) بالعناصر العسكرية لتعزيز حراسة وحماية قمة النظام .. مقابل فتح أبواب القطر لمدّ النفوذ الإيراني ولاختراق الساحة العربية والتآمر على القضايا العربية بحجج وادعاءات أقل ما يقال فيها أنها مضللة وثورجية ..
* العودة مجدداً لمدّ نفوذه المباشر عبر قنوات وأدوات متعددة إلى الساحة اللبنانية وللنفخ في ما يهدد الوحدة الوطنية اللبنانية، متشدقاً بدعم المقاومة لمواجهة العدو الصهيوني ، بموازاة سكوته الدائم عن احتلال الجولان وخياره الاستراتيجي للتفاوض من أجل” السلام ..”
* سعيه لفك العزلة عنه ، من باب العلاقات الواسعة والمتطورة مع تركيا الجارة، بما يجعل منها – وهي تسعى لتوسيع تأثيرها في عموم المنطقة – حريصة على استقرار سورية ( بنظامها على ما يعتقد أهل هذا النظام ) و استمرار هذه العلاقات الإستراتيجية ..
****
لكن ، بالمقابل ، هل تفعل هذه الميزات الخاصة بسورية كبلد ومجتمع ، أو الخاصة بالنظام داخلياً وإقليمياً ، فـِعلَها باتجاه واحد فقط ، ينحصر في استفادة النظام منها لتقوية مواقعه في مواجهة استحقاقات المجتمع وآمال الجماهير العريضة ، وبما يمّكنه من تحييد مصيره عن تفاعلات وعدوى المتغيرات الثورية الجارية في معظم ساحات الوطن العربي وفي إيران أيضاً .. ؟؟
إنّ التحليل الموضوعي لكل من عناصر هذه اللوحة ، ولطبيعة كل ميزة ، يظهر أنّ لكل نقطةِ قوةٍ من هذه النقاط وجهها الآخر الذي يمكن له أن يحولها في ظرفٍ ناضج إلى نقيضها ، حيث يتحول الاختراق إلى حصار معاكس .. فيما سنـرى ..
**********




















