– 4-
شهد النصف الأول من القرن المنصرم حربان عالميتان جرتا من اجل نهب واقتسام ثروات الدول الفقيرة من قبل الدول الغنية . اما النصف الثاني فقد شهد ظاهرة أخرى ربما لا تقل مأساوية عن ظاهرة الحرب , انها ظاهرة القواد الضرورة الذين خرجوا من رحم الطبقات السفلى واستولوا على سلطات بلادهم باسم شعارات شعبية تقدمية وبراقة , ولكنهم تحولوا من خلال الكراسي الى وحوش كاسرة تُكشِّر عن أنيابها بوجه كل من يسأل عن ثروتها ونفوذها ولم يترك احدها كرسيه الا بالموت او الحديد والنار ( من ستالين الى ماوتسي تونغ وشاوشسكوا وتيتو وهتلر وفرانكو وسالازار ومنغستو هيلا مريم وسياد بري وعبد الناصر وهواري بومدين والنميري وصدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي ) .
لقد دفع الصراع الطبقي – ذلك المحرك الجبار للتاريخ حسب وصف ماركس- الى السطح في القرن العشرين معتوهين وبلهاء ومرضى مصابون بجنون العظمة ذاقوا خيرة أبناء شعبهم ألوانا من العذاب .
عزاؤنا نحن المثقفون الذي نعيش في هذا الزمن هو حضارة الجنس البشري وما راكمت من حس انساني يجعل استمرارهم في الحكم عسيرا , وها هو العالم بكل مؤسساته يقف الى جانب شعب ليبيا ضد معتوه من نوع خاص يعتبر نفسه هو المجد والثورة والشعب الذي لا يحبه لا يستحق الحياة .
من جهة أخرى : اذا كان عنف القواد الضرورة قد أشعل الانتفاضات في البلدان العربية التي تئن تحت حكمهم باسم النظام الجمهوري , فان فتيلها لن يتوقف عند حدود تلك البلدان كما نعتقد , وستعطي دفعة للصراع على مستوى العالم وليس على مستوى وطننا العربي لتكنس بقايا الأنظمة الملكية . ومع إقرارنا بأن الأنظمة الملكية العربية أكثر إنسانية وتقدمية من الأنظمة الجمهورية العربية الحالية . – على سبيل المثال لا الحصر لايقارن أمير قطر بعمر القذافي مع أنه متناقض مثله في أطروحاته السياسية ) . لكن ذلك لايلغي الاعتراف بالحقيقة الموضوعية التي تقول: النظام الجمهوري متقدم على النظام الملكي تقدم النظام الرأسمالي على النظام الاقطاعي . وأنظمتنا الملكية استثناء له أسبابه يؤكد القاعدة العامة ولا يلغيها
النظام الملكي يقسم الجنس البشري الى سلالتين احدهما يجري في عروقها دم ازرق والثانية دم احمر- وما قالته الثورة الفرنسية عن النظام الملكي صحيح يشكل تام (الملوك في النظام المناقبي هم الوحوش في النظام الطبيعي . فالبلاطات هي مصنع الجريمة ومدبغة الفساد , وتاريخ الملوك هو تاريخ شهداء الأمم ).
واذا كانت فرنسا قد تحولت فيما بعد عن روح ثورتها وأصبحت دولة استعمارية تدعم حق الملوك في السلطة , فاننا نأمل من الثورات العربية أن تكمل ما بدأته الثورة الفرنسية وتحرض الشعوب الأوروبية لكي تنتفض ضد أنظمتها الملكية التي تجاوزها الزمن لترسلها الى متاحف التاريخ (ان هذه الدول تحنط ملكياتها باسم الحفاظ على التراث والفلولكور من اجل مصالح طبقية خاصة بها من بينها دعم امارات ومشايخ وملوك تجاوزهم العصر ) .
ان انتفاضاتنا العربية تجمع بين الطبقي والانساني جمعا خلاقا . وهاهي قد بدأت ولو بشكل خجول داخل الأنظمة الملكية كما يحصل الآن في عمان والبحرين . وان كانت لم ترفع بعد شعار اسقاط النظام الملكي هناك فاننا نعتقد أنها سترفعها في السعودية لأنها تتشابه مع الأنظمة الجمهورية العربية في القمع والأجهزة المتورمة ومصادرة حرية أبناء شعبها.
النظام الملكي المطلق في السعودية لا ينتمي للعصر فهو اقرب الى أنظمة القرون الوسطى وفضائح أمراؤه زكمت الأنوف في الداخل والخارج . وبقاؤه بهذه الصورة لطخة عار في جبين العالم الذي يتشدق بالانسان وحقوقه , ولكنه يفتح قلبه ومدنه وفنادقه لأمراء العائلة من اجل أن تحظى شركاته فوق القومية بعقد استثماري داخل السعودية , فهل سيبقى كذلك اذا وصلت شرارة الانتفاضة الى قلب السعودية ؟ وهل سيغلب الغرب الطبقي على الانساني فيهب لنجدة الأمراء بحجة الاستقرار العلمي وما شابه ذلك ؟ ام أنه سيدعم حق أبناء الجزيرة العربية في تشكيل دولة جديدة لها قرارها المستقل عنهم ؟
المؤكد أن استقرار العالم يحتاج الى تغليب الانساني على الطبقي وعدم مسايرة مصالح حفنة فيه على حساب مصالح البشرية ككل .
حان الوقت لكي تصبح الجزيرة العربية دولة جمهورية اسلامية نزعت ملكيتها من آل سعود . وسيحصل ذلك عاجلا ام آجلا كما نزعت ملكية تركيا من آل عثمان وتحولت الى جهورية حديثة .
كامل عباس – اللاذقية




















