كان يوم السبت الماضي يوما مشهودا ومثيرا؛ جماهير غفيرة تحاصر مقر مباحث أمن الدولة في محافظة السادس من اكتوبر القريبة من القاهرة. وكنت لم أكد استقر في منزلي في ضاحية ‘الشيخ زايد’ التابعة لنفس المحافظة، بعد يوم طويل من العمل والحركة، وإذا بي استقبل مكالمة من الأخ والصديق الأكاديمي والناشط الوطني يحيى القزاز استاذ الجيولوجيا بجامعة حلوان؛ يبلغني أنه في طريقه إليّ، وهو يسكن في أطراف القاهرة من ناحية الشرق، وأنا أسكن طرفها القصي في الجنوب الغربي.
قال انه أُبلِغ للتو بأن هناك من عثر على ملفه وملف عبد الحليم قنديل في أمن الدولة بالسادس من اكتوبر، ولكوني أقيم بالقرب من ذلك المقر رغب في أن نذهب سويا ومعنا الزميل الصحافي ياسر مشالي جاري في هذه الضاحية، وذهبنا ثلاثتنا، وعلى مشارف المقر وجدنا كمَّا من السيارات الخاصة، وجمهورا غفيرا من المواطنين؛ استطاع كسر الحواجز ودخول المبنى، ولاحظنا أن العدد الأكبر كان من السلفيين والمنقبات، وهم يرددون: ‘الله أسقط النظام’ وكأنه رد على شعار ‘الشعب أسقط النظام’.
شُغِلنا بالتجول في المبنى والتعرف على ما فيه؛ وجدناه أشبه بقلعة لفرعون من فراعين مصر القديمة؛ أعمدته عملاقة وحوائطه ضخمة؛ ويشبه معبد الكرنك بالأقصر. وقوائمه الداخلية ليست أقل حجما ولا تنقصها الضخامة. والمبنى الذي لا يتعدى الطوابق الثلاثة؛ بما يحوي من أقبية وزنازين، لا يبرر هذا البذخ الزائد في التكلفة، وبدا لنا أن الأمر مقصود. ليوحي لقاصديه أنه موطن للجبابرة ومقر لذوي السطوة؛ يبث الرعب في النفوس، و يعبر عن فرعونية الثقافة والفعل والسلوك. والمفاجأة أن القزاز، الذي تحمل مشقة رحلته الطويلة لم يجد شيئا يخصه، لذا اكتفى بتوزيع الوجبات التي أحضرها على جنود القوات المسلحة الذين يحاصرون المقر.
تُهنا في الزحام وابتعدنا عن بعض، ووجدت نفسي وجها لوجه أمام محرقة الملفات والتقارير والأوراق السرية خلف المبنى بعيدا عن الأنظار، ويبدو أن هناك من أغرقها بالمياه لسرعة إتلافها. وشاركت البعض في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ورجوتهم المحافظة على ما يجدونه وتسليمه للجهات المعنية، وقد عثرت على بقايا ملفات لم تكن النار قد أتت عليها، وبعد أن ألقت القوات المسلحة القبض على ضباط أمن الدولة المحاصرين هممنا بترك المكان والعودة من حيث أتينا، وجدت شابا كان قد تعرف علي يناديني وبرفقته شاب آخر عثر على أوراق أكد له الشاب الأول أنها تخصني، وأشار نحوي حيث أنتظر، وجاءا معا نحوي يطلعونني على الأوراق واسمي المتكرر في العديد منها؛ لأكتشف أنها تقارير ووثائق أمنية ضدي.
لحظة غريبة.. لا تصدق. لعبت فيها صدفة أكثر غرابة؛ تُخرج من رحم تلال وأكوام الأوراق والمستندات الممزقة والمحترقة والمبتلة كهذا تقارير ووثائق. وكان المقتحمون قد عثروا على بَدْلات رقص وملابس داخلية نسائية؛ مطرزة ومرصعة بالقصب والترتر، وخضع وجودها لتفسيرات عدة، وكان الأرجح أنها استخدمت في التعذيب والإذلال وانتهاك رجولة المعتقلين، وإجبارهم على ارتدائها على طريقة الساقطات والغانيات.
بدا الملف واحدا من ملفات عدة تخصني؛ فأوراقه لم تزد عن 24 ورقة، وفترته محدودة تبدأ من 20/1/1981 وتنتهي في 17/3/1982، أي تغطي أربعة عشر شهرا فقط من السنوات الثلاثين الماضية. وكان التقرير الأول في الملف يتعلق بمجموعة الشهيد أحمد بدوي بلبنان. وبه رسالة واردة من فرع سيناء لأمن الدولة تحمل رقم 1264/81 بتاريخ 31/7/81؛ حررها الرائد أحمد رشوان، في 31/7/81 كانت موجهة إلى مجموعة النشاط العربي/ مشرق عربي ‘مجموعة مكافحة الإرهاب الدولي/ قسم النشاط الإرهابي’؛ وتحدد بداية أيار/مايو 1981 تاريخا لتكوين مجموعة الشهيد أحمد بدوي، وتشير إلى أن عددها يتراوح ما بين 80 و130 مصريا من العناصر المناهضة للحكم في البلاد، وتزعم أن المجموعة تتلقى تدريبات عسكرية راقية، تحت إشراف عناصر مصرية وفلسطينية بمعسكر الوحدة بجوار النبطية. وتنص على أن الانضمام إلى الوحدة يتم عن طريق القيادة العامة لها، ومقرها بيروت؛ شارع حمد بالصنايع، والمكتب الفرعي بالرشيدية. وتقول الرسالة ان عناصر الوحدة المشار إليها تقوم بمهاجمة النظام المصري القائم واتفاقية كامب ديفيد، وتنادي بإسقاطه والتخلص من التبعية الأمريكية بالوسائل العسكرية. وانتهت بتعليق يقول: ان هذه الوحدة تكونت في أعقاب استشهاد الشهيد أحمد بدوي ورفاقه من العسكريين المصريين على أثر سقوط طائرة؛ ومؤكدة ما تردد عن الحادث بقولها: ‘وثبتت فكرة أن الأمريكيين دبروا الحادث المشار إليه لإحلال عناصر قيادية بالجيش موالية لهم’، وإن كان هناك تعليق يمكن إضافته هو ما كنت أعرفه عن مصادر موثوقة بأن الحادث كان دبره أنور السادات ونفذه حسني مبارك!!
ومن ناحية أخرى ذكرت الرسالة أن عناصر الوحدة المشار إليها تسعى إلى استقطاب العناصر المصرية المترددة على لبنان، عند هذا الحد قد يكون الموضوع طبيعيا ومنطقيا في تقرير أمني إلا أن غير الطبيعي هو مفاجأة من العيار الثقيل تضمنتها الرسالة التالية في الملف؛ كُتبت بخط اليد ‘بشأن مجموعة الشهيد أحمد بدوي بلبنان’ موجهة إلى قسم النشاط العربي/ مشرق عربي، وحُررت بناء على كتاب رقم 7107/81 بتاريخ 23/10/81؛ بعد اغتيال السادات بحوالي اسبوعين، وكانت ردا على كتاب الإدارة 5662/81 الخاص بالموضوع، ويفيد بأن الرد أرسل للإدارة بكتاب الفرع رقم 9177/81 بتاريخ 4/10/1981 (قبل الاغتيال). وعن الرد نقرأ رسالة أخرى بخط اليد كذلك؛ تتعلق بالكتاب رقم 5662/81 المؤرخ 22/8/1981 بشأن ما ورد بكتاب فرع الإدارة بشمال سيناء من معلومات حول مجموعة الشهيد أحمد بدوي بلبنان وفيها: ‘نفيد دلت التحريات في أوساط مصادر الفرع القادمين من بيروت على الآتي: كان التواجد العسكري المصري بلبنان يندرج في مجمله تحت لواء رابطة مصر العربية التي يتزعمها المصري محمد عبد الحكم دياب، وأن هذه الرابطة تندرج مع غيرها من الروابط الفلسطينية والسورية واللبنانية في رابطة اللجان والروابط الشعبية التي يرأسها اللبناني معن بشور، وأضافت معلومات المصادر أن رابطة مصر العربية لا يتجاوز عددها المائة شخص، وتباشر نشاطها العسكري من الجنوب اللبناني؛ حيث تتمركز عناصرها في ثلاثة قواعد عسكرية بمدن صور، النبطية، صيدا، ويرجح أن يكون اسم الشهيد أحمد بدوي قد أطلق على إحدى هذه القواعد. وكان ذلك أول ذكر لاسمي في شأن تلك المجموعة، مع أنني لا أعرف رابطة بهذا الاسم، ولم أزر جنوب لبنان في حياتي على الرغم من زياراتي المتكررة لبيروت!!.
وفي رسالة أخرى لمباحث أمن الدولة/ فرع الجيزة/ عربي. تحمل رقم 9177/ 81؛ موجهة للواء مساعد وزير الداخلية: مباحث أمن الدولة (النشاط العربي) مجموعة المشرق العربي؛ عن مجموعة الشهيد أحمد بدوي؛ تضمنت ردا مكررا على الكتاب رقم 5662/81 في 22/ 8/1981 بشأن ما ورد بكتاب فرع الإدارة بشمال سيناء من معلومات عن مجموعة الشهيد أحمد بدوي بلبنان نفيد: دلت التحريات في أوساط مصادر الفرع المقادمين من بيروت على الآتي:
– أن التواجد العسكري المصري بلبنان يندرج في مجمله تحت لواء رابطة مصر العربية التي يتزعمها المصري/ محمد عبد الحكم دياب، وأن هذه الرابطة بدورها مع غيرها من الروابط الفلسطينية والسورية واللبنانية تندرج في رابطة اللجان والروابط الشعبية التي يرأسها اللبناني معن بشور.
– وأضافت معلومات المصادر ـ حسب نص الرسالة – أن رابطة مصر العربية لا يتجاوز عناصرها المائة شخص وتباشر نشاطها العسكري من الجنوب اللبناني، حيث تتمركز عناصرها في ثلاث قواعد عسكرية في صور – النبطية – صيدا. ويرجح أن يكون اسم الشهيد أحمد بدوي قد أطلق على إحدى هذه القواعد، والتقرير محرر بمعرفة مقدم أحمد رمزي وموقع من لواء مفتش مباحث أمن الدولة بالجيزة شوقي منيسي، ولا تختلف الرسالة عن الرسالة السابقة عليها، وإن بدت متناقضة مع الرسالة الأولى.
أما الرسالة الصادرة عن مباحث أمن الدولة ورقمها الإشاري م ش/ 17432 ص129 وص 64 (سري جدا)
الموضوع: بشأن مجموعة الشهيد أحمد بدوي بلبنان
وعنوانها (استعجال)
موجه للسيد/ مفتش مباحث أمن الدولة فرع القاهرة
تحية طيبة وبعد:
إلحاقا لكتابنا رقم 14436عربي المؤرخ 22/1981 بشأن الموضوع عاليه
نرجو التنبيه بسرعة موافاتنا بالمطلوب
التوقيع لواء (حسن أبو باشا) مساعد أول زير الداخلية
ولواء محمد عليوة زاهر مساعد وزير الداخلية لشؤون أمن الدولة
التاريخ هو 23/ 10/ 1981 برقم 7107/81، ويبدو أن اغتيال السادات أعاد فتح ملف المجموعة.
والرسالة الأخيرة حول نفس الموضوع من إدارة مباحث أمن الدولة/ فرع الجيزة/ عربي، وتحمل رقم 9843/ 81 بشأن مجموعة الشهيد أحمد بدوي بلبنان، وموجهة إلى السيد اللواء مساعد وزير الداخلية لشئون مباحث أمن الدولة (النشاط العربي) المشرق العربي وتفيد بأن الرد تحرر للإدارة كتاب الفرع رقم 9177/ 81 بتاريخ 4/ 10/ 1981 وكانت مؤرخة 25/ 10/ 1981 وموقعة من لواء مفتش مباحث أمن الدولة بالجيزة (شوقي منيسي).
وإن كانت تلك تهم لا أنكرها غير أنها بمثابة شرف لا يمكنني أن أدعيه لأنه لم يكن؛ ولا أعرف إن كانت هذه المجموعة قد وُجدت في الأصل أم لا!!
وفي الجزء الثاني من هذه الوثائق مفاجآة من نوع آخر.
‘ كاتب من مصر يقيم في لندن
.
“القدس العربي”




















