المصدر : القدس العربي- صحف عالمية
في تقارير لصحف عالمية، ومراكز دراسات أفادت تحليلاتها أن أزمة حماة قد تكون منعطفا مهماً في الانتفاضة التي تعيشها سورية منذ حوالي 4 أشهر، فقد أظهر النظام قبل حماة حالة من الضعف والتخبط في مواجهته لسلسلة من الانتفاضات في كل أنحاء البلاد، إضافة إلى المشاكل الاقتصادية والدبلوماسية والعلاقة مع الأصدقاء السابقين. وترى بعض التحليلات أن النظام وإن بدا متصدعاً الآن إلا أن بشار الأسد المصمم على البقاء في السلطة لن يسقط قريبا. ويرى تقرير في ‘واشنطن بوست’ الأمريكية أن معضلة النظام أمام حماة ترى حسب مسؤولين أمريكيين أن بشار الأسد يكافح دون جدوى من أجل احتواء التظاهرات المتنامية مما يشير إلى تصدعات في نظامه، فهو يواجه انتفاضات على أكثر من جبهة، ويعاني من خسارة على الجبهة الدبلوماسية من خسارة الحلفاء والأصدقاء وتراجع المصادر والمال.
وبنفس السياق ونقلت صحيفة ‘كريستيان ساينس مونيتور’ عن باتريك كلاوسون من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى قوله أن هناك العديد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية يعتقدون أن النظام السوري بدأ يتفتت، وينظر إلى الأسد بأنه لم يعد قادرا على السيطرة على قواته التي لم تعد قادرة نفسها على إعادة السيطرة على الوضع.
حماة المعضلة والمنعطف
ويرى المسؤولون الأمريكيون نقلاً عن ‘واشنطن بوست’ أن تعامل النظام مع حماة التي خرج منها الجيش قبل ثلاثة أسابيع ليعود إليها يوم السبت الماضي بشكل متسرع تكشف عن فوضى داخل دائرة اتخاذ القرار. وتقول الصحيفة أن اكبر مظاهرة شهدتها حماة يوم الأسبوع الماضي أدت إلى تصلب المتظاهرين ومعهم المعارضة التي لم تعد مستعدة للتعامل مع حل يبقى فيه الأسد في السلطة وذلك حسب مسؤولين أمنيين ودبلوماسيين أمريكيين.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في إدارة اوباما قوله أن أحداث حماة قد تكون نقطة التحول الهامة في الانتفاضة السورية، في وقت تحاول فيه الحكومة التعامل مع انتفاضات متعددة داخل البلاد.
ويعتقد المسؤولون أن خروج القوات السورية من حماة، أدى إلى سلسلة من الاحتفالات والتظاهرات السلمية التي عبر فيها المتظاهرون عن سيطرتهم على المدينة مثل ساحة التحرير في القاهرة. ويقول مسؤول أن الجو العام في حماة خلال الأسابيع الثلاث الماضية اتسم بالاحتفالية مما جعل النظام يفكر مرتين بعدم السماح لما يحدث بالاستمرار. وتضيف الصحيفة انه حتى قبل خروج الوضع في حماة عن السيطرة فقد سجل محللون ملامح ضعف خاصة بعد أن عبر قطاع في قاعدة دعم الأسد، منهم رجال الأعمال وقادة دين عن غضبهم من وحشية تعامل النظام مع الانتفاضة.
الأغلبية الصامتة تبحث عن بديل
ونقلت الصحيفة عن مسؤول استخباراتي أمريكي أن ‘الأغلبية الصامتة’ من رجال الأعمال والمواطنين العاديين ممن لم يشاركوا في التظاهرات أصبحوا معارضين للنظام ومستعدين لدعم بديل قادر على إعادة الاستقرار للبلاد، وأضاف أن قاعدة النظام تتراجع خاصة بين طبقة رجال الأعمال، وهذه الطبقة لها وزن ثقيل وقد استفادت من النظام لكنها الآن بدأت تبحث عن بديل و’الأسد ليس جزءا من الحل‘.
و وعن نفس الصحيفة يقول دبلوماسي أمريكي أن الأسد الذي بدا واثقا في البداية من قدرته على قمع الانتفاضة يبدو الآن ضعيفا، وفي الوقت نفسه لم يقدم آية إشارات انه سيتنحى وان نهايته قريبة. ويقول مسؤولون في استخبارات أجنبية أن الأسد مصمم على البقاء بأي ثمن، ومواصلة القمع الدموي، فكما أشار مسؤول استخباراتي وصفته الصحيفة بالشرق أوسطي فالنظام متماسك والجيش وأجهزة الآمن كلها متماسكة.
الثورة قادمة لدمشق
ومع ذلك فهناك تغير في المزاج العام يؤكد إلى تراجع في دعم القاعدة الشعبية للأسد وسقوط ستار الخوف في العاصمة السورية دمشق، ويرصد تقرير مطول أعده مراسل صحيفة ‘الغارديان’ في دمشق نداء حسن (اسم مستعار) أجواء الحياة في دمشق التي يقول أنها تبدو على السطح عادية ولكن شيئا ما في العمق يحدث.
ويشير كاتب التقرير أن عائلة الأسد تحكم سورية منذ 41 عاما، حيث تنتشر صور الرئيس السابق والحالي في شوارع وأزقة دمشق العتيقة، ويقول أن الأسد الأب دائما ما ربط بين سورية ونفسه، حيث كان الجنود كما يقولون يقسمون الولاء له وليس للبلد، وهذا يفسر كثرة تماثيل حافظ الأسد في مراكز المدن. هذا الوضع الذي كان عاديا في السنوات السابقة يبدو الآن يتصدع فالسوريون لم يعودوا يربطون بين العائلة والوطن، وينقل التقرير أراء وأحاديث مع كاتب سوري معروف في دمشق أن ” العائلة أدارت حكم البلاد وكأنها إقطاعية وليس كبلد ينتمي إلى مواطنيه “.
ويرى التقرير أن الهوية الوطنية الجديدة المتحررة من الاضطهاد هي التي تدفع المتظاهرين للاحتجاج في كل أنحاء البلاد، وهي التظاهرات التي بدأت أولا مطالبة بإصلاح ثم انتهت مطالبة بالثورة وتغيير النظام ” ارحل “.
ويرى التقرير أن القيمة الوطنية الجديدة وإن وحدت السوريين حولها إلا أنها أدت إلى شق بينهم وبين مؤيدي النظام الذين يقاتلون من اجل بقائه. وهناك دعم واضح وحقيقي للنظام في دمشق، وهذا مرتبط بالعلاقة مع النظام أو خوفا منه، وهنا يتساءل أحدهم قائلا هل يريد المتظاهرون ‘دفعنا لحرب أهلية‘.
ويقول كاتب التقرير إن ” عبادة الفرد ” وصلت أعلى درجاتها لحد الجنون، فكل وسائل الإعلام والصحف تمدح الأسد ” أبو حافظ “.
من يصدق رواية النظام .. هو من يحتاج ذلك
ومقارنة مع الجو العادي في دمشق التي تعيش حالة من النشاط والحركة، الأسواق عامرة والمقاهي مليئة بالمرتادين الذين يشربون القهوة والشاي، فحماة وحلب التي تقع دمشق شمالهما تعيشان أوضاعا غير طبيعية فيما نزفت مدينة حمص ومدن أخرى في الشمال والشرق، حيث تقوم أجهزة الأمن وأتباعها والحرس الجمهوري بعمليات واسعة. وحتى الآن قتل أكثر من 1700 شخص وجرح الألوف فيما سجن عشرات الألوف. كل هذا أثر على دمشق التي قرر بعض أهلها في البدء (الحاجة) لتصديق رواية النظام التي تحدثت عن ” عصابات إجرامية ” تقف وراء التظاهرات، ومن حالة النكران إلى التشوش ثم الغموض بدأ سكان المدينة أخيراً يتحدثون عن الوضع وقد انقسموا إلى قسمين. وتنقل الصحيفة عن رجل في منتصف العمر قوله انه شاهد موقفين مختلفين حول الوضع من أصدقائه، مشيرا إلى أنه في البداية كان الناس يخشون التصريح بما يدور في عقولهم، ولكن حاجز الخوف الآن زال وبدأ الناس يعبرون عن مواقفهم بشكل واضح، مما أدى إلى خلافات حادة بين الأصدقاء والمتحاورين، ومن هنا يقول التقرير أن دمشق التي ظلت هادئة من بداية الأزمة في آذار (مارس) الماضي وكانت شوارعها خالية مع غروب الشمس ثم عادت لحياتها الليلية والنشطة تعيش الآن وضعا من الخلافات في المواقف حول الوضع بين مؤيدي النظام والمعارضين. ويرى أن الأصدقاء يتناقشون ويتبادلون الآراء المختلفة على الفيسبوك أو يتبادلون الآراء على المدونات. وفي الوقت نفسه توجد فيه أقلية لا تزال تؤمن برواية النظام عن الأصابع الأجنبية إلا أنها تشك في هذا!. في دمشق عدة مقاهي يجتمع فيها المثقفون من مثل قهوة الهافانا التي خطط فيها حافظ الأسد لانقلابه عام 1969 كما تقول الصحيفة، وفي الوضع الحالي يلتقي المثقفون بأعداد كبيرة ويتجادلون في أراء كانوا يتناولونها في جلساتهم الخاصة.
وأدى الوضع بالمعارضين لعقد جلسات في بيوتهم بدون خوف من عملاء النظام فيما يقوم الجيل الجديد بتنظيم نفسه عبر شبكات اتصال ولجان تنسيق محلية في دمشق وتمتد إلى معظم المدن السورية. وتشهد المقاهي تبادلا في الأخبار وحتى صورا ولقطات فيديو على أجهزة الكمبيوتر عما يحدث في المناطق والمدن الأخرى من انتفاضة ضد النظام. وينقل عن سيدة تساعد في التنسيقيات قولها أن ما يفعله النظام ضد المتظاهرين غريب وهو سبب كاف لمواجهته وإجباره على الرحيل. ويقوم ناشطون بمتابعة أخبار الانتفاضة ورصدها من شقق وضيعة حول العاصمة فيما تحول الفيسبوك إلى أداة مهمة في دعم المنتفضين خارج دمشق. ومن هنا فالناشطون يعيشون في عالم مزدوج، يذهبون إلى أعمالهم كالعادة ويتواصلون مع أصدقائهم حول الأوضاع ويشاركون في التظاهرات.
ويرى التقرير أن مدينة دمشق تغيرت وسكانها بدأوا ينظرون إلى المستقبل ويشيرون إلى الأسد باسمه وليس كما تعودوا ” هو ” فيما وصفه كاتب التقاه بالولد.
لم يعد ” هو ” بل بشار
ويضيف كاتب التقرير إن حالة الاعتيادية والنشاط في دمشق قد لا تطول، خاصة في مجال الاقتصاد، مع ارتفاع أسعار الغذاء، وقلة المواد الأساسية، وانخفاض سعر صرف العملة المحلية، فيما اختفت السياحة، فان النظام قد يفقد قاعدته الرئيسية التي دعمته بسبب الاستقرار المناسب لها. وينهي الكاتب تقريره بالقول انه على الرغم من انتشار المخابرات في كل مكان فان مرتادي المقاهي والأماكن العامة ـ أو بعضهم ـ لا يخشى الاستهزاء من الرئيس، والقول إن ” هذه البلد ليست ملكا للأسد يجب أن يكون هذا واضحا ” فيما يقول آخر إن يوم دمشق سيأتي، أي بعد حمص وحماة التي يقول سكانها أنهم حرروها، ويعتقدون أن النظام لا يعرف كيف يتعامل معها، ونقلت ” الغارديان ” عن مواطن قوله أن النظام يحاول منع تحول مركز المدينة لساحة التحرير مثل القاهرة ولو حدث هذا فقد انتهى النظام.






