عندما شكل مارد الانتفاضة من شعاري (الحرية والكرامة) وعاءاً لكل مطالب السوريين ورغباتهم، وحمّلاهما الرد على عذاباتهم، احتار أهل النظام في تفسير هذه الشعارات المبهمة، الغريبة، والصعبة الفهم! .
هذان الشعاران، الفضفاضان، والقادران على أن يحملا في دواخلهما طاقة لا تفنى، تصلح لإيقاد كل قيمة إنسانية مدنية محترمة دون أن تنفذ، وكان من الطبيعي، بل من المنتظر أصلاً، ألا يدرك أو يتجاهل أهل النظام معناهما، فيرد ذاك المارد الساحر بفرد عباءته، ويفك إحدى قطبها الخفية، ويرمي من سحره شعاراً واضحاً محدداً.. حيوياً ونوعياً (الشعب يريد إسقاط النظام) ليفتح بهذا أفقاً مجهولاً غير معروف، غير مسيطر عليه كما يرى أركان نظام الشبيحة، فنجدهم يخورون غضباً وجنوناً وبحثاً عن وجه الربط بين الحرية والكرامة وإسقاط النظام!.
هذا التساؤل طبيعي ومنطقي ممن لم يحتج أصلاً إلى الحرية والكرامة، فلماذا سيحتاج الآن إلى إسقاط النظام، ولكن المدهش أن يتشارك نظام الشبيحة مع بعض النخب (والمعني بوضوح بعض المثقفين والحقوقيين) المحسوبة على المعارضة في العجز عن فهم المعنى .
هاتان الفئتان توجستا شراً، فالتقتا على التوجس…!.
كلاهما اليوم خائف على الوطن، وكلاهما اليوم يدعو للحافظ على الوطن.. تحت سقف الوطن.. لننقذ الوطن.. لنأتمر .. لنتحاور.. وكأن الوطن هذا شيء مجرد خارج الزمان والمكان، خارج أهله وناسه. عالم افتراضي يتم التحكم به بأزرار عند نظام الشبيحة، وصبي أخرق يمكن أن يؤذي نفسه في أي حين عند أصحاب القياس المناسب لعباءات أهل الحل والعقد من المثقفاتية، والأسوأ من هذا وذاك أن نجد في كلا تشكيلات الطرفين من يرمي علينا أن دور الشعوب تقديم الدماء وطرح الشعارات.. وكفى!. ليأتي دور النخب الحكيمة المثقفة في عقلنة هذه الشعارات!. وتحويلها إلى الممكن!.
حسناً.. السياسة فن الممكن، ولكن، من المفروض أن يكون الممكن هذا، محصلة قوى، القوى المتدافعة أو المتواجهة، فهل يستطيع من يهم هنا (أهل العباءات) من هؤلاء إعطاء تحديداً وقياساً واضحاً عن محصلة القوى؟. حتى الآن أقله.
هل يستطيع أهل العباءات (فقط) تحديد ما دفعه السوريون من فاتورة دموية، لتُعرَفَ واقعية وأحقية ما يطالبون به؟. هذا إن لم يدخلوا الرصيد المتراكم والمدفوع سلفاً على مدى أكثر من أربعين عاماً من عذابات في حسابهم. والأهم ألا يُرَى في أفق ما، مؤشر يُوميْ بأن السوريين قادرون على تحقيق مطلبهم، مهما كان؟.
لندع كل ما سبق الخامس عشر من آذار خلفنا لنتأكد أن من نافل القول أن نظام الشبيحة، لن يغير رواياته، ولن يعتذر، لأن هذه الروايات هي الأنماط التي ترتبط بطبيعة مكوناته، وتبررها، ولأن الاعتذار ينسف مقدساته التي عمل على تشكيلها سنوات طويلة.
ومع هذا إن كان نظام الشبيحة مستعداً (مثلاً) للتضحية بحزبه الذي يعرف السوريون جميعاً دوره وفعاليته وأهميته بالنسبة لدائرة السلطة الحقيقية، فهل يستطيع النظام تفكيك المنظومة الأمنية؟ هل يستطيع النظام محاسبة ومحاكمة تشكيلات القتلة العسكرية منها أو غير العسكرية، هل يستطيع النظام محاكمة من أصدر الأوامر بالقتل والتعذيب؟ هل يستطيع النظام إحالة جباته من شبيحة المال والاقتصاد إلى محاكم عادلة؟ هل يستطيع النظام رد المظالم لأهلها؟.. وهل يمكن أن يقبل السوريون بأقل من هذا؟؟ .
نظام الشبيحة ليس الشريك الوطني الظالم الذي يمكن أن تخفف وطأة ظلمه بالحوار الودي وتقديم الهدايا، أو حتى عبر الصعق فيصحو ضميره.. هو النظام المعتمد على إفلات (السعالي) تلك المخلوقات الممسوخة الهجينة بين مخلوقات تتمايز فقط في حجم الشر ولا تختلف في نوعه.. ليعلن أن ليس أقل من القوة والسيطرة المطلقة، ولا يستطيع أن يحيا بأقل من القوة والسيطرة المطلقة، لهذا ما قيمة منطق الحق هنا، ومع من يتم الحوار؟.
وكيف سيخفف عناء الشعب السوري إن كان هذا هو الهدف، مع من لا يرضى إلا بالقوة والسيطرة المطلقة؟ ومن قال أن الشعب السوري اشتكى من عنائه أصلاً؟ فمن لا يستطيع قياس احتمال من يمثل، لا يمكنه تمثيل من يحتمل، ناهيك عمن يعترف أنه إن حاور النظام أو لم يحاور، فليس بيده أن يوقف أو أن يحرض على التظاهر، ولم يك أصلاً صاحب المبادرة في صناعة الثورة وإدارتها.. إذاً باسم من يتكلمون؟
مع هذا لا يراد في كل ما قيل التشكيك في أهل العباءات، بل ونحسن الظن في أنهم ومن موقع وطني وأخلاقي يحاولون حقن الدماء، بل وأخذ حق الدماء والعذابات السابقة، ولكن :
في علم الاقتصاد يقال، عند التفاوض على منشأة منتجة (وهنا هي الانتفاضة)، يجب أن تثمن بالقيمة العادلة، أي بجمع (ما يشمل قيمة الأصول، والمخزون، والأرباح المحققة، مضافاً إليها الأرباح المتوقعة أو المتنبأ بها، وقيمة الاسم التجاري الذي سبق تسويقه)، ويطرح من هذا (ما تحتاجه من استثمارات إضافية لتحقق الفعالية القياسية)، وهذا كله يشكل وعاء التثمين، ولا يعرف حل هذه الطلاسم إلا رجال الأعمال المحترفين، أو أهل السوق كما يقال، وفي حالتنا هنا رجال السياسة المحترفين أو أهل الميدان، أي من يحسب أولاً رصيده وقوته، وعليه أن يعرفها بدقة أولاً، ويضيف إليه ما يتنبأ به من نتائج يمكن أن تحققها القوى التي يمثلها، وما تستطيع هذه القوى تقديمه من تضحيات، وعندها يمكن أن يطرح عرضه على الأطراف الأخرى، لهذا لا بد أن يقال (لأهل العباءات) ، قمتم بما عليكم، وشكر الله سعيكم. وإن كنتم تعتقدون أن شباب الثورة لا يجيدون هذه الحسابات، فأنتم لا تعرفون الرصيد الحقيقي الذي تم جمعه، وقيمة الدم المراق إن كانت أكثر بكثير مما يستحقه إسقاط نظام الشبيحة.. فهي أقل بكثير من ثمن الارتفاع إلى الحرية والكرامة.. وأهل الدم أعرف بقيمته.




















