منذ نهاية الحرب الباردة، بدا أن النظام الدولي قد حسم أمره لمصلحة الولايات المتحدة. انهار الاتحاد السوفييتي، وتربعت واشنطن على قمة العالم باعتبارها القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية الأولى. وفي الشرق الأوسط، ترسخت هذه الهيمنة بعد حرب الخليج عام 1991، ثم تعززت عبر شبكة واسعة من القواعد العسكرية والتحالفات الأمنية، حتى أصبح من الصعب تخيل نظام إقليمي لا تديره الولايات المتحدة أو لا تملك فيه الكلمة الأخيرة. لكن التاريخ يعلمنا أن الهيمنة ليست حالة أبدية، وأن القوى العظمى لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجياً بفعل الاستنزاف، وتراكم الأخطاء، وصعود منافسين جدد.
في هذا السياق، يطرح المحلل الصيني جيانغ شيويه تشين رؤية أثارت اهتماماً واسعاً، مفادها أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة، وأن الهيمنة الأمريكية دخلت بالفعل مسار التراجع بعد الحرب على إيران، وأنها لن تكون قادرة على حسم الحرب بشكل كامل. وهذا لا يعني أن إيران ستنتصر على القوة العسكرية الأولى في العالم، لكن أمريكا ستخسر الحرب بسبب تلاشي الإرادة السياسية والتكلفة الهائلة والاستنزاف والخسائر الكبيرة والفقدان التدريجي لهيبتها الدولية. وهذا من شأنه أن يدفع باتجاه تغيير النظام العالمي كله. لا يقدم جيانغ هذا الطرح باعتباره أمنية سياسية، ولا باعتباره نبوءة غيبية، بل باعتباره قراءة تستند إلى أنماط تاريخية تكررت مع الإمبراطوريات السابقة. فالإمبراطوريات، بحسب منطقه، لا تسقط بسبب هزيمة واحدة، وإنما بسبب تراكم الحروب المكلفة، والانقسام الداخلي، وتراجع القدرة على فرض الإرادة على الحلفاء والخصوم في آن واحد.
السؤال لم يعد ما إذا كان النظام الدولي سيتغير، بل كيف سيكون شكل هذا التغيير، ومن ستكون القوى القادرة على ملء الفراغ إذا استمرت الهيمنة الأمريكية في التراجع؟
يرى جيانغ أن الولايات المتحدة أصبحت تواجه معضلة استراتيجية معقدة. فهي مطالبة بحماية حلفائها، وردع خصومها، والحفاظ على وجودها العسكري، وفي الوقت نفسه تجنب الانزلاق إلى حروب مفتوحة تستنزف اقتصادها وقوتها السياسية. وهذه المعادلة أصبحت أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل عقدين، خاصة مع صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية، وعودة روسيا إلى المنافسة، واتجاه العديد من الدول إلى تنويع شراكاتها بدلاً من الاعتماد الكامل على واشنطن.
أما الشرق الأوسط، فيراه المختبر الأوضح لهذا التحول. فالمنطقة التي كانت لعقود ساحة نفوذ أمريكي شبه مطلق، أصبحت تشهد تغيرات متسارعة. الصين دخلت بقوة من خلال الاقتصاد والاستثمار والوساطة الدبلوماسية، لا بل إن بيجين تتهم الشركات الأمريكية اليوم بسرقة التكنولوجيا الصينية وخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، بعد أن كانت أمريكا تتهم الصينيين بقرصنة التكنولوجيا الغربية. أما روسيا فقد رسخت حضورها العسكري في أكثر من مكان، بينما أصبحت القوى الإقليمية أكثر استقلالاً في قراراتها. لم تعد الدول تنتظر الضوء الأخضر من واشنطن كما كان يحدث في الماضي، بل باتت تتحرك وفق حساباتها الخاصة، وهو ما يعكس تراجع القدرة الأمريكية على احتكار صناعة القرار الإقليمي.
ومن أكثر أفكار جيانغ إثارة للنقاش قوله إن إيران وإسرائيل، رغم عدائهما الشديد، قد تتحولان إلى القوتين الأكثر تأثيراً في تشكيل مستقبل الشرق الأوسط. لا يعني ذلك أنهما ستتحالفان أو تتقاسمان المنطقة، بل إنهما تمثلان قطبي الصراع الرئيسيين اللذين ستدور حولهما معظم التحولات المقبلة. فإسرائيل تمتلك تفوقاً عسكرياً وتقنياً ودعماً غربياً كبيراً، بينما نجحت إيران خلال العقود الماضية في بناء شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المسلحة التي تمنحها نفوذاً يتجاوز حدودها الجغرافية. ومع انكفاء الدور الأمريكي تدريجياً، تصبح المنافسة بين هذين القطبين أكثر مباشرة وأقل خضوعاً لإدارة خارجية.
ويذهب جيانغ إلى أن المفارقة الكبرى تكمن في أن أي تصعيد عسكري واسع قد يسرع تراجع النفوذ الأمريكي بدلاً من ترسيخه. فكل حرب جديدة تتطلب إنفاقاً أكبر، وتثير انقسامات داخلية، وتدفع قوى أخرى إلى استغلال انشغال واشنطن لتوسيع نفوذها في مناطق مختلفة من العالم. وبهذا المعنى، فإن الولايات المتحدة قد تجد نفسها تدافع عن نظام إقليمي لم تعد تملك الموارد الكافية للحفاظ عليه بنفس الصورة التي كانت عليها في العقود السابقة.
ومع ذلك، فإن هذه الرؤية ليست حقيقة مؤكدة، بل هي واحدة من عدة سيناريوهات مطروحة. فهناك من يرى أن الولايات المتحدة ما زالت تمتلك أكبر شبكة تحالفات في العالم، وأقوى اقتصاد من حيث القيمة الاسمية، وأضخم قوة عسكرية، وأن الحديث عن نهاية هيمنتها سابق لأوانه. كما أن إسرائيل تواجه تحديات أمنية وسياسية معقدة، وإيران تعاني من عقوبات اقتصادية وضغوط داخلية، ما يجعل قدرة كل منهما على فرض سيطرة إقليمية شاملة محل شك.
لذلك، فإن القيمة الحقيقية لتحليل جيانغ لا تكمن في كونه يتنبأ بالمستقبل بدقة، وإنما في أنه يدفعنا إلى إعادة التفكير في المسلمات التي حكمت السياسة الدولية طوال ثلاثة عقود. فالشرق الأوسط الذي عرفناه بعد عام 1991 ليس بالضرورة هو الشرق الأوسط الذي سيتشكل خلال العقد المقبل. موازين القوى تتغير، والتحالفات يعاد رسمها، والقوى الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها في عالم أصبح أكثر تعقيداً وأقل قابلية للسيطرة من طرف واحد.
ربما يخطئ جيانغ في بعض توقعاته، وربما تصدق أجزاء منها فقط، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن العالم يعيش بالفعل مرحلة انتقالية تاريخية. السؤال لم يعد ما إذا كان النظام الدولي سيتغير، بل كيف سيكون شكل هذا التغيير، ومن ستكون القوى القادرة على ملء الفراغ إذا استمرت الهيمنة الأمريكية في التراجع. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، سيظل الشرق الأوسط الساحة الأكثر حساسية، والأكثر تأثيراً في رسم ملامح النظام العالمي القادم.
كاتب وإعلامي سوري
- القدس العربي





















