لا تشذّ سوريا الدولة – السلطة، عن كونها جزء من حالة الاستثناء العربي عموماً، وكذلك لا تشذّ سوريا- المجتمع، عن كونها حالة مقاومة لهذا الاستثناء، وإن كانت أساليب فرض الهيمنة والاستثناء، ومقاومته تختلفان من بلد عربي الآخر، تبعاً لتفاصيل الخصوصيات الطائفية والثقافية والاقتصادية والسياسية لكل منهم.
فان كانت “حالة الاستثناء والمقاومة في الوطن العربي”، وهو عنوان كتاب صدر في نيسان 2010، عن مركز الوحدة العربية لباحثين سوسيولوجيين وقانونيين، وحرّره “ساري حنفي”(1)، هي الحالة السائدة، فإن الثورات الحالية وبحسب “اوليفيه روا” (2)، تشكّل بداية إحداث تغيرات عميقة في مجتمعاتها، ويبشر بانتهاء زمن هذه الاستثناءات.
يقول حنفي أن الحراك السياسي عموماً، وفي اي بلد عربي، يتم عبر الحاكمية، التي هي استخدام الدولة آليات القوة، للإقصاء والمراقبة والسيطرة، ليس بقوة القانون، بل بتعليقه، وهذا ما يسمّى “حالة الاستثناء” ، وعبر الحكم، المرتبط بدور مؤسسّات المجتمع المدني، والتي تحتاجها الحاكمية من أجل استمرارها، فتعقد معها ما يسمّى ب”صفقة سلطوية”، يتخلّى بموجبها المواطنون عن بعض حقوقهم السياسية ، لقاء الأمان الاقتصادي، وعبر “حركات الاحتجاج اللامؤسساتية”، الفاعلة خارج النطاق الرسمي للدولة وللمجتمع المدني، وهي تشكّل ما يُعرّف ب”المجتمع السياسي”، ويتّخذ فعلها شكل المقاومة الصامتة، لتفادي ممارسات القوة ضدها. وتتأثر بإرادة زعماء ووُعّاظ طائفيين وعشائريين ودينيين، أكثر من تأثرها بأفراد النخب المحلية والمعولمة، وتستخدم وسائل الاتصال الحديثة، من مدوّنات ومواقع تشبيك اجتماعي بهدف التواصل. وأفرادها المختلفين، غالباً ما يكونون في قلب العولمة ومتأثرين بها، ويحملون مشاريع لتحديث المجتمع قد يتحالف مع الدولة والمجتمع المدني، وقد يختلف.
في قسم الكتاب المتعلّق بسوريا، يعقد “عبد الحيّ سيّد” (3)، مقاربة قانونية اجتماعية لواقع المجتمع فيها. حيث انه يفصل بين حالة طوارئ منبثقة عن القانون او الدستور، وبين ان تكون سابقة له. فقانون الطوارئ الذي يعطي السلطة التنفيذية اوسع السلطات،والذي فُرض منذ عام 1963 وما زال حتى الآن، يمكن وصفه انه يتعايش مع الدستور المؤسّس لنظام مدني يقوم على مؤسسّات تشريعية وتنفيذية وقضائية ذات صلاحيات مفصّلة،والصادر عام 1973. وكونه سابقاً على الدستور، فهو يجردّه ويفرغه من مضمونه جاعلاً حالة الاستثناء واستباحة المجتمع لصالح الحاكم أعلى من القانون، فهو من يمكنه وقف العمل به، وهو من يستخدمه كسلاح لفرض الانصياع على الجميع، وكل محاولة لإصلاحه ستبوء بالفشل. وبهدف إدامة سيطرته يستبيح الحاكم الانسان تحت اسم الدستور، ويعمد الى اساليب التخويف والاعتقال والتعذيب، وينتزع ملكياته بالقوة دون تعويضات، ويهين كرامته، ويأخذ بحقه قرارات تلغي انسانيته، من دون ان يرف له جفن، او ينتابه شعور بارتكاب جريمة، ليصبح هذا الانسان كائناً دونياً دون حرمة اوحماية وغير محصّن قانونياً.
فيعمد الفرد، كردّ فعل على هذا الاستثناء، بأن يقاومه بأشكال مختلفة متاحة، فهو يعلن اللامبالاة السياسية كشكل من اشكال رفض السلطة القائمة، وينتهك القانون تحت مرأى المؤسسة الرسمية للتعبير عن عدم الانصاف، ويسرق الممتلكات العامة او يتلفها، ويمارس الفساد في الوظيفة، ويُقوّض القوانين الرسمية العمرانية، ويبني السكن غير القانوني في المدن والضواحي، حيث ان بعض التقارير تشير الى ان اكثر من 50% من مساكن سوريا تحولت الى “عشوائيات” تستجّر المياه والكهرباء ب”السرقة” من الدولة، ويتحايل على القانون لشرعنة اوضاعه المستجدة.
ان فقدان دور الدولة الراعية، وانعدام الافق الثقافي والسياسي والاقتصادي، يفتح الباب للتفتيش عن هوية بديلة عن تلك التي قتلتها حالة الاستثناء، وسرعان ما تجدها في العودة الى اصول الدين او العائلة والقبيلة والعشيرة.
ولكن الواقع يأتي الآن ليُبيّن لنا ان اختمار حالة مقاومة هذا الاستثناء العربي قد اكتمل، وها هي الثورات العربية تنفض عنها ثوب الذّل والمهانة والاستبداد، غير آبهة بالزمن المطلوب لتحقيق ذلك، ولا بكلفته من قتل وموت، وها هو المجتمع السياسي المدني السوري، بعد التونسي والمصري والليبي واليمني والبحريني،والمتحلّي شعبه الفاعل بوعي وطني كبير، يُفصح عن ثرواته الفكرية والثقافية والنضالية التي دُفنت لأعوام طويلة في اقبية التعذيب، والتي لم يتطرّق لها الكاتب في سياق تعداد اساليب مقاومة الاستثناء كخميرة تعتمل في ارض خصبة، وتقوم الآن مرة واحدة مع الصامتين والمعذّبين، لتصرخ بوجه جلاديها أن كفى، فاليوم ليس هو الأمس، والمستقبل للحرية والديموقراطية،وينهض قاطعاً الطريق على محاولات الاعيب السلطة وحلفائها بتحويل مسار الانتفاضة الى حرب اهلية وطائفية لكسب الوقت واعادة الانقضاض. هذا المجتمع الحّر الذي يؤسّس لوعي مدني وطني، والذي انجب حمزة علي الخطيب وابراهيم قاشوش وغيرهم من قائمة الشهداء والاحياء الابطال، لا يمكن ان يقبل بأقل من اسقاط النظام بطريقة سلمية، شأنه شأن كل المجتمعات الطامحة للحرية والكرامة والوجود الانساني والسياسي الفاعل، والمنتفضة لاسقاط كل سلطاتها الابوية البطريركية المستبدة، هذه السلطات التي باسمها وبسببها خرجنا كشعوب من التاريخ، ولن نعود الى المستقبل الا بعد تحطيمها. سلام عليك ايتها الشعوب المنتفضة.
استاذ علم الاجتماع في الجامعة الاميركية في بيروت
استاذ في المعهد الجامعي الاوروبي في فلورنسا
محامي، واستاذ القانون في جامعة دمشق




















