في جميع الثورات عبر التاريخ برزت كلمات وأخذت صفة الديمومة لتجاوزها التعبير عن لحظة الصراع الآنية إلى ما يعبّر عن صراعات الإنسان الدائمة: “نحن هنا بإرادة الشعب، ولن نخرج من هنا إلا على أسنّة الحراب”.. وتحولت إلى جمل وكلمات مقدّسة تلعب دور السحر في إذكاء روح الثورات الجديدة: “إذا الشعب يوماً أراد الحياة… فلابدّ أن يستجيب القدر”. والإنسانية في الحقيقة ما زالت تستعين بتقديس كلمات مثل الحرية والعدالة والمساواة وإرادة الشعب، أطلقتها ثورات التاريخ وحالات النهوض الإنساني كي تتقدم، كما أن الإنسانية لن تكفّ عن رفع كلمات تحمل همّ الجموع وتوحي لها بالأمل إلى مستوى التقديس: “نعم نستطيع”، لتقوية إرادتها في التغيير وفي صنع واقع جديد.. ومن الواضح أن تقديس هذه الكلمات سيبقى طالما بقي الصراع نفسه قائماً، كما من الواضح أن كلمات يتمّ تقديسها في لحظة صراع تعبّر عنها سوف تفقد قدسيتها عندما تفقد شرط فعلها بتحوّل الصراع، ويمكن لها أن تتحول إلى معيق للتقدّم وقاتل لعقل وبصيرة من يتمسّك بها لأن اجترار قدسيتها يشكل راحةً له إذ يجنّبه الخوض في تحدّي الصراعات الجديدة.. لكنّ هذا لا ينفي أن الكلمات المقدسة هذه كان لها سحرها في شرطها التاريخي، وأنها ستبقى ذكرى ساحرةً لعصرٍ ساهم في فسح المجال لعصور أخرى تتقدم في حياة الإنسانية، ولو على جثة هذا العصر عندما توقّف، كما أن هذا لا ينفي موضوعية التقديس المرتبط أصلاً بطبيعة الإنسان وشرط وجوده، وإن تحوّل التقديس في شرط آخر إلى قاتل للعقل، ومثبّطٍ للفعل…
**** **** ****
رداً على مواقف لم تخل من تشنج، بدرت من بعض شباب تنسيقيات الثورة السورية تأثراً بعقد اللقاء التشاوري لمثقفين من المعارضة السورية بفندق سميراميس في دمشق لأنه يفتح للنظام برأيهم نوافذ يتنفس بها ومصداقية لا يملكها أمام العالم.. برزت ردود فعل على هذه المواقف لا تخلوا من تشنج وإن اتصفت بنصح هؤلاء الشباب وتحذيرهم من مخاطر تقديس كلمات مثل: “الشارع، الشباب، التنسيقيات، إسقاط النظام”… إلخ.. مستعينة بتجربة جيل الستينات مع كلمات كان لها وقع السحر الذي يعمي البصيرة، مثل: الحزب، الطبقة العاملة، الوطن، الأمة… إلخ… للقول لهؤلاء الشباب: “إن إلغاء العقل والرضوخ لسحر الكلمات المقدّسة هو بالأحرى طريق الفشل المؤكد”، و”إن إلغاء العقل ليس أفضل أساليب النجاح، عندما يكون للخصم خبرة واسعة في الصراع ضد الشارع والشعب والشباب”.. مع نصيحة قاسية لا تخلوا من ظلم في طلبها من شباب التنسيقيات الذين يخرجون للتظاهر تحت نار القتل دون أن يتبجحوا بقوة أو حجم، أن يعوا حجمهم، رغم أن اللقاء التشاوري اعترف بأن عقده رغم أنف النظام كان بفضل تضحيات هؤلاء الشباب، بالقول “هل يعلم هؤلاء كم من الشارع يقف معهم فعلاً، وكم هي نسبة من يؤيدهم منه ونسبة من يؤيد غيرهم: النظام والإسلاميون والمحايدون من أصحاب المصالح والمعتقدات المتنوعة؟. وكم هي نسبة المحايدين والواقفين جانباً من المواطنات والمواطنين، ونسبة الخائفات والخائفين بينهم؟. هل يعرفون أن حامل الحركة الشعبية هو حتى الآن المجتمع الأهلي، الذي ليست مفاتيحه في يدهم وليس معهم وإن سمح لهم بمشاركته التظاهر؟”…
**** **** ****
مع فتح نافذة صغيرة على “الزمن الذي كان”/ سحر الثورات التي صبغت القرن العشرين ومنحته نكهته، بشيوع كلماتٍ كانت ساحرةً ومقدسة وموحية في وقتها لدى الكثير من مثقفي العالم، مثل ديكتاتورية البروليتاريا، الحزب الثوري، التآخي الأممي، الثورة العالمية، حرب العصابات، الإسلام هو الحل… إلخ، وتوقفت بتحوّل شرطها عن أن تكون كذلك، حيث حلّ زمن الثورات الديمقراطية.. يمكننا الاتفاق مع النصائح السابقة بأن تقديس كلمات مضى زمنها هو قتل للعقل وتعطيلٌ للفعل، وأنه يمكن أخذ العبر وضرب الأمثال من اللحظات التاريخية السابقة في حديث الشيوخ إلى الشباب، غير أن مطابقة حالة حدثت في تاريخ سابق على حالة جديدة أمامنا دون اعتبار جميع المعطيات الجديدة في الزمن الجديد، والتي نتجت عن تراكمات يحسب حسابها في تغير الحالة، هو ضربٌ من القسرِ والقيمية وظلم الحالة، ناهيك عن أن الحالة التي تتحدث عنها النصائح هي غير حالة مثالها، وربما كانت عكسها تماماً، حيث أن شباب الثورة الذين أبدعو بإعجاز ملفت كيانات التنسيقيات المتحركة هم نتاج الفكر الذي وقف ضد تقديس الكلمات التي مارستها الستالينية والبكداشية والبعثية، والقومجية، والإسلاموية، وهم نتاج كفاحات أهل هذا الفكر الذي حمله المفكرون الديمقراطيون اليساريون من أمثال ياسين الحافظ، إلياس مرقص، ورياض الترك بكفاحه مع حزب الشعب الديمقراطي من أجل ترسيخ قيم الديمقراطية/ ولو على أسنة الحراب، مع الكثير الكثير من الديمقراطيين السوريين وبينهم الناصحون الذين ألهموا بتعرضهم للاعتقال في سبيل الديمقراطية هؤلاء الشباب، واعتبروهم قدوة في حمل وإنتاج الفكر الديمقراطي الذي وقف ضد تصنيم الفكر والكلمات.. كما أن كلمة “الشارع”، ودون دخول في سجال إن كانت قد تحوّلت إلى كلمة مقدّسة لدى شباب التنسيقيات، أخذت مكانها في الثورة السورية منذ البداية بارتباطها مع كلمتي الحرية والكرامة، حيث طرح الشارع وقبل التنسيقيات شعار: “الشعب السوري ما بينذل”، و: “الله، سورية، حرية وبس”، قبل أن تتطور المطالب وبوقتها الموقوت مع ارتكاب النظام لمجازر بحق المدنيين إلى شعار الثورات الديمقراطية العربية الساحر: “الشعب يريد إسقاط النظام”، وترافق ذلك مع ردّ أهالي درعا وبقية المدن السورية على رشوة سلطان الفساد بالألف وخمسمائة ليرة سورية، بأن الشعب السوري لا يستجدي الخبز، الشعب السوري يطلب الحرية، وتوضّح مكافحو الشارع منذ البداية بمثقفين من جميع الأحزاب وقوى المجتمع الحية من الشباب مع شيوخ مثل نجاتي طيّارة الذي أقام في الشارع حتى اعتقاله، ونساء مثقفات مثل الناشطة السياسية التي ضربت في الشارع واعتقلت وأفرج عنها سهير الأتاسي والمحامية العريقة في دأبها بالدفاع عن حقوق الإنسان رزان زيتونة، والروائية التي تم تهديدها بالقتل سمر يزبك.. وليبرز شباب مثقفون مسلحون بوعي عال ناطقون باسم التنسيقيات مثل محمد العبد الله وعمر إدلبي وعامر الصادق وغيرهم الكثير، ناهيك عن ابتعاد شباب حزب الشعب الديمقراطي السوري عن المؤتمرات والتحامهم بالتنسيقيات من أجل فرض واقع الثورة على الأرض، وفتح الطريق بهذا للمشروع السياسي.. وليتضح الشارع السوري بهذا كشارع واعٍ مسلّح بمبادئ السلمية والديمقراطية، مقابل قطعان شبيحة النظام ورعاع شبيحة القلم من مستشاري النظام المسلّحين بشهادات الدكتوراه المزيفة والسكاكين والدبابات… ولم يعد هناك مجالٌ للخوف، بانتفاء النتيجة التي توصّل إليها الناصحون، من “إحلال عبادة رجل الشارع العامي محل عبادة رجل السلطة السائدة“، مع اختلافنا مع الناصحين على هذه الأستذة الأدونيسية الفوقية الخرقاء باعتبار فرض تنسيقيات الثورة السورية لواقع الاحتكام إلى الشارع، هو إحلال لعبادة رجل الشارع “العامي”، بدلاً من رؤية حقيقة أنه: “في المظاهرات أنزل السوريون كلمة حرية من مكانها في مقبرة الكلمات التي صنعتها شعارات مرحلة الكذب والرياء، وأعادوا لها المعنى” كما يقول إلياس خوري، ومن رؤية أن الثورة، كفعلٍ تاريخي تتجاوز المطالب السياسية إلى كونها فعل انعتاق، كما يقول أيضاً “حيث حقق الشعب السوري خلال ثلاثة أشهر من الدم والإصرار والبطولات الشعبية التي تشبه المعجزة، الخطوة الأولى نحو انعتاقه، وهو اليوم يفتح احتمالات السياسة على التغيير الجذري”...
ويبدو دون كبير جهد ملاحظة أن الشارع بإنجازاته في امتداد الثورة، وبتنسيقياته التي بلورت الخط العام لها بوعي عالٍ في بيانها الأول، هو من يفتح الآن احتمالات السياسة على التغيير الجذري، ويقود على إيقاعه حركة المعارضة التي رفضت بانتظامها في هذا الإيقاع الحوار مع النظام في لقاء الحوار مع نفسه، ويقوم بتجاوز تذبذب البعض في الانجذاب إلى فخاخ النظام، وإنهائها في وقتها، كما يقوم بالتشارك مع المعارضة ببلورة طريق الخلاص وتشكيل النظام الوطني الديمقراطي على أنقاض نظام العائلة ودون أوهام قيادة أو مشاركة عائلة الأسد التي تحمل وزر قتل السوريين في تكوين هذا النظام.
**** ***** *****
في النصيحة القائلة لشباب التنسيقيات “إن إلغاء العقل ليس أفضل أساليب النجاح، عندما يكون للخصم خبرة واسعة في الصراع ضد الشارع والشعب والشباب”، يبدو من المؤكد أن هذه المقولة صحيحة، وتصلح مثلاً عند نزعها عن الواقع، لكنها تصبح غير ذلك وتثير الكثير من الاختلاف عند التحديد والتفسيرات، رغم النوايا الطيبة للناصح ورغم أن اللقاء التشاوري رفض الحوار مع النظام في ظل حلّه الأمني تحت سبطانات الدبابات.. حيث لن نعدم قدوم المستغلين لهذا القول من براغماتيي السياسة المبتذلين في اليسار واليمين، لتحديد “إلغاء العقل” بشباب التنسيقيات “المتهوّر” في رفضه للحوار، ومن سيفسّر “إلغاء العقل”، باستمرار التظاهر وطرح إسقاط النظام، خاصة عندما يدعم ذلك بمقولة أن “للخصم خبرة واسعة في الصراع ضد الشارع والشعب والشباب”، وعندما يدعم ذلك بمقولة النظام القديمة “إما نحن وإما الفوضى”.. وحيث ستعود كلمة “الانحناء للعاصفة” التي استخدمت في التاريخ للتعبير عن الحكمة، في ظل الخوف من الفوضى لتصبح كلمة سحرية مقدسة لن نكتشف أن حاملها هو الخوف الذي يزيّف الواقع، رغم أن التاريخ لم يعدَم من لم يحن رأسه للعاصفة وقال: “نحن لا نستسلم. ننتصر أو نموت”، وأعطت شهادته للأجيال اللاحقة حين مات روحاً جديدة للانتصار، ورغم أن الثورة السورية أبطلت نصيحة الانحناء أمام عاصفة النظام وقبول التغيير على أيدي النظام خوفاً من “الفوضى” ومن “ذهاب سورية إلى المجهول”، كما تنبأ رياض الترك قبل الانتفاضة بأيام في مقاله الشهير: “لقد ولّى زمن السكوت، لن تبقى سورية مملكة الصمت، بقوله: “ لقد غيّر الخوف من وجهته، وانتقل من طرف الشعب إلى طرف السلطة. أما من يحذّر من القلاقل والفوضى، ويهوّل بتفكك الدولة وتفسخ النسيج الوطني، ويجهد للمحافظة على هذا الاستقرار الاستبدادي الكاذب بأي ثمن، فإننا نذكّره بأن الشعب السوري منذ بداية تاريخه الحديث، استطاع أن يتجاوز، بوحدة أبنائه ونضالهم المشترك، الانقسامات المذهبية والدويلات المصطنعة التي فرضها عليه المستعمر الفرنسي، وتمكن في النهاية أن ينال استقلاله الكامل بضريبة الدم التي دفعها من خيرة أبنائه. لا بل أن هذا الشعب تمكن بوعيه وحكمته أن يبعد مخاطر الحرب الأهلية التي كاد يجره إليها عنف السلطة وتهور بعض الجماعات الإسلامية المسلحة”.. وذلك بردّ فعل حركة الثورة والشعب على قتل المتظاهرين وارتكاب الفظائع بحق المدنيين والأطفال والنساء بالتمدّد، وتوليد عاصفة السوريين التي لا تردّ، وليس هذا إنشاءاً أو تقديساً لكلمتي الثورة والشعب وإن استحقتا كل التقديس على أيدي شباب الشارع الذين ينزعون الأقنعة عن المقدّسات، في امتداد الاحتجاجات وإبداع أشكال التنسيق، وهدم رموز وقيم التقديس التي وصلت إلى زلزال السخرية من الرئيس المعتبر لدى شبيحته إلهاً، بصوت مغنّي حماة الشعبي الشاب الشهيد إبراهيم قاشوش، وبالترافق مع زلزال الخروج الذي أذهلت مدينة حماة به العالم في الأول من تموز تحت عنوان جمعة: “إرحل”، وحسمت به وبتأكيده في الجمعة التالية تحت عنوان “لا للحوار” مصير النظام المستبد واتجاهات اصطفافات قوى الصراع، لتؤكد جميع قوى المعارضة تقريباً رفض الحوار مع النظام، وليكشف النظام محاورته لنفسه وإيغاله في خيار القتل وبأبشع صور البربرية حين جزّ شبيحته حنجرة المغني إبراهيم قاشوش ولا نعرف إن كانوا أخذوها على طبق من ذهب إلى قصر الديكتاتور العاري إلا من لطخ دماء الشهداء التي لا تزول.
mothannas@hotmail.com




















