وصار أن حدثت الثورة السورية : المفاجأة، وامتدّ الزمان أشهراً، وسيل التضحيات لا يتوقف : شهداء بالمئات يمكن أن يصلوا الآلاف، وآلاف المعتقلين، والمهجّرين، وتصميم يخترق المعاناة ويمضغ صخر الواقع لتفتيته كي تستمر الثورة وتتصاعد، وكي تحقق الانتصار التاريخي الذي لم يك أحد يتخيّله، والذي يواجه كمّاً ثقيلاً من الأعباء، والمفاعيل ..
لقد دمّر الاستبداد المنهّج الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وأقام نمطاً منمّطاً يليق بمملكة الرعب التي أشادها عبر العقود، فحدثت فجوات كبيرة في بنى الوعي، والأدوات، والبدائل، وترنّحت المعارضة تحت وقع الضربات المتوالية، والحصار والاعتقال، والانقطاع بين الأجيال، والتهميش والتغييب.. فغابت ـ مقهورة ـ عن موقع الفعل المؤثر، وتفاعلت فيها جموع تلك الإشكاليات والوقائع لتولّد فيها عديد الأمراض والظواهر داخلها، وفيما بينها، وفي علاقتها بالمجتمع، وعلاقتها بالمستقبل والبديل، ودورها اللاحق عند حدوث المفاجأة ..
الانتفاضة ـ الثورة وهي تفرض وقائعاً جديدة نوعية دعت الجميع للاندفاع نحوها : تأييداً، واستبشاراً، واحتضاناً، فمحاولات احتواء، وادعاء، ومحاولات اللحاق بوتيرتها، وبالواجب التاريخي الذي تمليه موجبات الانتماء والمبادئ، ومفردات الوقائع..
ومع إقرار الأغلبية الساحقة من قوى المعارضة والناشطين بعدم نسب الفضل بقيام الثورة إليهم، أو ادعاء قيادتها، أو النيّة بالوصاية عليها، أو محاولات جرجرتها في هذا الاتجاه أو ذاك، أو صوب هذا الخيار أو غيره.. إلا أن واقع المعارضة : القديمة منها وتلك الحديثة، والمُحدثة، وكومة الناشطين ونجوم الفضائيات، وأعداد غفيرة من المتحمسين(خاصة في الخارج)، انعكس بأشكال كثيرة على مخاض الثورة، فكثرت المشاريع والمبادرات والاقتراحات وخرائط الطريق، والمؤتمرات، والإعلانات عن تشكيل هنا، واقتراحات حبلى هناك.. وكأنّ فوضى عارمة تختلط بقوة الحلم والاندفاع من جهة، لتعطيه ألواناً خلائطية يصعب فهمها، ومعرفة بعض خلفيات بعضها من جهة أخرى.. بينما تبدو القوى الحقيقية للثورة : الشباب الذي فجرها، والشباب الذي يقود، والشباب الذي يضحي في الميدان على الهامش، أو يُراد أن يكون ملحقاً، و”ديكوراً” على طاولة من يملكون الرؤى والبرامج والقدرات، والعلاقات، وربما : المشاريع الخاصة بهم .
******
بالوقت نفسه فإن المخيال الذي يعاني اليأس، وإحباط العقود، وقلة الحيلة في فعل شيء مهم يليق بالثورة وتضحياتها وموقعها، يقوم بعملية هروبية إلى الأمام بوضع كل الأثقال، كل الأعباء، كل الآمال ، كل التفاؤل على شباب الثورة وقدراتهم ووعيهم، ووحدتهم، ودورهم….إلخ .
المخيال يخلط الوقائع المعروفة بالحلم لتوليد تصورات تتصف بالمبالغة، وترتدّ فرقعات يأسية لدى البعض، أو محاولة تحميل الشباب مسؤوليات تفوق الواقع والوقائع ..
أغلبنا يتناسى عفوية الثورة فيذهب الخيال بعيداً إلى وجود تنظيم مكين مسبق كان يعدّ لها منذ أشهر لدن شباب متنور، واعٍ، يملك الرؤى، والتنظيم، والخبرة، ويعرف ما يريد بتكتيك من مستوى عالٍ، ويتعاطى مع أحدث وسائل التقنية والمعلوماتية، ولديه شبكة قوية من العلاقات….
نتناسى أن شعبنا، بما فيهم الشباب الذي يقود، قد نزعت منه السياسة بالقوة، وأُرشف طويلاً، وأن أجيالاً متعاقبة لا خبرة لديها بالعمل السياسي، وعديدها لا يعرف تهجية الحرية ومعانيها، وترجماتها وبنيانها وظروفها وآلياتها.. وبالوقت نفسه.. يُثبت الشباب مقدرات عالية في القيادة، وفي تكتيكات يوميات الثورة، ودقة شعاراتها، وملامح رؤى التغيير، والقادم، فيحدث الاختلاط . الاختلاط بين الحلم والواقع، والاختلاط بين الإمكانات في الميدان وبين الوهم فتكثر المبالغات، أو الانتقادات، وتزداد الأعباء على الشباب ونحن نحمّلهم ركام العقود، وأعباء خوض معركة من نوع الاستثناء، مع نظام قمة في الاستثناء والخبث والدموية..والعديد يتفرّج من واقع ترهله، أو برجه النخبوي العالي، أو التنظيري الذي أدمن، والبعض يسحب بكل ما يملك من قوة وعلاقات خارجية، وإمكانات مالية وغيرها لوضع الثورة في رفوف (حانوته) الخاص ..
وإذا كانت النظرة المنصفة المجردة من الذات، والمصالح العصبوية، والحزبوية تعترف بهذا الدور الحيوي(الخارق ـ بكل ما يمثله الخارق هنا) لما أنجزه الشباب حتى الآن، ولما قدّموه لشعبهم وللقوى السياسية على أطباق شهية تدفعهم لخلق الحلم، والاندفاع في الهمّة، وتحمل المسؤولية، وهذا الحراك ـ المخاض العظيم، وما فعلوه في تهشيم هيبة، وبنية، وتركيبة، ومراوغات النظام.. فإن ذلك لا يخفي جملة المفاعيل الأخرى التي يجب رؤيتها، والتي يجب التركيز عليها في هذه الفترة الانتقالية الحرجة من مسار الثورة وآفاقها، وأخصّ منها :
1 ـ ليس سهلاً الانتقال من العفوية إلى التنهيج، ومن الاندفاع إلى التفكير بالقادم، ومن التشتت إلى التنسيق، ومن التنسيق إلى التوحد، ومنه إلى التأطير، والقيادة، والبرمجة، وفرض الوجود .
الأكيد هنا أن تصاعد الثورة كماً ونوعاً، وهذه الشجاعة الخارقة التي أظهرها شعبنا في مواجهة الموت وآلة الفتك، والتجويع، والتعذيب، والترهيب والتهديد، والتدجيل.. إنما فاجأ الشباب أنفسهم، فأملى عليهم السرعة والتسارع لمواكبة المفاجآت بأولوياتهم الوعيوية والتنظيمية، والتنسيقية العامة. وهذا غير كاف بالتأكيد، وبما أظهر عديد الفجوات والتناقضات، والاندفاعات غير المحسوبة، والتصريحات الاختلاطية المتفاوتة .
2 ـ هؤلاء الشباب الذين تنضجهم الثورة بسرعة وتائرها.. تترك آثارها في نوع من البلبلة، وفي بروز فجوات هنا وهناك في التقدير، والموقف، ومنسوب التفاؤل، والتضارب، وهي لافحة بقوة وهجها، وبما يعنيه ذلك من تفاوت الوعي، والتأثر بذلك اللهيب القوي في تصريحات نارية، ومواقف حامية، ووعود غير واقعية.. بينما يسري نمو الوعي المطلوب في معادلة صعبة لإقامة التوازن بين الواقع والمطلوب، وبين المفردات والمجاميع، وبكل التحسّب أن تكون الوتائر غير متناسبة مع الممكن، ومع الموجبات اليومية والاستراتيجية . .
3 ـ هناك مشارب واتجاهات سياسية وأيدلوجية وفكرية متعددة، وقد تكون متعارضة، ومتناقضة بين عموم شباب الثورة، والتي لا بدّ أن تظهر صارخة، أو مبطّنة في كثير المظاهر، وعوامل الجذب بهذا الاتجاه أو ذاك، ومحاولات إصباغ لون معيّن، أو تغليب سياسة ما، ومواقف لهذا الفريق أو ذاك .
وإذا كان الواضح عند الجميع ـ على العموم ـ أن المشتركات العامة هي القاسم الأعظم الذي يجب التحلّق والتمركز حوله، وهو هنا : الحرية كهدف، والحرية كبديل، والحرية كنظام لدولة مدنية ديمقراطية ..
وإذا كانت الأغلبية تعاف اللون السياسي المحدد، أو التعاطي بالسياسة، وتتسم مواقفها باليأس من الأحزاب المعارضة، وبإطلاق عديد الأحكام السلبية عليها..
فمن الواضح أن قيادة الثورة هي عمل سياسي من النوع الرفيع والخالص، وأنه دون وعي سياسي دقيق بطبيعة المعركة وتكتيكاتها ومراحلها والخصم والحليف، والداخلي والخارجي(ومليون عامل وقصة) يتخبّط الشباب وقد يقعون في مطبّات كبيرة وخطيرة . كما أن الحساسية من العمل المعارض، أو التوقف عند التقويمات السلبية لا تحمل الإيجاب على طول الخط، على العكس.. فمن واجب قيادات الثورة، وواجب الموقع الذي يُفرض عليهم أن يكونوا واسعي الصدر، رحبين، قادرين على التعاطي الإيجابي مع مفردات اللوحة السورية في جانبها المعارض، لأنها تخدمهم، ولأنه يجب استثمارها بما يليق بدعم الثورة وحشد كل الإمكانات لتصبّ فيها، وليس خارجها، أو في أقنية جانبية، وبديلة … وهذا عبء ثقيل ليس من السهل على الشباب حمله دون مساعدة الجميع، ودون فتح الذهن والقلب على كل التموقعات والآراء، ومحاولات توظيفها في خدمة المسار العام، وعدم تحويلها إلى سلب . وهنا يجب تجنّب الأحادية السياسية، وأحادية الوصاية، والادعاء، وأحادية اللون الخاص، وأحادية القرار، وأحادية الانفراد .
4 ـ لقد ولّدت البدايات العفوية، وشبه المنظمة(لاحقاً)، وذلك التباين في الرؤى والانتماء وجود عدد كبير من التنسيقيات في المدينة الواحدة، وأحياناً في المنطقة والقرية الواحدة. وطالما أن البدايات اعتمدت على المبادرات الفردية، وعلى اندفاع الشباب، ومقتضيات يوميات الثورة..فإن كثرة، وتعدد التنسيقيات بات في مرحلة لاحقة عبئاً جديداً يهدد بالتشتت والفرقة والتصارع والتباين، والتنافس الذي قد لا يكون موضوعياً، ولا لصالح تعزيز حراك الميدان، وتصليب الثورة.. وبما يستوجب السعي الدؤوب لوحدة التنسيقيات على صعيد القرية والمنطقة، فالمدينة، وان تتحوّل إلى فروع تابعة لتنسيقية واحدة على صعيد المدينة (المحافظة)، وهذا يتطلب غيرية كبيرة ترفض الأنا الذاتية، أو العصبوية الحزبية، وتنظر إلى الهدف العام الذي قد يضرّه أي فعل غير ناضج، وأية فرقعات واختلافات .
5 ـ هذا الوضع ينسحب على مستوى القطر.. حيث تعددت التنسيقيات، وفي مرحلة لاحقة كثرت الأشكال الجمعوية لها، وبتنا نسمع عن أكثر من صيغة (اتحاد ولجان.. وما بينها)، كما تعدد وكثر الناطقون باسم التنسيقيات بحيث لم يعد يعرف عديد المراقبين المهتمين الحقيقة من الابتداع والاصطناع، وحقيقة التمثيل ومستواه.
إن كل الموجبات، كل الضرورات، كل الأماني تستدعي العمل الحثيث من أجل وحدة التنسيقيات في إطار جامع.. وإن لم يكن ذلك ممكناً في الوقت الراهن، فعلى الأقل : إيجاد صيغة تنسيقية ما يكون من شأنها توحيد الرؤى والمواقف حول الهدف المركزي، والقضايا الرئيسة، تاركين التفاصيل مجالاً للتنوع والتباين الغنيين .
6 ـ إن وحدة عمل التنسيقيات مقدمة لبلورة إطار سياسي جامع لها ليس شرطاً، ولا حكماً أن يكون على هيئة حزب سياسي، بل يمكن أن يتخذ منحى تيارياً، أو ائتلافياً، أو جبهوياً.. أو أي صيغة تسمح بتجسيد دور الشباب وتقدمهم الصفوف كقيادة حقيقية مسلحة ببرنامج شامل يكون البوصلة للجميع، وهو البرنامج الذي يجب أن يتناول الهدف المركزي، وصيغة الدولة البديل، والحياة السياسية القادمة، والتكتيك، ومواقع الحلفاء، ووسائل تجنيدهم خدمة للهدف المشترك.. كما يسمح ذلك بسرعة المبادرة في اتخاذ المواقف الضرورية التي تمليها التطورات في مجمل الأحداث الداخلية والخارجية، ومن مجمل الأنشطة والمبادرات، والاتجاهات .
7 ـ إن التأكيد على الهوية الوطنية للثورة السورية باعتبارها ثورة الشعب كله، بما فيه الفئات الصامتة، وتلك التي لم تشارك حتى الآن، أو تلك الممتنعة والرافضة، وحتى المعارضة ـ لهذا السبب أو ذاك ـ إنما يعني رفض اللون الواحد، ورفض الطائفية، والمذهبية، والعرقية، ورفض صباغة الثورة بلون اديولوجي أو ديني أو قومي.. أو سواه، والتركيز على الحريات العامة، والوحدة الوطنية التي تغتني في التعددية والدولة المدنية الديمقراطية : اللادينية، اللاقومية، اللاإديدلوجية ..
8 ـ إن واجب القوى المعارضة : المنظمة وغيرها أن تقدم كل ما تستطيع من عون وخبرات وترشيد ونصح لشباب الثورة على قاعدة التكامل والمصير والهدف الواحد . كما أن من واجب الشباب أن يطلبوا دعم وخبرات من هم أكثر تجربة في العمل السياسي والفكري، وأن لا يضيقوا برأي هنا، أو شطط هناك، أو محاولة من هذا الطرف، أو تصريح من ذاك.. لأن من يقبض على جمر الإيمان في قلبه ويديه مطالب بأن يكون بموقع الأب والأم، والحضن الواسع القادر على التعامل مع كل تلاوين الوطن لتشكيل لوحته الجميلة …
9 ـ الأكيد أن إنجاز وحدة عمل التنسيقيات، وبلورة إطار لها، وطرح برنامجها للمرحلة.. سيقطع الطريق على جميع محاولات الركوب، والحرف، والتشويه، والاحتواء، والانتهاز، والاستعراض، بما في ذلك بعض المشاريع المشبوهة، والملغومة، ويفتح الطريق لأن تكون الموجّه، والقائد لجميع قوى المجتمع وفئاته، وأطيافه بتناغم يتحمّل ويستوعب كل التفاعلات، والتباينات، ووجهات النظر المتعددة ..
(( ملحوظة : منذ وقت ووضع التنسيقيات يدفعني للكتابة فيها، لكن مبادرات بعض الشباب في هذا المجال، وتفاعلي معهم.. كان المحرض لهذا المقال.. فالشكر لهم..))..
كاتب وروائي ـ الجزائر




















