أيام ليست كالأيام… أربعة شهور مضت وقد زلزلت كل ما كان، تغيرت نفوسنا، تخلت عن خوفها الأزلي، وباتت تتوق إلى أي شيء من أجل وطن حر وكريم، خارطة علاقاتنا الاجتماعية تغيرت، خسرنا الكثير ممن كنا نعدهم أصدقاء، وكسبنا أصدقاء جدد، عندما أقارن بيئة العلاقات الجديدة، أراها صحية أكثر على الرغم من تأسفي على الذين خسرتهم، والذين كان يجب أن أخسرهم طالما بنيت علاقتنا على مداراة وتنازلات من طرف واحد، بعض من خسرتهم قالوا لي أنت تغيرت، فلم أنكر! نعم تغيرت، لم يعد بإمكاني أن أتقبل منكم ما تقبلته طوال أربعة عقود، كانت العلاقة في أساسها غير منصفة، لذلك كان عليكم أن تتغيروا معي، فرفضتم، أطعتم غرائزكم البدائية، ولم تعملوا الفكر في مآلاتنا القادمة، كنتم تصرحون دوما بما ترغبون به وتستطيبونه وما وافق هواكم لم يكن نكراً للسلطة الجاثمة على صدورنا، أما الحلم الذي كاد يجف داخلي، حلم أن أكون مواطناً في وطني دون أن أكون عبداً للمتسلط والسلطة، كان من شأنه أن ينحرني لو صرحت به كما نحر الذين من قبلي، الفارق بين هواكم وهواي، أن رغبتكم بقيت مناقبها محصورة بكم، بينما حلمي كان ومازال يتسع للجميع.
أربعة أشهر كشفت الأقنعة، وأزالت الالتباس بين الناس، بين من هم غارقون في آثام النظام يتنعمون بأسلابه، وبين من هم عانوا طويلاً وباتوا يحلمون بيوم لا ينهش القوم ما تبقى لحومهم الهزيلة، كشفت معادن من كنا نحسن الظن بهم أو نسيء الظن بهم، وعلى صعد مختلفة، في السياسة والفكر والأدب والفن والرياضة والدين…الخ، وأكدت لنا أننا مرتهنون لعصابة عائلية يحف بها منتفعون لا ميزة فيهم سوى خساستهم، وفيهم من قضى عمراً ينظّر للحرية والكرامة، فلما سمع الشباب ينادون بهما نكص على عقبيه، ونكث بكل قيمة ادعاها، ليرمي هؤلاء الثائرين من أجل حق لا مراء فيه، بأقذع الصفات وأحط النوايا، فقط لأنهم يهددون ما يكسبه دون وجه حق! وما يستولي عليه دونما وازع من خلق!
أربعة أشهر تمضي والأمل يكبر، ويكبر معه الألم، يستبسل الشباب في الجأر بالحقوق، فتفلت السلطة الغاشمة كلابها تقتلهم وتقتل من لا يقتلهم، سلطة لا تكتفي بقتل ضحيتها، لكن تطالب بدمها أيضاً من ذويها فتقتلهم أيضاً في مواكب العزاء ومجالسه، ينبري الوصوليون، وأزلام السلطة ومنافقوها القلقون للمتاجرة بالدماء الطاهرة التي سكبت بشجاعة على التراب السليب لمدة عقود خمسة، ولكن هيهات، والجموع تدرك أن الولد سر أبيه، وأن بشار لن يقل عن حافظ إجراماً، وأنه يحاول بدأب التقاط أنفاسه ليدخل البلاد في عهد أكثر بؤساً من عهد أبيه في الثمانينات، العقد الذي لو كشفت خباياه لهانت علينا أفعال الطغاة والقتلة الأكثر شهرة في التاريخ، ربما تجاوز الابن أبيه في أنه يتسلى بتعذيب الأطفال قبل قتلهم!
نتفهم من استطابوا العيش في ظل النظام ممالئين له على حساب أخوتهم في الوطن، الذين استخدمهم واستخدموه في صفقات مشبوهة تعالج بالتسويغ ولا تدخل أبواب المفاخرة قط، نتفهم كل تسويغهم، ونبتلع كل الحيف الذي لحق بنا طوال الوقت، مقتنعين بأننا لم نواجه الطغاة فنابنا منهم ومن إمعاتهم ما ينوب الغارقين في الكلالة، نتفهمهم بأقصى ما يمكننا بذله من تفهم وتسامح، لكن عندما ينهض الشباب في وجه الطاغية متأملين غداً يليق بهم، علينا أن نراجع ما اعتدنا عليه، وعلينا أن ننظر ملياً في السائد الذي لا يحتاج دليلاً على بؤسه وانحطاطه.
أليس الجدير بالمنتفعين أن ينظروا ملياً في مكاسبهم وخسائرهم قبل المضي في طريق الظلم هذا، أليس الجدير بهم أن يقارنوا بين ما يكتسبونه من نظام جائر، وبين ما ينتظرهم عند زواله؟ أليس من الحكمة ألا يؤجلوا هذا السؤال وسمات التداعي والانهيار بدأت تظهر جلية على النظام؟ أليس من الواجب أن يتخلوا عن طقوس العبودية لطاغية يحتضر؟
نعم هم يتنعمون بالمحسوبية والرشوة… لكنهم خدم وأدوات لمجموعة من المستأثرين بالثروة والسلطة، يتمتعون بما لا يتمتع به معظم الناس في ظل اللصوص والقتلة، لكن هل يحرمون من متعهم إذا رحل النظام؟ هل يخسرون مكاسبهم؟ وما الذي سيكسبونه إذا رحل؟ هي أسئلة ربما أدنى من يجاب عليها في ظل قيم وطنية، ولكن لنحاول النظر وفق براجماتية متحررة من القيمة، لندرك إلى أي مستقبل ننحاز… كيف لبناء جميل أن يمتعنا بالسكن فيه وحوله مساكن الصفيح المليئة بالبائسين، وكيف لأصيص مزدحم أن يعوضنا عن حديقة غناء دائمة الربيع، إن الأمر يحتاج إلى بعض تأمل لندرك فداحة ما نخسره، وهزال ما نكسبه. سواء فيما نستمتع به، أو فيما ندخره لغدنا، أو ما نخبئه لأجيالنا القادمة.
المنتفعون بولائهم يتمتعون بشيء من المحسوبية التي تذلل الصعاب وتخفف من عوائق النظام التي يلجم بها أي نزوع للمنافسة، والتي عبرها ينهب الناس ويضيق عليهم حياتهم ويختزل أحلامهم، ويتمتعون بغض النظر عن استثمار وظائفهم ومناصبهم أو التحايل على القوانين في استثماراتهم، أو التمتع بخدمات لا تتاح لغيرهم، وهي أمور من حق أي إنسان أن يتمتع بها دون منة أو تفضل، فعندما يغيب الاستبداد يمكن للجميع أن ينتفع بها، ما يفعله الاستبداد أنه يصادر من الناس حقوقهم، ليجود على بعض (من يستخدمهم في قمع معظمهم) بجزء يسير منها. لذلك فإن التخلص من الاستبداد يعني أن أحصل على المزيد دون أن يخسر غيري ما هو له. أن أستمتع بما أكسبه دون خوف من فقده، ودون أن استثير حقداً أو حنقاً عند مظلوم أو مسلوب أو مهان، من يقومون بخدمة النظام يضعون أنفسهم في واجهة الصراع، يسلبون أخوتهم الكثير لينتفعوا بالقليل الذليل.
المنتفعون بولائهم يقومون بسلب حرية أخوتهم، بالمساعدة في أسرهم وقمعهم وإذلالهم، فيضعفون بضعفهم، ويذلون بذلهم، ولا ينتبهون أنهم يذلون أكثر ممن يسحقونهم خدمة للنظام، لأنهم أقرب إلى سدنة النظام، الذين لا يرتضون أي احد إلا إذا كان حذاء لهم. وشتان بين من ينحني من أجل مطمع بخس، وبين من يأبى الانحناء مهما تعرى وجاع وتعذب… من يتعرض للذل اختيارا وطمعاً لا يمكنه بحال من الأحوال أن يبلغ أو يتساوى مع من يتعرض للذل كرهاً واستبداداً.
المنتفعون لا يعون أن مشاهد البؤس التي تحيط بهم لن تتركهم يتنعمون بنعيمهم الخاص، إذ لا يمكن للمتعة أن تبلغ مداها وهي محفوفة بألم محيط، ليتصورا نعيماً اقل في وسط عادل وكريم وحر، سيدركون كم هم خاسرون مع كل ما يظهر لهم من نعيم، وكم هم رابحون إذا غابت الامتيازات التي حازوها دون وجه حق.
المنتفعون يساندون السلطة في أسر الناس وسلبهم حريتهم، ولكن هل هم ينالون الحرية، هل يتمتعون بلحظة حرية، لا شك هم أكثر من يفتقدها، وخاصة في اضطرارهم أن يتخلوا عنها حتى في قلوبهم من أجل إرضاء سادتهم.
ألا تدفعون للص رامي مع كل اتصال تجرونه، ألا تعانون من سوء خدمة الاتصال بالشبكة مثلكم مثل أي مواطن آخر، ألا تزكم أنوفكم روائح النفايات التي تملأ الشوارع، ألا تضيق نفوسكم من الفوضى والغلاء والازدحام والفساد، ألا تعيش هموماً يومية تافهة تشغلك عن الجوهري في الوجود الإنساني، أن تقضي نهارك منتظراً الماء ,إن تغافلك شركة الكهرباء بقطعه في قيظ حمارة أو دامس حالك، إلا تحلمون بالعيش مع وجوه نضرة بالحرية، ونفوس منتعشة بالكرامة، ألا يستحق المواطن أي مواطن أن يكون من المكرمين إذا أخلص للوطن أكثر من تعبده للنظام!
عندما ينحاز الناس إلى بعضهم… نلمح بشائر الغد التي لا يمكن لأي سلطة أن تمنعها، وعندما يفترق الناس ستعرش السلطة وتمتد كنبتة طفيلية عملاقة، تمتص خيرات الآخرين، وتسومهم سوء العذاب والمنقلب.
لعل من متأمل!!




















