في الندوة الدولية لحوار الحضارات التي أقيمت في الرقة / آذار 2006 اخترت لمحاضرتي عنوان :
( حوار الرعايا قبل حوار البرايا ) ، وكان مما قلته بهذا الخصوص :
” إنه لمن الأجدى للنظم العربية أن تخوض هذا الحوار ابتداء مع شــــعوبها تعزيزا للوحـــدة الاجتماعية التي تشــكل الملاط الأساسي لتماسك هرم الدولة ، وتعزيز ثباته ومقاومته والمحافظة على ذاتيته ، لأن فقدان الذاتية والتماسك سببان أكيدان من أسباب التحلل . كما أن تعزيز الوحدة الاجتماعية وإسباغ الحرية على مجموع أفراد المجتمع سيكون من شأنه إذكاء طاقاتهم الكامنة ، وتفعيل قدراتهم الحيوية المغيبة ، والانتقال بهم من مفهوم الرعية إلى مفهـــوم المواطنية ، ومــــن رتابة العادة إلى حرية الخلق ، ومن خنوع الانسياق إلى كرامة المشـــــاركة ، ذلك أن المجتمع الذي هو ميدان الفعل يحتاج إلى أفراد أحــــرار يتمتعون بالكرامة والأمانة لممارسة دور الفعل الايجابي الذي يشكلون هم مصدره ، وحتى يستطيعوا أن يقدموا ســــلسلة من الاستجابات الناجحة للتحديات المتعاقبة التي عجزت النظم الحاكمة عن التصدي لها بمفردها ، وبأدواتها التقليدية ووســائلها الاستـئثارية ، مثلما عجزت عن تحقيق الكثير من الطموحات الوطنية والقومية المشروعة والحقة ”
“انتهى الاقتباس”
أسوق هذه المقدمة لأقول : إن الشعب السوري لطالما آمن بأهمية الحــوار ودعا إليه انطلاقا من خلفيته الحضارية ، ونزعته الانســـانية المســـالمة والمناوئة للعنف ، وإيمانه الكامل بالديمقراطية التي تعوّل على النقاش المكشوف والإقناع ، في الوقت الذي أدار فيه النظام – لعقود طويلة – ظهره لهذا المطلب وركن بقيادة حزب البعث المتولي لقيادة المجتمع والدولة ( بإرادته لا بإرادة الشعب ) إلى وهم السلطة الذي كان ينظر إلى ثبات الحراك المجتمعي وسكونه على أنه المبايعة الأبدية لأســــــلوب الحكم الأمثل ، وإن السكوت عن المطالبة بالحرية إنما هم انسجام مع مفهوم حزب البعث للحرية التي تعني من وجهة نظـــره قدرة الفرد والمجتمع على الالتحام بالنظام والحزب والتعبير عن القانون العام الذي يكمن فيه ، على اعتبار أن حرية الانسان إنما تكون في ولائه للحزب القائد .
وقد نسي النظام والحزب أن الحرية – كما يقول سارتر – إنما هي أشبه بقنبلة قلقة في أحشائها المقدرة على الانفجار ولكنها ملقاة في مكان ما بين الماضي والمستقبل لا يدري أحد متى تنفجر ولا من تصيب بانفجارها .
كما نسي النظام والحزب أن المجتمع الذي عجز عن ممارسة حركته التكنيكية الخاصة به انسياقا مع حركة العجلة الرومانية التي قيد بها لعقود طويلة ، أنه لم يتوقف عن ممارسة حركته العقائدية من حياة باطنية ووجدانية وفكرية .. والتي كانت المغذي الأمثل لقوته الشعورية العفوية الدافقة التي اجتاحت الشارع السوري في لحظة انعتاق إنســــاني من مظاهر التهميش والإلغاء ، واحتجاجا على كل الممارسات القسرية ، والآلية المركزية للذهنية الارادوية التعبوية .
أمّا وقد وقعت الواقعة ، وصرنا أمام أزمة عارمة تجتاح المجتمع الســـــوري من أقصاه إلى أقصاه ، وبعد أن فشـــــلت جميع الحلول الأمنية في احتواء الأزمة وإيجاد الحلول المناسبة لها ، وبعد أن اقتنع النظام أن الوحدات العسكرية لن تحل المشكلة ، وأنه لا حل إلا بإزالة أسباب هذا الصراع ، فقد توجه النظام – بعد ما يقارب الأربعة أشهر – إلى حوار وطني شامل ، وحسنا فعل ، فأن نصل متأخرين أفضل من أن لا نصـــل ، لأن التأخير الاضافي يعني مزيدا من الدم الســــــوري العزيز ، مزيدا من الانهيار الاقتصادي ، مزيدا من الابتعاد عن الحل الســـلمي للأزمة ولما بدا أنه قد أصبح صراع إرادات في الوقت الذي نريده توافق إرادات ، ولما بدا أنه قد أصبح سعيا لحل أمني خالص فيما نريده سعيا إلى حل سياسي خالص ، ولما بدا أنه قد أصبح تحديا لقانون الحركة والتغيير ، وتشـــــبثا بالحالة الراهنة ، التي نرى اســـــتحالة اســـــتمرارها أمام حتمية التغيير والتحول الديمقراطي .
لكل ما سبق ، ولأننا نسعى إلى تحقيق الديمقراطية بكل طريق سوى العنف ، والمحافظة عليها بكل طريق سوى القوة ، فإننا نرحب بالحوار الوطني الشـــــامل الذي دعت إليه الدولة على قـــاعدة الإرادة الحرة للفريقين ، والاعتراف المتبادل ، وإدراك الضرورات والاتفاق عليها ، بعيدا عن قوة الإكراه والأوامر والتبعية ووفق الأسس التالية :
أولا – إثبات توفر الإرادة السياسية لدى النظام السوري بالسير بهذا الحوار الوطني إلى التحول الديمقراطي الكامل وتوفير المناخ المناسب له ، لأن الضمانات الدستورية لوحدها غير كافية لضمان الحريات وحسن سير العملية الديمقراطية .
ــ فالضمانات الدستورية التي تضمنتها المواد 26 ، 38 ، 39 من دستور 1973 والتي تكفل حق التعبير عن الرأي والتجمع والمشاركة السياسية ، لم تكن كافية لضمان هذه الحقوق خلال العقود السابقة وذلك لعدم اقترانها بالإرادة السياسية اللازمة لتفعيلها .
ــ كما وأن قانون رفع حالة الطوارئ الأخير لم يكن كافيا لوقف حالة الطوارئ وإلغاء المظاهر الأمنية والخروقــات القانونية التي لحقت بحقوق الانسان في سـورية وذلك أيضا لعدم توفر الإرادة الســــياسية الكاملة من جميع الأطراف النافذة ومراكــز القوى السياسية والأمنية .
ــ لذلك فإن الشرط الأول للحوار الوطني الضامن للتحول الديمقراطي هو توفر الإرادة السياسية .
ــ وحيث أن الديمقراطي الحقيقي هو الذي يعرف أن لا شيء له قيمة إن لم يثبت بالبرهان ، كان على الدولة اتخاذ الاجراءات التالية ضمانا لتكريس الثقة لدى المتظاهرين والشارع السوري بجدية الحوار وصدقيته :
§ إخراج الجيش من جميع المناطق التي دخلها في سوريا وإعادته إلى ثكناته والإبقاء على القوات الأمنية والشـرطية الكفيلة بحفظ النظام وأمن المتظاهرين وإلغاء كافة مظاهر الاحتكاك والعنف واطلاق النار .
§ إطلاق سراح جميع موقوفي الرأي والسجناء السياسيين سواء أولئك الذين صدرت بحقهم أحكام أم لم تصدر بعد .
§ تقليص عدد الأجهزة الأمنية ودمجها وتحديد عملها بما خصصت له وفق قانون يحدد الصلاحيات والمســـــــؤوليات بدقة .
§ تفعيل القانون الخاص برفع حالة الطوارئ واعتبار كل خرق له جريمة بموجب القانون الجنائي .
§ الإعلان عن تشكيل لجنة يرأســــها قاض تســـمى لجنة ( المصالحة والمســــامحة ) تتضمن تعويضات عادلة لكافة المتضررين ( أسر وأفراد ) عما لحق بهم من أضرار بسبب الاعتقال أو التعذيب الناجم عن العمل الســياسي وحرية الرأي وعمن فقد حياته بســــــبب ذلك ، لإغلاق ملف ضغائـن الماضي وآلام الحـــاضر ، وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة .
ثـانيا ــ الاعتراف بالطرف الآخر اعترافا صريحا كشريك حقيقي في الحوار من أجل التحول الديمقراطي والمشاركة السياسية الفعلية ( سواء أكان مستقلا أو معارضا ) ، وفي إطار من الاحترام والإرادة الحرة المتبادلة وحـيّز عام آمن للمناقشــــة بعيدا عن الاكراه والمســــاءلة ، فالاعتراف المتبادل لا يعطينا أســــاس الديمقراطية وحسب ، فهو يقدم لنا أيضا شـــــروط تطبيقها واستخدامها التدريجي المتنامي والمتوســــع والمتجدد على الدوام ، ومن مقتضيات هذا الاعتراف تجنب الخطاب الرســــمي والاعلامي كل ما من شأنه الضغط على هذا الطرف بالغمز من قـناته بكل ما يحتمل شـبهة التخوين والمؤامرة ، وبمعنى آخــر الابتعــاد عن تقييد حــريته بالشــعارات الأيديولوجية وما يبنى عليها مــن اتهــامات أيديولوجية وتهـــويل عقــابي ومعنوي ، والاحتكام إلى القانون في كل مل يتعلق بحدود الحرية ومسؤوليتها .
كل ذلك من أجل إفســــاح المجال للأنتقال من المعارضة الســــــــلبية إلى المعارضة الايجابية ، ومن ديمقــراطية الامتثال إلى ديمقراطية التكامل ، ومن الاحتجاج والاعتراض إلى طرح البدائل ، ومن الفعل المضــاد إلى الفعل البناء ومن القطع والقطيعة إلى الالتئام والتلاقي .
وعلى ذلك سيتوجه الجميع ( إلى المنتدى الســـياسي للحوار ومعهم حججهم وبراهينهم فقط ولا شئ غيرها ) وكل الممتلكات غير الأســـــاسية كالأســــلحة والمحافظ والألقاب والرتب .. . يجب أن تبقى في غرفة الملابس عند المدخل على حد قول أحد السياسيين .
وهكذا نستطيع إجراء التعديلات الهيكلية للتحول الديمقراطي التي تتناول ابتداء التغيير في الذهنية الســياسية وانتهاء التغيير في البنية المؤسساتية للدولة وصولا إلى الديمقراطية التي نريد ، وبالطبع فإننا لا نريد ديمقراطية ضعيفة يمكن القضاء عليها من فوق على يد ســــلطة قســـــرية ، ولا من تحت على يـــد الفوضى والعنف والنزعات التعصبية ، وإنمــا ديمقــراطية قابلة للأستمرار تؤيدها سلطة القانون ، وفصل الســلطات ، وضمانات الحقوق والحريات الفردية في ظل تعددية سياسية ، ورقابة شعبية ، وحرية إعلام ، وتداول حر للمعلومة وديمقراطية تمثيلية حقيقية ، وتداول سلمي وهادئ للسلطة .
————————————————————
بســـام البليبل ــ محام مســـتقل ، وكاتب وشــــــاعر من الرقة . ومؤســـس فكرة حزب ســــوري ينطلق مــن القضية البيئية
” حزب الخضر الســــوري ” مشروع رؤيـة تأسيسية بانتظار صدور قانون الأحزاب .




















