هذي حماة مدينة سحرية وأنا امرؤ بجمالها مسحور
من دفاتري : حين كنت ألملم أشيائي
ما زلت أذكر الأيام الأولى لإقامتي عامين ويزيد في حماة.. وكيف كنت، وكيف خرجت منها إلى دمشق .. كنت بعثياً منذ السادسة عشرة من عمري، قفّزتني الظروف، وربما القلة، خاصة فيمن يجيدون تصفيف الكلام المثقف، وممن قرأوا بعضاً من كتب منوّعة تتجاوز أقانيم البعث النمطية لأكون شبه مسؤول في الحزب واتحاد الطلاب.. نملآ الدنيا اجتماعات وجولات على القرى ومحاضرات وندوات ونقاشات تجعل كثير ليالينا أطول من أحلامنا.. وكنا كثيري الكلام بالشعارات الكبيرة التي نرددها يومياً، ولا نرى أنفسنا كسوريين ، بل نمجّ من يصفنا بذلك، فنحن عرب ننشد الوحدة من المحيط للخليج.. فكيف سأكون سلمونياً.. أنا الخارج من صلبها، المُشبع بطباعها، وثقافة بيئتها، وموروثاتها، المفتخر بغبارها وشعرائها وبلعاسها وخضرها وشميمسها، وقنواتها وحكاويها ورعيان عوجتها ـ شأن الجميع تقريباً؟؟..
كيف سأطحن، أو أتجاوز حكايات أمي وستي، وجيراني..وبيئتي عن تاريخ الصراع المذهبي وكربلائياته ومنعرجاته، ومحطاته الكثيرة في تاريخ يروى شفهياً وتتناقله الألسن جيلاً بعد جيل ، والتوجس من الآخر وأشباح عداوته لي.. ومليون قنازيع تكوينية تقبع في أعماق اللاوعي، وبالوقت نفسه أن أكون جديراً بالمبادئ والأهداف التي إليها انتميت، أو وجدت نفسي في خضمّها.. دون أن أكون منفصماً، أو منافقاً، أو متمظهراً ؟؟…
ـ معادلة تبدو قاسية، وتحتاج غير الوعي النقدي إلى إرادة منهّجة لإحداث الفرز، وتحديد التخوم، والمصالحة بين عالمين يبدوان متناقضين.. عالم الماضي الذي أرفض، وعالم الحلم الذي أرغب..(وهي للمناسبة مسألة صعبة سنجدها قاسية في الكثير، وسنلمس قاعها عند الكثير خصوصاً في المنعطفات يوم تظهر تلك التعبئة المخزونية فتعمي الأبصار والقلوب، وقد تدفع البعض للكارثة”الثأر” التاريخي بلؤم وحقد ضد آخر مفترض في ذاكرة الاسترجاع والاستحضار ….وهي اليوم تجلس بقوة على رقاب شعبنا ووحدته الوطنية ومستقبله…) ..
***
كنت رئيساً لاتحاد الطلاب في سلمية(اللجنة التنسيقية) ومندوبها في المكتب الإداري، وانتخبت عضواً لمؤتمر فرع الحزب في حماة، رغم الحرد القصير احتجاجاً على الأسلوب العسكري في حسم مشكلة الحزب في 23 شباط 1966، وكان يمكن أن أصبح عضواً في قيادة فرع الحزب لو أذعنت لنصائح الرفيق كامل حسين الذي جاء مندوباً عن القيادة القطرية المؤقتة للإشراف على انتخابات الفرع، لأنه أعجب بما قلته عن أزمة الحزب البنيوية، وموقع المؤسسة العسكرية الراكب والمسيطر (وكلام كثير).. ـ ورغم أني كنت مقرراً بيني وبين نفسي ألا أكون في أي موقع حزبي أو طلابي.. إلا أنني تورطت بالترشح لانتخابات اتحاد الطلاب ضمن ضغط الأصدقاء، وكانت المفاجأة أنني نلت أكثر الأصوات، وأن رفاقي من أبناء حماة أصروا على اختياري رئيساً للاتحاد في المحافظة.. لبدء بعض عشقي لحماة المدينة والشعب ..
ـ كان البعث مكروهاً، ومُحارباً من قوتين كبيرتين : الاشتراكيين العرب بزعامة الشخصية الوطنية البارزة الأستاذ أكرم الحوراني الذي اختلف مع قيادة الحزب إثر الانفصال وعاد إلى تشكيله(قبل الضم مع البعث العربي)، وقد عاملته حركة آذار كعدو، فلوحق واضطهد هو وحزبه، والإسلاميين الذين تعتبر حماة أحد أهم قلاعهم، خاصة بعد أحداث 1964 حين قصفت قوات الجيش جامع السلطان، وضربت عديد الإسلاميين.. وكادت تحدث مشكلة كبرى لولا أن تغلب نهج الصلح والتهدئة على نهج القمع، والتصفية …(وهذا حديث يطول) ..
كان الحزب في حماة يعاني آثار تلك الوضعية، خاصة في اتحاد الطلاب الذي كان فيه أهل حماة قلة، ولم يكن هناك بينهم ولا عضو عامل في الحزب، في حين كنا في سلمية أكواماً.. ـ المهم.. وأنا أقرر السكن في حماة، ونحن نبحث عن غرفة للإيجار، ونحاول أن تكون في المدينة(حي المسيحيين)، أو على تخومها..ورغم الموقع الذي كنت فيه، ويساريتي، وكلامي الكبير، الكثير عن الشعب الواحد، والحداثة، والتقدّم، والكادحين، بل وحتى الأممية ، والاشتراكية، بل والعلمية منها التي كنا شديدو الغرام بها..إلا أن داخلي كان ينغل ـ على الصعيد العملي ـ بالكثير من التهيّب، والحذر، والتعبئات القابعة داخلي، والتي تصارع جانبي الآخر.. وكأن الأصوات بتحاشي أكل اللحمة إلا من عند فلان، وتحاشي الاختلاط، والحذر، والانتباه، وفحص الناس، والكلمات..تندلق دفعة واحدة عند التعامل المباشر، فأتخذ قراراتي الصريحة بمقاومتها وقمعها …..
ـ شيئاً فشيئاً رحت أتسلل إلى المدينة لأكتشف بعض تكوينها : بشر مثلنا.. ـ وعبر رفاقي الحموية، وبعض الصداقات التي تكوّنت رحت أتجرّأ فأطوف عالمها ومكوناتها، لينحسر التهيّب فاسحاً المجال للاعتياد.. وقد أسقطت، أو سقط كثير من ذلك الإرث المثقل بالوهم.. والعقد، وحصون الخيوط العنكبوتية ..
ـ عرفت حماة ابناً لها وفياً.. فانفتحت كثير المغاليق الصعبة.. وانطلقت للمرة الأولى رحلات نسائية للصبايا برفقتنا، وباسمنا.. كنا نحافظ على سمعتها أكثر من عيوننا.. فامتدّ عملنا واتسع.. وتحطمت كثير الغلال السابقة.. وبتنا قادرين على الاندماج، والصداقة.. ونزع فتائل الكهوف ..
ـ عرفت الحموية : صدقاً في الصداقة يصدقونك الفعل، ويستعدون للتضحية بأنفسهم دفاعاً عنك . غيّريين على يعضهم..وعلى أبناء المحافظة إزاء الآخرين . أوفياء شجعان ، ويقدر معظمهم على تفهم الخلاف المذهبي، واحترام حق الآخر به، وإن كان هذا الموضوع خارج دائرة علاقاتنا واهتماماتنا.. لأن المشترك العام هو الجامع ***
ـ ورغم الزمن ومسافاته، والغربة واشتلاعاتها.. فحماة : مدينتي الرائعة، أم وأبو الفداء.. في وجداني أستعيدها صفحات محفورة في القلب والوجدان، فأتجول في أحيائها العتيقة، واقف عند نواعيرها وهي تبكي خصوصياتها، وأبكي من القلب شباباً ذبحوا لا لشيء إلا لأنهم أبناء هذه المدينة الشجاعة، الوفاء ..
ـ وحين يغزوها الحقد ثانية يدلهم القلب باستعادة الأمس المجزرة . يغضب الانفعال حدود وضع اليد على زناد ردّ الفعل.. فأستلهم صبرها، وعاصيها الخالد، وبطولتها كي يستقر القلب من وجع المرار، وأناشدها الثبات، وأنا متأكد أنه عهدها، وديدنها، وأن مدينتنا الرمز لن تركع، ولن تصمت، وستبتلع الغل الموجّه لصدرها الفتي : مزيداً من تصميم المؤمنين بالحرية، ومزيداً من تحمل عبء حمل الراية إلى جانب أخواتها منارات الثورة السورية : درعا وبانياس ودوما والمعضمية والقابون.. ووقوفاً عند حمصّ العدّية الجارة الأخت، ودير الزور الفرسان ..وبقية المدن والمناطق السورية، دون أن يرفّ لي جفن وأنا أنحني لقامة مدينتي سلمية وقد تعطّرت ببطم بلعاسها لتمنح نكهتها الخاصة لثورة الشعب : وحدة وطنية حقيقية تلطم دعاوي ومخططات النظام في الصميم ..
كاتب وروائي الجزائر




















