07 أغسطس، 2011، الساعة 06:54 مساءً
يسألني كثير، وأسأل نفسي أكثر : كيف؟، ومتى؟، وأين يكون الخلاص من هذا الكابوس المرعب الجاثم على صدر الوطن عقوداً ؟؟…
ـ هذا نظام ساقط تاريخياً، وأخلاقياً، وسياسياً، ومع ذلك استمر عقوداً، ومع ذلك يرفض الاعتراف بالحدّ الأدنى من الحقيقة، ومن رؤية ما يجري، بل يوغل عميقاً، وبعيداً في الدماء، والسحق، واللؤم وكأنه لا يرعى حرمة لمسؤولية، ولا للدماء، ولا للمصير الكالح الذي يلوح في الأفق : حقيقة ناصعة لا يمكن لقوة في الدنيا أن تزحزحها، أو تمضغها ..
في بداية الانتفاضة المتحولة إلى ثورة، وثورة من طراز خاص، بدا للكثيرين أن الحوار، والمصالحة، واللقاء في نقطة ما مع نظام الطغمة يمكن أن يحصل، وأنه الممر الوحيد للتحول إلى الديمقراطية وتجنيب بلادنا الضحايا، والمنزلقات المحتملة، فكثرت الاقتراحات، والمشاريع، وخرائط الطريق، والآمال، وتقدّم وتأخر كثير بمزيد من المبادرات التي لم تلق سوى صلف وعنجهية نظام مدمن على نهج واحد وحيد : القمع، وسحق المخالفين ..
لم نضرب بالرمل، ولم نلجأ للعرّافة” فغالي” لتقرأ لنا الواقع والمستقبل، ولا لقرّاء الكف والفنجان، وإنما استندنا إلى معرفتنا الدقيقة بتركيبة النظام وأسس ارتكازه(من يوم تشكيله على يد المجرم الأكبر)، ووقفنا عند عملية التوريث لفضح مغازيها وخلفياتها، وتفنيد كل الوعود الخلّبية التي انطلت على البعض، وما انبثق عنها من مراهنات كانت تفرضها أساساً حالة ضعف المعارضة التي تعرّضت لعمليات سحق طويلة منهّجة، ولتجفيف البحيرة من حولها، وضعف الأمل، وغياب أفق الرافعة القادرة على إقامة ميزان قوى بكفتين، وليس بكفة واحدة فقط ، وأكدت في كل ما كتبت، ومنذ بداية انطلاق شرارة الانتفاضة أن هذا النظام يستحيل عليه بنيوياً، وذاتياً أن يقوم بأية إصلاحات جدّية، لأنه لا يَصلح ولا يُصلح، وأنه لا يعرف غير القمع نهجاً، والتخويف عماداً، وبالتالي مضيعة الوقت والجهد في أية مراهنات عليه، وعلى قابلياته، وأكثر من ذلك : انعكاس مثل تلك المواقف على العلاقة بين الشباب وقوى المعارضة باتساع الهوّة بينهما، وشعور الشباب بخذلان المعارضين لإرادتهم وتصميمهم، وتضحياتهم ، وأنه ما من سبيل سوى وضع كل الجهود على طريق : تفكيك نظام الاستبداد وإنهائه : شرطاً وحيداً لإقامة الدولة المدنية الديمقراطية ..
***
سيقول قائل، وقالها البعض : أن الحكي سهل، وأن التنظير أسهل، بالنظر إلى طبيعة النظام وما يمتلكه من قوى على الأرض تتميّز بامتلاك السلاح، والخبرة، والعناصر المدربة، والوسائل المادية المختلفة، والجيوش الأمنية، والتعبئة الطائفية والحزبية وغيرها، ناهيك عن علاقاته الإقليمية، والدولية، وبالنظر إلى تكاليف الحلول الجذرية التي لا تملك قوة التنفيذ الجاهز، سوى المراهنة على تطور الثورة، وشموليتها، وتأصيلها، والتي تعتبر بنظر عديد رهاناً غامضاً على مستقبل مليء بالاحتمالات، في حين لم نغفل إمكانية حدوث مفاجأة ما درامية يقوم بها الجيش بتحمل مسؤولياته الوطنية والتاريخية، أو فريق منه، أو تراكب العامل الشعبي مع الضغط الدولي الحقيقي، مع أزمة النظام الاقتصادية وغيرها، لفتح طريق التغيير بقوة هذه المعادلة، وبما يعني سياسياً : سقوط، أو إسقاط النظام ..
كان ذلك قبل توريط الجيش وزجّه في ” حرب” المدن والشعب، وقبل ارتكاب هذا الفجور من العنف والحقد في مسلسل الترويع، والقتل، والاعتقال للمدن السورية واحدة بعد الأخرى، وقوفاً عند حماة، ودير الزور، والقادم أعظم ..
أما وقد أوغل النظام بدماء السوريين قتلاً وقنصاً وسحقاً..
ـ أما وقد احتل المدن وقام بقصف الأحياء والمساجد ودور العبادة، وروّع الآمنين، وهجّر آلاف الأسر كظاهرة تدخل تاريخ الاستثناء لحاكم في شعب أعزل .
ـ أما وقد أفلت الزمام لكثير من الانتقام المشبع بالتجييش الطائفي، والغل المحقون، والتلويح بالحرب الأهلية، واستهداف كل المدن المنتفضة، وهي من أغلبية سنية معروفة..
ـ أما وقد برز مستوى، وطبيعة الطغمة المسيطرة على الجيش، والنظام، ودور الأجهزة الأمنية، والشبيحة، ومواصفاتهم، وخلفياتهم ..
ـ أما وقد أعدم النظام قاصداً كل احتمالات بقائه، كل احتمالات الصلح معه، كل احتمالات القبول بوجوده يوماً واحداً..لم يبق سوى سؤال واحد : كيف ومتى وأين يتمّ الخلاص من هذا الخطر المثقل بالآثام ؟..
***
كنا نتمنى أن يتحمل الجيش ، منذ البداية، مسؤولياته الوطنية ليدخل التاريخ من أبوابه العريضة.. حين يصطفّ مع الشعب كما فعلها الجيش في تونس ومصر، فيوفّر كل هذا الحجم من التضحيات، والدمار، كل هذه النذر الخطيرة من توتير النسيج الوطني بتطييف لم يعد مخبوءاً في أي رمال، ليفتح الطريق لمرحلة انتقالية يُتفق على زمنها ومهامها ..
أما وأن الجيش لم يقم بواجبه المأمول، حتى الآن ..
ـ أما وأن سطوة العصابة، والأجهزة، وعقد التطييف تبرز جلياً في القطعات التي تُدفع لقصف واحتلال المدن ..
أما وأن الانشقاقات المحدودة هنا وهناك، رغم دوافعها النبيلة عند الأغلبية، لا تشكل رهان البديل..
فإن الرهان الوحيد الباقي هو : الشعب، وصموده، وتصميمه، وانتشار ثورته، وعدم تراجعه عن حقه في انتزاع الحرية، وإسقاط نظام القتلة .
ـ نعم إنه رهان صعب، وقد يضمّخ بمزيد التضحيات، وقد يُثقل بالجراح، والألم.. لكن لا خيار، ولا بديل ..
ـ الأكيد أن ذلك قد لا يكون كافياً بالنظر لمجموع الثغرات الموجودة، وفي مقدمها الواقع الصعب للتنسيقيات (القيادة الميدانية والحقيقية للثورة) من حيث التعدد، والتوزع، والتنافس، والبلورة السياسية والتنظيمية، وكذا حال المعارضة التقليدية، والمتولدة التي يصعب توحيدها في إطار جامع يسهم في تقديم العون، وفي وحدة المواقف والتحرك، والتصريحات، والمبادرات، ومشاريع المؤتمرات، والأطر التي ينبت كل يوم جديدها ..
أو في وجود مدن لم تنزل بثقلها حتى الآن(حلب بوجه التحديد، والسويداء، والمناطق المسيحية على العموم، وواقع مناطق تواجد أبناء الطائفة العلوية)، وحجم الكتلة الصامتة، وبعض الأخطاء والانفلاتات في ردّ فعل هنا، وتصريح طائفي هناك، ومحاولات ركوب الموجة، أو احتواء الثورة، أو إلباسها لباساً محدداً وكانها حالة دينية ـ إسلامية وليست شعبية لكل أطياف المجتمع، وليست تهدف إقامة الدولة المدنية الديمقراطية، ولا غيرها، ولا أقل منها ..
ـ أو المواقف العربية الرسمية : من الجامعة إلى مواقف الدول المؤثرة في المنطقة، إلى تراجع الموقف التركي، ووتيرته في الأيام الأخيرة.. إلى الموقف الدولي الذي أعطى لأشهر طوال الضوء الأخضر لنظام القتل كي يتحرر من كل ضغط، أو قرار أممي بمستوى الجرائم المرتكبة(وإن كان يشهد تغيّراً في الأيام الأخيرة، وإن كان البعض يضعه في خانة توريط النظام بالقتل حتى الغرق بالدماء) ..
ـ هذه جميعها، وأكثر منها مفاعلات حقيقية تروم عقول السوريين الثائرين جميعاً، وتشغلهم بحثاً عن اجوبة مقنعة يرون فيها نهاية لهذا الكابوس المرعب..
ـ لكن، بالوقت نفسه.. فإن هذا الفجور في اقتحام المدن، وما رافقه من فظائع ونتائج، ونشر الجيش بهذه الطريقة، ومقاومة شعبها ببطولة خارقة، مع الحفاظ على روح الثورة السلمية التي تتجاوز ردّات الفعل الفردية، وبعض الحوادث المتفرقة، والدفاع عن النفس، وردع بعض الحاقدين من القناصة والشبيحة والمجيشين بحقد القتل والتفظيع، وحتى التخلص منهم إن أمكن ..
ـ ذلك كله يضع الشعب في موقع واحد وحيد، لا مكان للتراجع، أو التردد، أو الخوف فيه، الا وهو : المضي بالثورة حتى نهايتها الظافرة : إسقاط النظام..
ـ وطالما أن ثورة الشباب ـ الشعب حطّمت أهم ركائز مملكة الرعب : الخوف والسكوت .. فإن نهاية المعركة لن تكون إلا في صالح الشعب.. وفي أفق قريب ..
كاتب وروائي ـ الجزائر




















