ونحن وقوفاً أمام السفارة السورية احتجاجاً على جرائم نظام الطغمة، وتضامناً مع شعبنا وثورته السلمية، وقد صارت أغاني القاشوش، أقنومتنا الصادحة، كما هي نواعير حماة ـ مدينتي الصامدة الصابرة ـ الخالدة.. والمحتجّون يرددون من قلب كليم مفعم بالغضب، والتصميم تلك المقاطع الرائعة التي تجوب الآفاق معلنة : أن القاشوش حيّ فينا، وأنهم وإن نزعوا حنجرته بطريقتهم الإجرامية المعهودة.. فإنها تظلل سماواتنا السبع، وتطلّ علينا بفطريتها، وابتسامتها، وعذوبتها…وفيها مقاطع واضحة عن رحيل بشار وحزب البعثية : ارحل .. ارحل يا بشار أنت وحزب البعثية …جاء بعض الصحاب يحاولون الاعتذار مني، طالبين أن أتحمل ما يحمله الكلام من دلالات، وكأني بذهنهم الممثل” الشرعي، الوحيد” للبعث، وكأني أقبل ما يًفعل باسم البعث، أو ما يفعله شبيحة البعث، أو التمريغ الذي هو فيه البعث، أو طروحات البعث الأحادية، الشمولية عندما كان على شبه اصوله، ومشروع حزب، ومشروع محاولة للحكم وليس مطية، ومشروع تثوير وتنوير وتوحيد وتحرر وتقدّم، وليس عباءة للفئوية، والانتهاز، ونفي الآخر، واغتيال الحريات الديمقراطية، وتغليف الديكتاتورية، وتعهير الشعارات وذبحها برفعها وامتطائها وتمريغها بالنجس والرذائل والجريمة، وفعل الخيانة العظمى : قتل الشعب، واغتيال الأماني ..وكثير كثير مما فعله نظام الأسد وهو يتمرجح بالبعث على حبال الأنا المستبد، وهو يأكل كل حيّ فيه ويلقيه جيفة نتنة لا مكان لها سوى مزابل النفايات ..
ـ قد يهتزّ البعثي المؤمن به، من أولئك الذين دفعوا حياتهم، أو أمضوا عمرهم في السجون والمطاردة، والحصار، والغربة القسرية ثمناً لمواقفهم، ولما يعتبرونه المبادئ الأصيلة للبعث قبل التلويث، وللبعث قبل التمريغ، وللبعث قبل الامتطاء، وللبعث قبل الفجوات البنيوية والنظرية والفكرية والسياسية والممارساتية، وللبعث قبل الهزيمة الحزيرانية.. ناهيك عن بعث الأسد الذي أعلنوا مراراً وتكراراً تبرئتهم منه، ومما يُمارس باسمه، وتحت راياته ..
ـ والحقيقة، والبعث في أوج محاولات بنائه كمشروع ثوري، أو كقائد لثورة ناقصة، أو مسؤول ، ولو بالواجهة، عن انقلاب يرغب التحول لثورة (ولو بالقسر، والرغبة الذاتية، وليّ الوقائع) كان يعاني أزمة الانتقال من حزب يؤمن بالعملية الديمقراطية ـ أيام العهد الديمقراطي، بإيجابه وسلبه ـ إلى حزب واحد، قائد، شمولي، متأثر بالموجة القوية لفلسفة الثورة الروسية ببصماتها اللينينية عن العامل الذاتي، وحرق المراحل، وموقع التخطيط الشمولي، والديمقراطية الشعبية.. وغيرها من المقولات التي شكّلت بنية وإطار عمل معظم قوى حركات التحرر الوطني والقومي التي وصلت إلى السلطة(بكيفيات مختلفة)، وما عرفته تلك المقولات من تحولات لصالح الحزب الذي اقتحم الذاتي كله وفرض السيطرة عليه، ثم صارت الهياكل الفوقية هي البديل، فجنين البيرقراطية المتضخم، فرأسمالية الدولة، والبرجوازية الطفيلية المتولدة من رحم التحولات الاجتماعية وعلى هوامشها..والتي غالباً ما انتهت إلى الانحراف، والفوات، والارتداد.. حتى إذا ما سقطت المنظومة الاشتراكية بتلك الكيفية، لم يبق من حقيبتها سوى الصدى تردده نظم الاستبداد بطريقة ببغائية لا تقنع حتى أصحابها، والتي لم يبرز منها سوى القمع المنهّج للمجتمع، واغتيال الحريات الديمقراطية، ونفي كل آخر سوى أهل النظام وكومة المستفيدين والمرتزقة والشبيحة متعددي المناصب، والخلفيات .
*****************
ـ عندما سيطر الأسد بانقلاب عسكري مصفّى، ولم يكن معه من الحزب سوى أفراد قلائل من المغضوب عليهم، وأغلبيتهم كانوا مهمّشين، أو في مناصب حكومية، أو ممن زرعتهم المخابرات العسكرية في جسم الحزب.. كان يستحيل عليه أن يعلن هوية انقلابه المشفّى كحالة عسكرية فكان لا بدّ من لباس بعثي ما فأقحم البعث غطاء، وراح يقدّم” سخاءه” عطاءات مفتوحة لمن يقبل، وإغواءات متعددة الأشكال، خصوصاً وأن حزباً في السلطة اعتاد عليها وعلى مكاسبها ستركبه الانتهازية التي طفت قوية على سطحه، وسيبحث الكثير عن “مبررات” للبقاء في نعيم الحكم.. فانساق معظم ذلك التنظيم مع المنتصر، بينما أبت قلة(بالقياس إلى العدد الكبير للتنظيم) إلا الانسجام مع قناعاتها، والوفاء لمبادئها، وأخلاقها، وشرف الانتماء .
ـ كانت الإشكالية كبيرة، وتأسيسية حول الذي جرى وخلفياته ونتائجه، وحول المخرج.. ولئن كانت تلك قضايا واسعة تستلزم الغوص البعيد فيها بما لا يستوعبه مقال، فإن قصة الحزب والشرعية، والإرث، وحتى الثأر، والموقف.. جميعها شكّلت، ولسنوات طويلة، محطّ تفاعل وتباين بين أولئك البعثيين الذين تصدّوا منفردين لنظام الأسد، ولسنوات، وقدّموا قوافل متتالية من المعتقلين، والملاحقين . الإشكالية يمكن تلخيصها بسؤال كبير يتمحّور حول مصير ومستقبل البعث : اسماً ومبنى، وهنا يلاحظ التمايز بين من اعتبر ما جرى من الأسد المنقلب سرقة، واختطافاً، أو مؤامرة خارجية وجدت في الأسد بيدقها ورأس حربتها لنسف (تلك التجربة الثورية)، والقضاء على خط الحزب السياسي الرافض للتسوية السياسية، والقرار /242/ الذي ينصّ صراحة على الاعتراف بالكيان الصهيوني، ويحصر الصراع العربي ـ الصهيوني بما احتل في الخامس من حزيران ..
وبين من كان يعتبر أن الذي جرى، في وجهه الرئيس، وبغض النظر عن موقع المؤامرة الخارجية في حوامله، أو دعمه، التعبير عن أزمة شاملة، كانت حزيران الهزيمة كاشفها التي أماطت عنها اللثام، كما كان التكتل العسكري الذي قاده الأسد بطبيعته الفئوية، والبنيوية برهاناً على قوة العسكر وسيطرتهم، وعلى شكلانية دور الحزب :
حقيقة، والذي لم يتجاوز، في أقصى حالات الإيجاب : مشروع محاولة ليكون هو قائد السلطة، وليس مركوبها، وستارها .
ـ ضمن، وفي أساس هذا التوجّه الذي كان يمثل الزخم الأقوى بين إطارات الحزب المتقدّمة الذين وضعت على عاتقهم التصدي لمرحلة الانقلاب، والسقوط، وبناء التنظيم، في أصعب الظروف وأقساها، ومع تطور بنيانهم المعرفي، نجحوا في انتزاع مقولات المشروعية، والثأر، والاختطاف من عقولهم ومواقفهم، انطلاقاً من اعتبار أن البعث الحاكم الذي ركبه، ومرّغه الأسد، وعجنه، وكوّنه، ولونّه، وصيّره وفق ما يريد، وبالاستجابة إلى شهيته المفتوحة للسلطة، ونرجسيته الذاتية المتضخمة، فالمنفلتة من كل توصيف.. وصولاً إلى التفرد الشامل، هو أحد تلاوين وإفرازات البعث، كما هو حال البعث الحاكم في العراق(بغض النظر أيضاً عن القرب والبعد عن البعث الذي كان)، واللذان يتشاركان بالأحادية، والشمولية، والقمع المنظم، ورفض الآخر..
وأن البعث الطموح، برأي هؤلاء، هو القادر على التجاوز، وفقاً لصيغة : استمرارية ـ تحول ـ تجاوز، وأن التجاوز يشمل كافة الجوانب : الفكرية، والسياسية، والممارساتية، وحتى الاسم .
ـ وعلى ذكر الاسم، فإن الأغلبية من هؤلاء، ورغم الذكريات والانشداد العاطفي، ووجود معظم قيادات الحزب في المعتقلات، أولئك الذي مثلوا بصمودهم، وثباتهم على المبدأ، ورفضهم المساومة على مواقفهم، راياته الأكبر، وعامل ضغط نفسي وأخلاقي على عملية التغيير بغيابهم، ناهيك عن قوافل المعتقلين المتتالية التي دخلت السجون تحت راية البعث(بغض النظر عن محاولات التمايز لما قبل التغيير الجزئي بالاسم، كشباطيين، أو غير ذلك من توصيفات التمايز) ..
ـ رغم ذلك، وأثره على عملية التغيير الشامل للاسم، وتبعاتها اللاحقة.. فإن الأغلبية من المناضلين البعثيين ـ هؤلاء ـ لم تكن لديهم مشكلة بتغيير الاسم إلى آخر يعبّر بصدق عن تطورهم، وطموحهم، وأفكارهم، وخطهم الفكري، السياسي.. رغم أنهم تربّوا وعاشوا، وتكوّنوا في مدرسة البعث الذي تشدّهم إليه كثير الذكريات، والمشتركات ..
ـ ومن جديد.. فإن ظروف البعثرة في الخارج، وشدّة القمع، وغيرها.. حالت دون الوصول إلى موقف موحّد من الاسم.. وحين حدث الافتراق في ” البعث الديمقراطي” و(الأسباب كثيرة)، حاول كل طرف التمسّك بالاسم، والتمايز بالصيغ (مكتب سياسي ـ لجنة مركزية).. وحين نامت السنوات على قعاد البيات، وبعد خروج الرفاق المعتقلين من السجون (القدماء والأجدّ) تحرر كثير ممن أرغمته الظروف على الهجرة القسرية إلى وضع (الكرة) بين أيدي هؤلاء، وعلى أساس أن يقرروا هم، وبالتفاعل الممكن مع الخارج، ما يرونه مناسبا.. وهو الأمر الذي لم تساعد عليه عديد الأسباب، ومنها الأوضاع الأمنية المشددة، وجملة التباينات والتفاعلات بين الرفاق..
ـ ومن منطلق الخروج من الأطر الضيّقة، والمركزية الديمقراطية المعهودة، وبروحية الانفتاح على الآخر البعثي، والوطني الديمقراطي، وباتجاه عمل تياري عريض.. كان ” تجمع البعثيين الديمقراطيين الوحدويين” محاولة مفتوحة للتطور في كافة المناحي، ومحطة انتظارية على طريق إنهاض أشكال تستجيب للتطورات ..
******
البعث ” الحاكم” وبغض النظر عن مكانته من التوصيف لا يعنينا بشيء حتى وإن داعب الاسم العواطف والذكريات، ولذلك فكمّ النقمة عليه، وكمّ المطالبة بإسقاطه، وكمّ المسؤولية فيه عن تغطية النظام الطغمة، والنظام الشبيّح، وما يفرّخه من كتاب تقارير وانتهازيين لصوص، وما تقوم به هياكله المنصّبة من دعم لنهج الفتك، والسحق، والوباء، والإبادة.. إنما تعنيه، وتعني الملتزمين بهم وليس غيرهم ..
ـ ولئن كنا نتوجّه أحياناً ببعض الخطاب لمن نعتبرهم بقايا بعثيين شرفاء فيه، وبقايا مهمّشين مؤمنين بالمبادئ، وبقيم البعث التي نشأ عليها ولأجلها.. فليس ذلك من منطلق بعثيوي، أو بغية توحيد البعث.. كما يحلم البعض من أصحاب النوايا الطيبة، والأحلام الكبيرة الحالمة، وإنما لتقدير وطني بضرورة انفكاك هؤلاء، وتحديد موقفهم وخندقهم، وواجبهم في رفض الذي يجري، وفي الإسهام بثورة الحرية ضمن الأشكال والصيغ التي يقررونها هم وليس غيرهم ..
ـ البعث الحاكم ممسحة القذارة، وعنوان الاستبداد الاستثناء، وغطاء كل الآثام التي حصلت، وهو المسؤول بهيئاته وأعضائه عما آل إليه.. أما مستقبله فتقرره تطورات الثورة السورية بعيداً عن منطق الثأر، والاستئصال والاجتثاث الذي لا يمكن أن يكون نهج الثوار، أو نتاج الحرية. فالحرية تسمح لجميع الأفكار بالتعايش والتنافس على أرضية التعددية حين يكون الشعب هو الذي يقرر الأفكار والأحزاب الجديرة بالحياة وتمثيله، والتعبير عن مصالحه وأهدافه ..
أما ملاحقة ومتابعة ومحاكمة القتلة الذين تلوّثت أيديهم بدماء الشعب ، واللصوص الذين أثروا على حسابه، ونهبوا المال العام.. فإن الدولة المدنية الديمقراطية هي التي تحاكمهم في محاكم عادية نزيهة لإنزال العقاب الذي يستحقون بعيداً عن التشفي، والحقد، وتصفية الحسابات .
(( ملاحظة : هذا المقال وغيره مما أكتب لا يلزم أحداً غير صاحبه))
كاتب وروائي الجزائر




















