ساحة حرب باردة
تشهد الحدود السورية-اللبنانية حالة من الاستنفار غير مسبوقة، منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول عام 2024، فالحكومة السورية ترسل تعزيزات مكثفة إلى الحدود لمواجهة عمليات التهريب التي ينفذها “حزب الله” اللبناني، في الوقت الذي يقوم فيه “الحزب” هو الآخر بإرسال مئات العناصر إلى مناطق حدودية بحجة مواجهة أي تدخل عسكري لدمشق في الأراضي اللبنانية. ويتزامن ذلك مع استمرار محاولات “حزب الله” اللبناني نقل سلاح ومقاتلين عبر ضفتي الحدود، وتنشط خلاياه في محاولة تجنيد مقاتلين سوريين عملوا سابقا في صفوف “الحزب” والميليشيات الإيرانية زمن نظام الأسد، بحسب ما علمت “المجلة” من عدّة مصادر ميدانية.
وتعزز الحكومة السورية قوّاتها بشكل ملحوظ على الحدود السورية-اللبنانية خلال الأسابيع الماضية، وتحديدا مع بدء حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران نهاية شهر فبراير/شباط الماضي، وذلك في محاولة من دمشق لضبط الحدود ومنع “حزب الله” اللبناني من استغلال الحدود لتمرير شحنات السلاح أو مقاتلين بين طرفي الحدود. ورغم استطاعة الحكومة السورية ضبط الحدود بشكل كبير، فإن بعض شحنات التهريب ما زالت تمر بين طرفي الحدود، بحسب مصادر “المجلة” التي قالت إنه خلال الأسبوعين الماضيين نجحت عدّة عمليات تهريب انطلقت من سوريا تجاه لبنان رغم الإجراءات التي تتخذها الحكومة السورية، وأوضحت المصادر أنه من المستحيل ضبط الحدود بشكل كامل، بسبب صعوبة ذلك من الناحية اللوجستية من جهة، ونتيجة تداخل الأراضي والعائلات على طرفي الحدود من جهة ثانية، يُضاف لها شبكة الأنفاق المعقدة التي أنشأها نظام الأسد و”حزب الله” اللبناني خلال سنوات طوال.
الحكومة السورية لا ترى الخطر يكمن عند الحدود السورية-اللبنانية فحسب، بل تراها تمتد داخل المدن السورية، حيث كثّفت إجراءاتها الأمنية في مدن كدمشق وريفها، حمص، دير الزور، درعا، طرطوس، الزبداني، القصير، وغيرها، وتشنّ عددا من الحملات الأمنية والمداهمات بشكل أسبوعي ضد خلايا ما زالت متصلة بـ”حزب الله” اللبناني والميليشيات الإيرانية الأخرى، وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت يوم الأحد 19 أبريل/نيسان الجاري أنها تمكنت من إحباط محاولات كانت تهدف إلى زعزعة الاستقرار والإضرار بالأمن العام، موضحة أن هذه المحاولات يقف خلفها عناصر من النظام السابق، وخلايا مرتبطة بـ”حزب الله” اللبناني. الوزارة أشارت إلى أن إحدى هذه المحاولات التي تم إفشالها كانت في محافظة القنيطرة، حيث تم اعتقال خلية مرتبط بـ”حزب الله” اللبناني كانت تخطط لتنفيذ هجمات من المنطقة خارج الحدود، في إشارة واضحة إلى أن الخلية كانت تحاول استهداف الأراضي الإسرائيلية من الداخل السوري، وبحسب وزارة الداخلية فإن من بين الأسلحة التي تمت مصادرتها صواريخ ومنصات إطلاق لها “مُعدّة ومُخبّأة بطريقة احترافية وعلى متن وسيلة نقل مدنية”.
كما تبذل الحكومة السورية جهودا استخباراتية كبيرة لتفكيك شبكات تجنيد الخلايا من قبل “حزب الله” اللبناني والميليشيات الإيرانية التي غادرت سوريا تجاه العراق بعد سقوط نظام الأسد، وعلمت “المجلة” أن عمليات التجنيد هذه تستهدف مقاتلين سابقين في صفوف هذه الميليشيات مقابل رواتب شهرية يمكن أن تصل إلى 300 دولار شهريا.
الحكومة السورية تعزز قوّاتها بشكل ملحوظ على الحدود السورية-اللبنانية خلال الأسابيع الماضية، وتحديدا مع بدء حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في محاولة من دمشق لضبط الحدود ومنع “حزب الله” اللبناني من استغلال الحدود
الحكومة السورية تستنفر قواتها وقدراتها
أكدت عدّة مصادر أمنية سورية على الحدود السورية-اللبنانية خلال حديثها مع “المجلة” أن الجيش السوري أرسل مئات من العناصر إلى المنطقة الحدودية خلال الأسبوعين الماضيين، إضافة إلى إرسال تعزيزات من قوات الداخلية السورية وفرق أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والتهريب، وذلك في محاولة لضبطٍ أكبر للحدود ومنع عمليات التهريب. وبحسب المصادر فإن هذه التعزيزات جاءت بالتزامن مع وجود معلومات بأن “حزب الله” يحاول نقل عناصر سوريين يعملون لصالحه عبر الحدود إلى لبنان، فضلا عن محاولات “حزب الله” نقل السلاح الذي تركه في سوريا- ولم تصله الحكومة السورية بعد- إلى الأراضي اللبنانية عبر مهربين يعتمد عليهم “الحزب” منذ سنوات، أو من خلال استغلال بعض النقاط الحدودية التي تتداخل فيها الحدود مع عائلات سورية-لبنانية تربطها علاقات متينة ببعضها البعض، وتعمل لخدمة “حزب الله” اللبناني.
مسؤول أمني سوري يقول لـ”المجلة” إن الحكومة السورية تُفشل عدّة عمليات تهريب بشكل أسبوعي عبر الحدود السورية-اللبنانية، مضيفا أن إمكانية ضبط الحدود بشكل كامل عمل صعب جدا، ويحتاج إلى قوّات أكبر ومعدات أكثر تطورًا، إضافة إلى وجود قنوات اتصال آمنة وموثوقة مع الجانب اللبناني. ولم يستبعد المسؤول أن تكون هناك عمليات تهريب قد نجحت بالفعل، إلا أنه أكد أن القوات السورية تتعامل بشكل حازم وآني مع أي معلومة تصلها حول عمليات التهريب من قبل الجيش، وجهاز المخابرات السوري، أو الداخلية السورية.
وكانت “المجلة” قد علمت قبل أيام أن “حزب الله” اللبناني ما زال يحاول تهريب أسلحته التي تركت في سوريا- ولم تتم مصادرتها- إلى أراضيه في لبنان لتعويض النقص الذي يواجهه نتيجة الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت مستودعاته خلال الأسابيع الماضية. وبحسب المعلومات فإن من بين هذه الأسلحة التي يحاول “حزب الله” تهريبها صواريخ ورشاشات وألغام فردية، في حين لا يسعى “الحزب” إلى تهريب أسلحة خفيفة وفردية كون أن الخطورة في تهريبها أكبر من الحاجة إليها.
أ.ف.بجندي سوري أثناء فتح مدخل أحد الأنفاق على مشارف دمشق
الحكومة السورية تُفشل عدّة عمليات تهريب بشكل أسبوعي عبر الحدود السورية-اللبنانية
ولا تقتصر عمليات الحكومة السورية على مكافحة التهريب واعتقال الخلايا، بل تعمل أيضا على تكثيف عمليات التحقيق وربط المعلومات ببعضها للتسريع في عمليات توقيف الخلايا التي يمكن أن تقوم بعمليات في الوقت القريب داخل سوريا أو من الداخل السوري تجاه إسرائيل، وبحسب المعلومات فإن الخلية التابعة لـ”حزب الله” اللبناني التي تم توقيفها في دير الزور نهاية شهر مارس/آذار الماضي قادت التحقيقات مع الموقوفين منها إلى تفكيك أكثر من 4 خلايا لاحقا منتشرة في مناطق سورية عدّة، كلها مرتبطة ببعضها البعض وتعمل لخدمة “حزب الله” اللبناني.
وزارة الداخلية السورية نشرت يوم السبت 18 أبريل/نيسان الجاري بيانا قالت فيه إن وحداتها الأمنية نفذّت “عملية أمنية مركبة” تمكنت خلالها من تفكيك “خلية إرهابية” كانت تنشط في “عدة قرى وبلدات”، وأشارت إلى أن هذه الخلية متورطة في أعمال “التفخيخ وإعداد العبوات الناسفة وتجهيز الألغام”، وبحسب تحقيقات الداخلية السورية فإن أفراد الخلية كانوا قد “تلقوا تدريبات تخصصية في مجال التفخيخ وصناعة المتفجرات خارج البلاد على يد خبراء متخصصين”.
أ.ف.بجنود من الجيش السوري يقومون بدوريات على الحدود السورية‑اللبنانية
“حزب الله” يكثّف وجوده بالقرب من الحدود ويجنّد سوريين
على الرغم من تصريحات قادة “حزب الله” اللبناني المتكررة بعدم تدخل “الحزب” في الشأن السوري بعد سقوط النظام، إلا أن نشاطه على الأرض لا يعكس صحّة ما يأتي على لسان قادته، فالحكومة السورية تعلن بشكل متكرر اعتقال خلايا مرتبطة بـ”الحزب” سواء في الداخل السوري أو على الحدود السورية، كما أن عددا من الذين كانوا في صفوف الميليشيات الإيرانية قبل سقوط النظام السوري السابق تم التواصل معهم من قبل قادة مجموعات كانت تتبع للميليشيات الإيرانية و”حزب الله” اللبناني في سوريا، وبحسب ما علمت “المجلة” من مصدرين مختلفين فإن التواصل كان في محاولة لتجنيدهم من جديد.
وفيما يبدو أن “حزب الله” اللبناني يأخذ على محمل الجد الأخبار التي تتحدث عن إمكانية تدخل الجيش السوري في الأراضي اللبنانية لمواجهة وسحب سلاح “حزب الله” اللبناني، حيث قام “الحزب” خلال الأسبوعين الماضيين بإرسال المئات من عناصره إلى مناطق حدودية مع سوريا المقابلة لريف دمشق وحمص، وبحسب معلومات “المجلة” فإن من بين العناصر الذين تم إرسالهم سوريين كانوا في صفوف النظام والميليشيات التابعة لـ”حزب الله” وإيران وفرّوا من سوريا بعد هروب بشار الأسد وسقوط نظامه شهر ديسمبر/كانون الأول عام 2024. ما يعلمه هؤلاء العناصر أن وجودهم بالقرب من الحدود السورية-اللبنانية هو “إجراء احترازي” و”استعداد للمواجهة” في حال قررت الحكومة السورية إجراء أي عملية عسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
الأمين العام لـ”حزب الله” اللبناني، نعيم قاسم، قال في كلمته المصوّرة يوم 13 أبريل/نيسان الجاري إن “أولئك الذين يبثون السم من أجل إيجاد مشكلة، حتى يتدخل الجيش السوري أو أحد من سوريا في مشكلة لبنان، في الوقت الذي تكون إسرائيل فيه في حالة اعتداء على لبنان، هذه جريمة كبرى”. وأضاف: “أنا أعتقد إن شاء الله أن القيادة السورية والشعب السوري يدركون خطر أن أميركا وإسرائيل وهؤلاء الدول يريدون أن يُجروا مشكلة بين سوريا وبين لبنان”، وعدّ قاسم أن “حزب الله” اللبناني “ليس” لديه “مشكلة مع سوريا، ونحن عدونا الوحيد العدو الإسرائيلي الذي يتغطى بالعباءة الأميركية”. إلا أن قاسم لم يُوضح فيما إذا كان إرسال مقاتلين تابعين له إلى مناطق سورية حدودية مع إسرائيل هو أمر طبيعي ولا يدخل في سياق “بثّ السم” لدفع الحكومة السورية لمواجهة “حزب الله” اللبناني بشكل مباشر في سبيل الحفاظ على أمنها.
الحكومة السورية حتى اللحظة تحاول عدم التورط في أي مواجهة مع “حزب الله” اللبناني، وتكثف جهودها لحفظ حدودها وتفكيك خلايا “الحزب” في سوريا التي تحاول توريط سوريا في الحرب مع إسرائيل
الحكومة السورية حتى اللحظة تحاول عدم التورط في أي مواجهة مع “حزب الله” اللبناني، وتكثف جهودها لحفظ حدودها وتفكيك خلايا “الحزب” في سوريا التي تحاول توريط سوريا في الحرب مع إسرائيل، وبحسب معلومات “المجلة” فإن الحكومة السورية قد أكدت أكثر من مرّة لقادة لبنانيين عدم رغبتها في أي مواجهة مباشرة مع “حزب الله” اللبناني، وأن تدخل سوريا في لبنان هو أمر ليس ضمن مخططات دمشق، إلا أن على الحكومة اللبنانية بذل كل جهد ممكن لتأمين حدودها مع سوريا ومنع “حزب الله” من تنفيذ أجنداته وهجماته عبر الحدود السورية. كما أكدّت دمشق لبيروت أنها لن تألُ أي جهد لحماية حدودها وأمنها، وأن دمشق مستعدة لتقديم كل الدعم للجيش اللبناني وحكومته في سبيل تأمين الحدود. ويستبعد كثير من المحللين أن تكون لدى الجيش اللبناني في الوقت الراهن القدرة على ضبط الحدود من طرفه لعدّة أسباب، أبرزها أن الحكومة اللبنانية والجيش مستنفرون لتنفيذ أي اتفاق محتمل مع إسرائيل وضبط أمن الجنوب اللبناني، إضافة إلى أن “حزب الله” اللبناني يبسط سيطرة كبيرة على مناطق حدودية مقابلة لمحافظتي دمشق وحمص، فيما يحتاج الجيش اللبناني إلى وقت وجهد وإمكانيات كبيرة لبسط السيطرة عليها، لتبقى عملية حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وسحب سلاح “حزب الله” اللبناني بمثابة مفتاح لا مفرّ من وجوده لحلّ كثير من العقد في المنطقة على حدّ قولهم.
- المجلة






















