كما سقطت سقوطا مدويا في اختبار الديمقراطية، وفشلت فشلا ذريعا في اختبار التنمية، فإنها بعد محاولات مستميتة للتمسك بمبررات وجودها، تسقط سقوطا مخجلا في اختبار الأمن القومي، الذي كان آخر المبررات التي تتشبث بها الدولة الوطنية العربية الحديثة لتبرير بقائها.
تسونامي يناير 2011 لم ينكسر، لكن القوى التي حاولت كسره واغتياله هي التي سقطت عنها أوراق التوت، التي حاولت بها ستر عوراتها، وهي كثيرة، وبسببها تتعرض المنطقة العربية بأكملها، لأن تصبح لقمة سائغة لسيطرة إقليمية من جانب الدولة، التي كان العداء لها هو شريان حياة الأنظمة التي تولت قيادة الدولة الوطنية العربية الحديثة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أو قل بعد الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى عام 1948.
مستقبل المنطقة، الذي تتم كتابته الآن سطورا وصفحات بين واشنطن وتل أبيب، سوف يفتح بوابات تسونامي سياسي جديد، ينقل إرادة صوغ هذا المستقبل إلى قوى أجنبية، وينهي لفترة مقبلة دور العرب في صوغ مستقبلهم، بسبب فشل الدولة الوطنية في اختبار الأمن القومي الذي هو مبرر بقائها الأخير. هذا الفشل يتجلى في نقص الاعتماد على الذات في إمدادات السلاح، والإفراط في الاستيراد، من باب الرشوة للقوى المصدرة للسلاح، أكثر من العمل على بناء قدرات دفاعية حقيقية، بالإضافة إلى إفراط بعض الدول في طلب الحماية الأجنبية، والفشل في إقامة نظام دفاعي إقليمي، مستند إلى الإرادة المستقلة لشعوب المنطقة. إن مصدر فخر الضابط هو سلاحه، الذي هو أيضا مصدر إرادته، لكن السلاح المستورد الذي يجسد إرادة مسلوبة، يتحول من مصدر فخر إلى مصدر خزي. وعلى الرغم من كل التحديات التي تواجهها، والإخفاقات التي وجدت نفسها فيها، فإن المؤسسة العسكرية في بعض البلدان العربية، ما تزال تحاول الدفاع عن دورها في تشكيل الهوية الوطنية، لكن آفتها تتمثل في الاعتقاد بأن قوة الدولة تتغذى على ضعف المجتمع. دولة كاسحة ومجتمع كسيح، تلك هي المعادلة التي قام على أساسها بناء الدولة الوطنية العربية الحديثة، التي لم تفهم قياداتها درس سقوط أنظمتها في حرب 1967، وهي الحرب التي تعرض فيها جمال عبد الناصر للخذلان بواسطة جيشه، الذي كان يمثل عماد سلطته وأحد أهم مبررات وجود نظامه. لم تفهم قيادات الأنظمة أن الانقضاض على المجتمع هو أول معاول هدم تلك الدولة ونفي وجودها. وفي نهاية الأمر فقد أدى ضعف المجتمعات العربية إلى عجزها عن حماية الدولة، وعن تخصيب دورة التجديد السياسي، وهو ما تسبب في الركود وانهيار الكفاءة، وجعل الدولة والمجتمع معا في حالة شلل يحول دون نجاح أي منهما في اختبار الديمقراطية، أو التنمية، أو تحقيق العدالة والمحافظة على الكرامة الوطنية.
تثبت تجارب الدول العربية في مجالات الدفاع الإقليمي أن الخلافات بين الحكام تطغى على المصالح بين الشعوب
من أين يأتي التهديد؟
وتعتبر المؤسسة العسكرية المصرية حاليا مع الفلسطينيين، آخر من يتشبث بمبدأ تشكيل هوية المنطقة، على أساس أن محرك تطورها هو حل القضية الفلسطينية، حلا عادلا وتاريخيا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للبقاء على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 تكون عاصمتها القدس، وإعادة الجولان المحتلة إلى سوريا، وتوفير كل ضمانات الأمان لاستمرار الأردن دولة فاعلة في توازنات المنطقة. هذه الرؤية للصراع، ومحركات التطور الإقليمي عبّر عنها رئيس مصر الحالي في مناسبات متفرقة في السنوات الأخيرة، سواء في كلمته بمناسبة احتفال المملكة الأردنية الهاشمية بالذكرى المئوية لقيامها منذ أيام، أو في كلمته أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2018، أو في كلمته أمام مؤتمر «القمة العربية – الإسلامية – الأمريكية» في الرياض في مايو 2017، أو في كلمته أمام القمة العربية في شرم الشيخ في مارس 2015، وهي القمة التي كانت قد شهدت محاولة إعادة بعث نظام عربي للدفاع والتعاون الإقليمي في المنطقة، يبدأ بتشكيل قوة عربية مشتركة، تكون مهمتها التدخل السريع لمواجهة التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي العربي، لكنها محاولة سرعان ما تبخرت وذهبت مع الريح. وقد كان مؤتمر ميونيخ للأمن في السنوات الأخيرة ساحة اختبار لاستراتيجيتين للأمن القومي في الشرق الأوسط، واحدة تتزعمها مصر تؤكد أن «عدم تسوية القضية الفلسطينية بصورة عادلة ونهائية يمثل المصدر الرئيسي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط»، كما جاء في نص كلمة عبد الفتاح السيسي أمام المؤتمر في فبراير 2018. والثانية تتزعمها إسرائيل، تعتبر أن مصدر التهديد، ومحرك الصراع الرئيسي في الشرق الأوسط هو إيران. نتنياهو في كلمته أمام المؤتمر نفسه قال في كلمته إن «إيران تمثل التهديد الرئيسي ليس لإسرائيل فقط، ولكن للعالمين العربي والإسلامي». وقد سبقه في ذلك أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي، في كلمته أمام المؤتمر في فبراير 2017 عندما ذكر «أنه لأول مرة منذ عام 1948 يدرك العالم العربي المعتدل، العالم السني، أن التهديد الأكبر الذي يواجهه ليس إسرائيل ولا اليهود ولا الصهيونية، ولكنْ إيران ووكلاؤها في المنطقة».
المحور الإسرائيلي
ومنذ خريف العام الماضي لم تعد تلك الرؤية التي تتبناها إسرائيل تقتصر عليها وحدها، بل إنها أصبحت رؤية مشتركة تجمعها مع دول خليجية. وقد كشف نتنياهو النقاب عن وجود اتصالات بين إسرائيل ودوائر الحكم في دول خليجية منذ سنوات، خصوصا بعد خطابه الذي ألقاه في الكونغرس الأمريكي في عام 2015 والذي حرّض فيه على رفض الاتفاق النووي مع إيران. وبعد توقيع اتفاقيات التطبيع مع الإمارات والبحرين في العام الماضي فإن إسرائيل لا تدخر جهدا في تطوير علاقاتها مع دول خليجية على أساس العداء لإيران.
المحور العروبي
هذا السعي من جانب إسرائيل لبناء تحالف عسكري معاد لإيران، يستفز حالة سياسية جديدة في المنطقة العربية، تجعلها تمرّ الآن بمخاض لولادة تحالف إقليمي عروبي يضم كلا من مصر والأردن والعراق، في محاولة لحماية استمرار الدولة العربية الوطنية الحديثة. هذا المخاض ربما ينجح في تقديم مولود جديد، كما أنه قد يفشل، أو قد يتم احتواؤه كما حدث في مناسبات تاريخية سابقة، ضمت تلك الأطراف الثلاثة كان آخرها تشكيل ما سمي بـ»مجلس التعاون العربي» في 16 فبراير 1989، وهو المجلس الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في العام التالي. في الشهر الماضي كان من المقرر أن تنعقد قمة لقادة الدول الثلاث في بغداد، لإعلان الخطوة الأولى على الطريق إلى بناء تحالف جديد، لكن القمة لم تنعقد لظروف مختلفة. وعقب ذلك بدأ هجوم دبلوماسي واقتصادي يستهدف اصطياد العراق، شاركت فيه الولايات المتحدة ودول خليجية. كما جرت محاولة فاشلة لزعزعة نظام الحكم في الأردن بمشاركة إسرائيل وأطراف خليجية وأردنية، مع استمرار عجز مصر عن حل مشاكلها مع إثيوبيا بخصوص سد النهضة. ويشمل الطموح المصري أن يضم المحور الإقليمي الجديد ثلاث دول أخرى، هي السودان وليبيا وتونس، حيث ما يزال كل منها يشهد صراعا على الحكم، في ظل ظاهرة «ازدواجية السلطة» في كل منها: العسكريون والمدنيون في السودان، حفتر والسراج في ليبيا، والإخوان والأحزاب المدنية في تونس. ويفسر هذا الطموح وقوف مصر وراء حفتر، وتنسيقها مع المجلس العسكري السوداني، والزيارة الأخيرة لرئيس تونس إلى مصر بدعوة من رئيسها. وإلى جانب المحورين الإسرائيلي والعروبي، يوجد المحور الإيراني الذي يضم حكومات ومنظمات غير حكومية سياسية وعسكرية، على التوازي مع وجود محاولات من جانب تركيا لبناء محور تركي من خلال التنسيق مع قطر وقوى سياسية ومنظمات شبه عسكرية في سوريا وليبيا وفلسطين والصومال وجيبوتي.
عدم الاستقرار
وتثبت تجارب الدول العربية في مجالات الدفاع الإقليمي أن الخلافات بين الحكام تطغى على المصالح بين الشعوب. حتى في داخل مجلس التعاون الخليجي الذي قام عام 1981 بعد عامين من وصول الخميني إلى الحكم، تحول بعد سنوات قليلة إلى مسرح للخلافات السياسية بين الحكام، مثلما حدث في الخلاف الأخير مع قطر. ولم تنجح الدول العربية عموما في إقامة نظام شامل للدفاع الإقليمي منذ اتفاقية الدفاع العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية، حتى مشروع إنشاء قوة عربية مشتركة في مؤتمر القمة العربية في شرم الشيخ عام 2015. كل المشروعات التي جرى الحديث عنها تبخرت وذهبت أدراج الرياح. هذا الفشل يخلق فراغا استراتيجيا تتسابق على ملئه قوى أخرى غير عربية من داخل المنطقة ومن خارجها، وهو ما يجعل الدولة الوطنية مجرد ستار تلعب من ورائه قوى أخرى خفية، ويفتح الباب لاستمرار القلاقل وعدم الاستقرار في المنطقة.


























