غزة ـ ميسرة شعبان
المستقبل –
لا يزال نحو خمسة آلاف أسرة فلسطينية بقطاع غزة متشتتة بعد أن فقدت مساكنها عقب الحرب التي شنها الاحتلال على غزة أواخر العام الماضي، ويحتاج قطاع غزة إلى نحو 20 ألف وحدة سكنية لإيواء مشردي الحرب، إضافة إلى المباني والمؤسسات الحكومية والأهلية التي دمرت. وقدم في هذا السياق حل تمثل ببناء المنازل من الطين تدافع عنه حكومة "حماس" في القطاع، فيما يتساءل الناس عن مدى ملاءمته للحياة العملية.
ولم يمانع المواطن أبو خليل خضر بناء بيوت تضم أسرته، وتنقذه من خطر التشتت والحرمان، لكنه تساءل حول فكرة بيوت الطين ومدى ملاءمتها للحياة العملية، مشيراً إلى أن أسرته كبيرة وممتدة، وما اذا كان بإمكان البيوت الطينية أن تستوعبها وتوفر لها الحياة الكريمة من ماء وكهرباء، ومطبخ وحمام وغير ذلك، أم أن الأمر يقف عند حد الإيواء فقط؟
وأشار خضر إلى أن هذه البيوت في مفهوم الجميع تعني العودة إلى العصور الوسطى والبناء الأفقي لا العمودي، ما يعني مساحات واسعة من الأراضي، الأمر الذي لا يتلاءم مع قطاع غزة الضيق مساحة، فيما عدد افراد الأسر كبير.
كما تساءل: "هل بإمكان هذه البيوت أن تحتمل الظروف الجوية والبيئية وحالة الحرب اليومية التي تعيشها غزة من تحليق للطيران الإسرائيلي وتفجير للبيوت أم أنها ستتهاوى هي الأخرى عند أقل تفجير؟".
وتشعر الفتاة سهام سويلم بالغرابة إزاء الحديث الجاد حول بناء بيوت من الطين الأحمر لأصحاب البيوت التي دمرها الاحتلال خلال الحرب على غزة، مشيرة إلى أن الفكرة لم تقنع بعد الأسر المشتتة. وتساءلت: "هل يمكن العيش في هذا النمط من البيوت أم أن الأمر فقط مجرد فكرة لإنقاذ الأسر المدمرة منازلها من التشتت ولم شملها؟".
سويلم (23 عاما) التي فقدت أسرتها بيتها الكبير في بيت حانون بعدما دمره الاحتلال وجعله أثرا بعد عين، تعيش مع أسرتها في بيت متواضع استأجره والدها في منطقة أبو اسكندر شمال مدينة غزة، وسط ظروف لا يتوفر فيها الحد الأدنى للمعيشة، وتنتظر مع أسرتها حلولا عملية لإعادة لم شمل الأسرة التي لا يكفي البيت المستأجر لأفرادها الثمانية.
وتدرك سويلم حجم الإعاقات التي تواجه تطبيق مشروع الإعمار، إلا أنها لا تتخيل فكرة بناء البيوت الطينية ومدى صلاحيتها للحياة وسط الظروف الحالية، مؤكدة أن "الفكرة لا تزال أشبه بخيال، لا يمكن الإيمان به قبل المشاهدة العينية والاقتناع الحقيقي بها كبديل مناسب للحياة".
ويعيش المواطن جهاد الشاعر وأسرته في منطقة "مصبح" شرق محافظة رفح جنوب القطاع في بيت من الطين وسط ظروف معيشية جيدة.
ويشير الشاعر إلى أنه شرع بتنفيذ الفكرة بعد أن فقد الأمل في إعادة فتح المعابر ودخول مواد البناء، مؤكدا أن الحياة في البيوت الطينية ممكنة وليست مستحيلة.
ويقول نائب رئيس الوزراء في الحكومة المقالة المهندس زياد الظاظا، ووزير الاقتصاد الوطني في حكومة غزة، إن اشتداد الحصار ومنع دخول المواد الأولية الخام لصناعة البناء والتشييد من أهم الدوافع التي دفعت الحكومة المقالة للتفكير بشكل جدي بإعادة صياغة منظومة إعادة الإعمار في القطاع.
وأشار إلى أن المواد المستخدمة في البناء هي الطين والمواد الداخلة معه كقوة تماسك وإعطاء مزيد من التحمل و"الكركار" والرمل، إضافة إلى الاستفادة من أنقاض المنازل المدمرة.
وأكد الظاظا، أن حكومته عملت التصميم والتحليل الإنشائي لهذه المنشآت وكيفية تنفيذها على الأرض وإمكانية التوسع بها من مبانٍ سكنية إلى بناء المؤسسات والمدارس والعيادات والمباني السياحية، مشددا على أهمية الاستفادة من هذا الإبداع الإنساني مع توظيف المعاصرة والتكنولوجيا الحديثة في إعادة صياغة هذه المنظومة.
وحول عدد المنشآت المنوي بناؤها، أوضح الظاظا أن حكومته "ستبدأ بالنموذج الأول، وهو عبارة عن مبنى من ثلاث طبقات، كل طبقة نحو 250 مترا مربعا، لتكون نموذجا لجميع المواطنين، وأي مواطن لديه بيت دمره الاحتلال ويريد أن يعيد بناؤه بهذه الطريقة يمكن أن تقوم أية مؤسسة دولية أو محلية أو حكومية بإعادة إعماره وفق النموذج".
وأشار إلى أن "أي مواطن يريد أن يشيد له بيتا يستطيع أن يقوم بهذا العمل مباشرة، وسيكون الأمر مفتوحا لجميع المكاتب الهندسية والاستشارية والمقاولين والعمال وجميع المؤسسات الأهلية والدولية والمحلية، لأن الحكومة تريد أن تضع للناس نموذجا فقط".
وبين أن جميع المكونات متوفرة للهيكل الإنشائي وللعمليات المهمة في التشطيب. وأكد أنها ستكون في وضع أفضل بكثير من أعمال الخرسانة العادية والمسلحة لمواجهة تغيرات المناخ.
وشدد الظاظا على "ضرورة أخذ الكثير من الأمور بالحسبان، منها البدء بصناعة الحجر مع مراعاة المعاصرة والأمور الفنية الهندسية"، لافتا إلى أنه تم أخذ عينات من سبع مناطق في قطاع غزة وعرضها على مختبرات الجامعة الإسلامية ليتم فحصها، وسيتم عرض النتائج الموثقة في غضون يومين أو أقل.
وأوضح أن هناك أكثر من نوع من الطين، مشيرا إلى أنهم سيستخدمونها جميعها.
وعرف الإنسان مادة الطين واستخدمها منذ القدم، وأضحت اليوم من أهم مواد البناء الأساسية وصلب الصناعات الحديثة.




















