تجتاح محافظة السويداء جنوب سوريا لليوم السادس على التوالي، موجة من الاحتجاجات الغاضبة، شارك فيها منتمون إلى طبقات مختلفة من المجتمع تضم المثقفين، ونشطاء المجتمع المدني، وعناصر غير مسلّحة من الفصائل المحليّة، وذلك في مناطق متفرقة من محافظة، تعبيراً عن سخطهم على النظام السوري الذي رفع الدعم الحكومي عن مئات آلاف العوائل، وسط تردي الأوضاع المعيشية، وإفساحه المجال لقوى حلفائه ومحاولاتهم إضعاف المدينة والسيطرة عليها، فضلاً عن غضب الأهالي من الرقابة الأمنية وإشعال فتيل الفتنة بين أبناء السويداء وجيرانهم في درعا، ما دفع الأهالي إلى رفع شعارات تندد بممارسات النظام التي أدت إلى إفقار السكان، كما رددوا شعارات مناوئة له، وطالبو بحرية سوريا واستقلالها.
مطالب «معيشية»
وقال المتحدث باسم شبكة أخبار السويداء ريان معروف، في اتصال مع «القدس العربي» إن احتجاجات السويداء تجددت، الثلاثاء، وامتدت إلى ثماني نقاط في المحافظة، تنديداً بتدهور الأوضاع المعيشية، حيث حمّل المحتجون «السلطة» المسؤولية الكاملة عما وصلت اليه أحوالهم.
استمرار الحراك ضد النظام لليوم السادس على التوالي
وبدأت الاحتجاجات بإغلاق الطرق الرئيسية والفرعية في المنطقة، منها طريق دمشق – السويداء، مضيفًا أن «العشرات من مدنيين ورجال دين، ومعارضين، وأفراد عزل من جماعات محلية مسلحة، تجمعوا في ساحة السير، مركز مدينة السويداء، حيث أخذ الحراك منحى تصاعدياً، لا سيما بعدما تجمع محتجون أمام دار الطائفة، قبل أن ينتقلوا إلى الساحة، رافعين شعارات تطالب بالعدالة في توزيع الثروة الوطنية، ومحاسبة الفاسدين.
بعض المحتجين طالبوا بتطبيق قرار مجلس الأمن الذي ينص على «انتقال سلمي للسلطة في سوريا» مشيراً إلى أن الأهالي «رفضوا مغادرة موظفي مجلس المدينة، وطلبوا من التجار إغلاق محالهم» وفي الريف الشمالي للمحافظة «أغلق المحتجون الطريق مع دمشق جزئياً، مع استثناء الطلاب والحالات الإسعافية والسماح لهم بالمرور.
ما وراء الاحتجاجات؟
وفي نمرة شمال شرقي السويداء تجددت الاحتجاجات أيضاً، واعتصم أهالي البلدة على الطريق المؤدية لمدينة شهبا، منددين بالسياسات الفاشلة للحكومة التي أدت لتدهور حاد في الأوضاع المعيشية»، كما شهدت بلدة شّقا شمال شرقي السويداء، قطع الطرق الرئيسية بالإطارات المشتعلة، كذلك في مجادل بالريف الغربي، وفي قيصما بالريف الشرقي، وبلدة عريقة، كما بات الحراك في قرية نمرة، شمال شرقي السويداء، أكثر وضوحاً وتنظيماً وفق وصف المتحدث، حيث أغلق الأهالي طريق نمرة-شهبا جزئياً، حتى الساعة الواحدة، وشارك في الوقفة وجهاء القرية وبعض شيوخها، لمؤازرة المحتجين في مطالبهم الواضحة وعلى رأسها تحسين الظروف المعيشية، إقالة الحكومة، ورفد ميزانية الدولة من أموال أثرياء الحرب ومسؤولي السلطة، لا من جيوب الفقراء.
وبيّن معروف أن الاحتجاج انفض بشكل سلمي، وسط دعوات المشاركين إلى جعل الاحتجاجات يومية، حتى تستجيب الحكومة لمطالبهم. وقال المتحدث لـ«القدس العربي» إن «المحافظ، وبعض ضباط الأجهزة الأمنية، تواصلوا مع شخصيات اجتماعية، ودينية، في محاولة لاحتواء الاحتجاجات. في حين لا تزال أطياف المعارضة، وتيارات المجتمع المدني، متحفظة على شكل الحراك، وطُرقه في التـعبير».
ويقف وراء الاحتجاجات مجموعة من العوامل تحدث عنها الباحث لدى المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد حوراني، حيث قال إن أهم الأسباب هي «وصول الحالة المعيشية إلى حد لا يمكن للمواطن تحمله في ظل التضخم وغلاء الأسعار، وإفساح المجال من قبل النظام لقوى حلفائه (ايران وروسيا) ومحاولاتهما عبر أساليبهم المتعددة إضعاف المدينة والسيطرة عليه».
كما اعتبر الحوراني لـ «القدس العربي» أن حالة الغضب والضجر التي تعتري المحافظة، نتيجة الأساليب الأمنية التي يتبعها النظام من خلال زرع الفتنة بين أبناء السويداء وضربهم ببعضهم البعض تارة، أو الفتنة بينهم وبين أهالي درعا تارة أخرى، هي من أهم أسباب التوتر.
ولفت الخبير السوري إلى التعزيزات العسكرية التي دفع بها النظام السوري إلى المدينة مع بدء الحراك مؤخراً معتبراً أن النظام السوري «جهّز نفسه لذلك، وأوصل المدينة لهذا الحد من أجل أن يبرر السيطرة عليها عسكرياً، لاسيما مع فشله في إيقاف مصادر التمويل المستقلة لبعض الفصائل القادمة من دروز فلسطين ولبنان».
وحول النتائج المتوقعة، أبدى الباحث لدى المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام رشيد حوراني، اعتقاده بأن المنطقة قد تعود للتهدئة بعد تقديم بعض الخدمات ولو بشكل مؤقت وامتصاص غضب الشارع، أو تقديم الوعود للأهالي بفتح معبر بين السويداء والأردن، حيث لوح بهذا الأمر خلال لقاءات سابقة بين وجهاء السويداء والروس، لاسيما أنه مطلب الأهالي منذ زمن بعيد.
وانطلقت الاحتجاجات في محافظة السويداء، منذ مطلع فبراير /شباط/ 2022، تعبيراً عن الغضب والسخط على النظام السوري الذي رفع الدعم الحكومي عن آلاف العائلات، حتى بات لزاماً على مَن شملهم القرارُ الحصولُ على الموادّ الغذائية والتموينية بسعر السوق.
وفسّر مركز جسور للدراسات الاستراتيجية، في دراسة حديثة له، حول احتجاجات السويداء، تعدُّد الشعارات بين التنديد بممارسات النظام التي أدت إلى إفقار السكّان وبين المطالبة بحرية واستقلال سوريا، إلى انضمام جميع المتضرّرين من قرار رفع الدعم الحكومي ومن تردِّي الأوضاع المعيشية، إلى هذه الموجة الغاضبة، بمن فيهم المثقفون، ونشطاء المجتمع المدني، وعناصر غير مسلّحة من الفصائل المحليّة، وهو ما تجسَّد بشعار «لا شرقيَّة ولا غربيَّة، نريد سوريا دون تَبَعِيَّة».
وحدد مركز جسور جملة من الأسباب غير المباشرة التي ساهمت سابقاً -وما تزال- في استمرار الاحتجاجات الشعبية في السويداء، أهمها تردِّي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتراجُع مستوى الخدمات التي يُقدِّمها النظام، الذي ما يزال يتمسّك بأولوية فَرْض الأمن على حساب تقديم الخدمات وتحسين الظروف الاقتصادية. واستمرار ضغوط روسيا والنظام لفَرْض التجنيد الإجباريّ على أبناء المحافظة؛ الذين يمتنع الآلاف منهم عن الالتحاق بقوات النظام؛ خوفاً من الزجّ بهم في مواجهة مع باقي مكوّنات الشعب. آخِر تلك الضغوط محاولة تشكيل قوة عسكرية كبيرة من أبناء المحافظة المتخلِّفين عن الخدمة الإلزامية بقيادة نجل العميد «عصام زهر الدين» الذي قُتل في دير الزور سابقاً، رغم أنّ نطاق نشاطها الجنوب السوري فقط، ورفض محاولات روسيا وإيران المستمرة لتوسيع نفوذهما وحضورهما في السويداء.
واعتبرت الدراسة أنّ استمرار أو توقُّف هذه الموجة يبدو مرتبطاً بعدد من العوامل على رأسها، استخدام الحلّ الأمني، على غرار موجة الاحتجاجات التي شهدتها السويداء منتصف عام 2020، حيث أدّت حملات الاعتقال والاحتجاز للمتظاهرين مع تقديم الوُعود بالاستجابة للمطالب لإنهائها. كان من المُلاحَظ حينها عدم استخدام الأسلحة من قوات الأمن. لذلك، في حال تم اللجوء إليها خلال الموجة الجديدة فإنّ احتمال التصعيد من قِبل المحتجين لا يبدو مُستبعَداً.
ثانياً، موقف الفصائل المحلية، والمَرْجعِيّات الدينية، والوُجهاء؛ حيث لا يوجد أي تأييد منهم للاحتجاجات باستثناء قوات «الفهد»؛ بل غالباً ما يُفضِّلون التهدئة على الانزلاق إلى التصعيد. ومن غير المُستبعَد أن تؤدي روسيا دوراً في هذا الصدد عَبْر قناة الاتصال التي تربطها مع قائد حركة «رجال الكرامة» يحيى الحجار.
“القدس العربي”


























