المستقبل –
أثار النشاط السياسي التركي على الصعد الدولية والإقليمية، مخاوف عدة لدى الدوائر الإقليمية العربية من أن تتحول تركيا إلى وجهة إقليمية، يتم من خلالها اختصار العلاقات مع المنطقة على العنوان التركي، الناهض بقوة في مجالي السياسة الخارجية والاقتصاد، والقادم حديثاً على منطقة الشرق، في خطوة لا يعرف مداها ولا محتواها.
وكانت السياسة الخارجية التركية النشطة قد أثارت في الفترة الأخيرة مخاوف كثيرة من أن تكون تركيا في ظل توجهاتها الجديدة بقيادة حزب العدالة والتنمية، تستبطن مشروعاً للسيطرة على المنطقة، أو أن يكون لديها توجهات أيديولوجية معينة تسعى إلى فرضها.
في الواقع يثبت تحليل توجهات السياسة الخارجية التركية، أن تركيا وفي ظل المتغيرات التي حصلت على المستوى الدولي، قامت بعملية تموضع جديدة، وإعادة تعريف لدورها، يتناسب مع الواقع الدولي، وانسجاماً مع مزاج الشارع التركي الذي شهد انزياحاً شديداً صوب مشرقيته وتراثه، لأسباب يصعب ذكرها في هذا المقال.
وقد جاء هذا التحول، الهادئ دائماً والعاصف في أحايين معينة، في ظل تواضع النخب التركية واعتماد استراتيجية علاقاتية مختلفة عما عرفته تركيا في عقود طويلة، والتي قامت على الانسلاخ من المحيطين العربي والإسلامي، لصالح التركيز على العلاقات مع الغرب، واعتماد منطق التكيف الآيل إلى الاندماج في كل القضايا والتوجهات السياسية والمجتمعية والاقتصادية.
لكن النخب التركية، ستكتشف بعد أحداث 11 أيلول، أن التركيز المكثف على هذا التوجه لم يكن سوى مراهقة فكرية، وإرهاق ثقافي واجتماعي، يحمل في مضامينه شبهة الاستتباع، ويستنزف مقدرات الدولة والمجتمع التركيين، كما أنه في الأهم من كل ذلك، يجعل تركيا تهدر الكثير من مزاياها الجيوبولوتيكية والثقافية، وتفرط بخصوصيتها، في زمن باتت فيه الخصوصية معبراً للعالمية وليس العكس على ما تدعيه أدبيات العولمة.
صحيح أن تركيا كانت قد حققت قفزات مهمة على الصعد الاقتصادية والتنموية، جعلتها تقترب من مراتب الدول المتطورة والحديثة، لكن ذلك تحقق بدرجة أولى بسبب الإصلاحات المهمة التي قامت بها النخب، والإمكانات الكبيرة التي تمتلكها الجغرافية التركية، فضلاً عن حيوية الشعب التركي نفسه.
من الواضح إذن، أن سياسة إعادة التموضع التركية، جاءت نتيجة تحولات عميقة داخلية وخارجية، كما أنه من الواضح أن هذه الاستراتيجية تهدف بدرجة كبيرة الى إثراء البعد التركي، وتثقيل مكانته، والاستفادة العظمى من المزايا التركية الجيوبولوتيكية والاجتماعية والثقافية، وهذا في منطق السياسة حق مشروع لأي دولة، طالما لا يهدد ولا يمس مصالح الآخرين.
لكن يبقى السؤال، كيف يستطيع العرب توظيف هذا المتغير الجديد في السياسة الخارجية التركية، أو قل في الاستراتيجية التركية عموماً، بما يفيد قضاياهم ومصالحهم؟
لا شك أن تركيا بكل الأحوال تبقى إضافة مهمة للمنطقة، وبعيداً عن كل الاعتبارات، فهي دولة لها أثرها العالمي المهم، وذلك نابع بدرجة كبيرة من قيمتها الاستراتيجية وثرائها البشري، وهي بحكم علاقاتها الطويلة مع الغرب باتت تمتلك قاعدة فكرية ثرية للحوار معه والتأثير فيه، فمن خلال علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا، والعسكرية مع الولايات المتحدة الأميركية، أصبحت قادرة على الوصول السهل لمراكز الثقل في هذين المركزين المؤثرين عالمياً، كما أن علاقاتها المتشعبة مع إسرائيل، برغم التوتر الذي يعتريها أحياناً، تسمح لها بأحداث اختراقات مهمة في عملية صنع القرار الإسرائيلي.
تركيا إضافة مهمة للمنطقة، بمعنى أن الرؤية الاستراتيجية للمنطقة، وتركيا في إطارها، تبدو مختلفة وهي خارجة، فهي إضافة استراتيجية مهمة للمنطقة، تضاف إلى مزايا المنطقة الاقتصادية، المتمثلة في النفط والأسواق، كما أنها إضافة إسلامية مهمة إذ من خلالها يصبح للإسلام في الفهم الغربي بعد آخر غير البعد الذي رسخته الأصولية العربية، هذه الإضافة يتوجب العمل على تعزيزها عبر ترسيخ المصالح التركية في المنطقة، والعكس زيادة الارتباط التركي ـ العربي، والخروج من حالة الخوف على الخصوصية القومية، التي لم نستطع الإفادة منها حتى هذه اللحظة، فهل يرتفع الإدراك الاستراتيجي العربي إلى هذه المرتبة، أم يضيع فرصة التحول التركي.




















