العالم يتبدّل، ومطلوب من واشنطن أن تقدم إجاباتها حيال هذا التبدّل، ما أظهرته الإدارة الأميركية الحالية هو إرادتها الواضحة في إقامة نمط جديد من الحوار مع الحلفاء، ومع الخصوم المعلنين أو المحتملين، على حد سواء.
وفيما يتعلق بالتوجهات الأميركية المستقبلية فإنها ستتأثر بعدد من السيناريوهيات، أولها إمكانية بروز استقطاب ثنائي دولي جديد تجد نفسها فيه بمنافسة مع أوروبا «الموحّدة» أو مع الصين الصاعدة، أو ربما بروز ثلاثة أقطاب. ويقول السيناريو الثاني بتأزم النموذج الأميركي وفقدان أميركا لمصداقيتها في العالم أكثر فأكثر لاعتبارات سياسية واقتصادية وثقافية وإفلاس النموذج الليبرالي. ويمثل «الخصوم الضعفاء» أحد مصادر التهديد التي تواجهه الولايات المتحدة الأميركية بسبب صعوبة تحديد أماكن وجودهم ومواقعهم، وهذا هو السيناريو الثالث. أما السيناريو الرابع فقد يكون عبر مواجهة واشنطن لأزمة عالمية كبرى أو لضربة يتم توجيهها لأراضيها أو لممثلياتها أو لمصالحها الحيوية في العالم. المسرحان المحتملان لهذه الأزمة هما الشرق الأوسط وشرق آسيا، وسيناريو خامس هو أن تبقى أميركا القوة المسيطرة في العالم.
بالتوازي مع الطريقة التي تجعل الولايات المتحدة تحدد موقعها كقوة فاعلة في العلاقات الدولية، فإن التوجهات المستقبلية للسياسة الخارجية الأميركية سوف تتأثر بقوة في تطورات شركائها وحلفائها في العالم، ولكن أيضا في التطورات التي سيعرفها خصومها المعلنين أو الكامنين. فكيف يمكن للولايات المتحدة أن تتصرّف في مواجهة محيط دولي من صفاته الأولى أنه متبدل؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه مؤلف الكتاب، ليؤكد مباشرة أن المقصود بذلك هو نمط الإجابة التي قد تقدمها واشنطن حيال التحول الكبير الذي يعرفه المشهد العالمي. ويحدد المؤلف أيضا في هذا السياق خمسة «سيناريوهات» يرى أنها قد تؤثر على خيارات الإدارات الأميركية.
إن مثل هذه المسألة تبدو حاسمة إلى حد كبير لاسيما أن الإدارة الحالية قد أظهرت، على لسان باراك اوباما نفسه، إرادتها في تغيير طريقة الحوار مع الحلفاء، ولكن أيضا مع الخصوم المحتملين للولايات المتحدة الأميركية. السيناريو الأول هو بروز استقطاب ثنائي دولي جديد. فإذا توصلت قوة عالمية ما إلى أن تفرض نفسها على نفس مستوى الولايات المتحدة ماذا سيكون موقف واشنطن؟ القوة المحتملة، كما يتردد، تتمثل في أوروبا الموحّدة التي قد تستطيع التوصل للقاء حول برنامج سياسي، أو الصين. وسؤال آخر مهم على خلفية مثل هذه الفرضية، وهو: إذا تفوق قطب آخر على القوة الأميركية فهل سيكون ذلك بمثابة تطور إيجابي على صعيد العلاقات الدولية أو على العكس سيكون بمثابة خطر؟
الخطر الحقيقي
وينقل المؤلف عن المفكر السياسي الأميركي برنار براون قوله: «الخطر الحقيقي لن يكون برؤية العم سام يعتبر نفسه مبشّرا، ولكن في رؤية مبشّر آخر غيره». لكن رغم هذا فإن النقاش يدور باستمرار حول «أولوية» القوة الأميركية لا يزال راهنا وعمّا إذا كانت هناك قوة أخرى قادرة على لعب مثل هذا الدور. هناك عدة فرضيات حول هذا الموضوع.
الفرضية الأولى تخص إمكانية أن تغدو أوروبا قوة منافسة للولايات المتحدة. هذا يفترض التباعد بين القيم الأوروبية والأميركية. الاحتمال الأكبر، كما جاء في التحليلات المقدّمة، هو استمرار التقارب بين أهداف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لأسباب تقارب القيم تحديدا.
هذا على رغم الخلافات التي برزت خلال السنوات الأخيرة بين وجهات النظر على جانبي الأطلسي. ثم هناك خلاف بين النموذجين، الأوروبي والأميركي، حول سبل تحقيق الأهداف، وخلاف فيما بينهما أيضا حول معالجة المسائل الاجتماعية.
الفرضية الثانية تتمثل في أن تبرز الصين كقوة منافسة للولايات المتحدة الأميركية. لكن هل هذا يعني دخول النموذجين، الأميركي والصيني، في مواجهة؟ وإذا كانت هناك مواجهة فهل هذا يعني الدخول في فترة حرب باردة جديدة مع ما يترتب على ذلك من سباق للتسلح ومن استراتيجيات لمد النفوذ في منظور انتصار أحد النموذجين على الآخر؟ الإجابة التي يقدمها المؤلف هي باختصار: ليس بالضرورة أن يحدث ذلك.
وعلى الرغم من «الوسواس الصيني» لدى واشنطن، فإن التوجهات الحالية للصين تدل بالأحرى على أن هناك ميلا لمنافسة الولايات المتحدة على الصعيد الاقتصادي حصريا. ودون البحث عن البروز سريعا كقوة عسكرية من الطراز الأول.
ومثل هذه الظروف من المفترض أن تتوجه واشنطن نحو اعتبار الصين كشريك وليس كخصم من أجل تجنّب أية مواجهة. مثل هذا الرأي كان ردده هنري كيسنجر وزير خارجية أميركا الأسبق وأحد مستشاري الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة لجون ماكين.
مع ذلك تبقى هناك شكوك تحول حول تحالف صيني-روسي. وتتم الإشارة هنا إلى أن الصين كانت، للمفارقة، هي الغائب الأكبر عن النقاشات حول السياسة الخارجية بين باراك اوباما وجون ماكين، على الرغم من الأهمية المتزايدة التي توليها الدوائر الاستراتيجية الأميركية للصين.
على العكس جرى كثيرا ذكر روسيا كحظر محتمل حيث أبدى المعسكران، الديمقراطي والجمهوري، مواقف حازمة خاصة أثناء اندلاع الأزمة الجيورجية في شهر أغسطس-آب من عام 2008.
الفرضية الثالثة تتمثل في تمفصل العلاقات الدولية حول ثلاثة أقطاب قوية. في مثل هذه الحالة، من المفترض أن تجهد الولايات المتحدة الأميركية، بغية تجنب تهميشها، للمحافظة على نموذجها وممارسة دور «القوة الهادئة» التي لا تسعى إلى أية مواجهة. ثم قد يكون من المرغوب بالنسبة لواشنطن البحث عن التأقلم مع الصين الصاعدة مما هو البحث عن كبح بروز أقطاب قوة جديدة.
والسيناريو الثاني هو تأزّم النموذج الأميركي. ويتم التذكير هنا بأن أميركا لا تزال تجسد بعيون قسم كبير من العالم قيم الحرية والديمقراطية والليبرالية التي قام عليها تاريخها بمجمله، والتي لا تزال في واقع الأمر مصدر اعتزازها وفخرها حتى الآن.
ويجد المؤلف في انتخاب باراك اوباما المثال الصارخ على هذه الحقيقة. ولا تزال واشنطن تجذب، بل تسمر، عددا كبيرا من البشر، خاصة في المناطق التي عرفت فضاء الديمقراطية منذ عهد قريب، كبلدان الوسطى والشرقية، الشيوعية سابقا. ثم إن الشعبية الكبيرة التي يحظى بها باراك اوباما في العالم هي أيضا دليل صارخ آخر على ذلك.
لكن أمام غياب أي خصم كبير، حتى الآن، لا تتوصل أميركا إلى فرض نموذجها دون أن يبدو ذلك كعملية قسرية، وليس كخيار. كما تلقى الولايات المتحدة الكثير من النقد في العالم، لاسيما أنها ظهرت غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها مما قلل كثيرا من مصداقيتها بنظر الآخرين.
ولم يكن غريبا في هذا السياق أن تكون «نظرية الانحطاط» الأميركي موضوعا للعديد من الدراسات، خاصة في الولايات المتحدة نفسها.
وتكاثرت الآراء المؤكدة على أن الهيمنة الأميركية ستنتهي عاجلا أو آجلا، فالأحادية القطبية لن تدوم ولا بد من ظهور قوة، أو فوق منافسة.
هكذا حرم سقوط الاتحاد السوفييتي السابق الولايات المتحدة من وجود نموذج منافس، ووجدت نفسها «يتيمة» ومحرومة، مما سمح لها أن تحدد طيلة عقود عديدة بسهولة توجهاتها على صعيد السياسة الخارجية. ولكن أيضا على صعيد بعض الإجراءات الداخلية فيما يتعلق خاصة بالمسائل الأمنية وبمفاهيم المواطنة.
وبالإضافة إلى الاعتبارات السياسية السابقة، هناك عوامل أخرى مباشرة أدوات القوة الأميركية، خاصة فيما يتعلق بسيطرتها الاقتصادية. وينقل المؤلف عن عالم الاجتماع الأميركي ايمانويل ويلرستاين قوله: «إن العوامل الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي ساهمت في فرض الهيمنة الأميركية، سوف تكون هي نفسها التي سوف تساهم لا محالة في الانحطاط الأميركي القادم».
ونقرأ في نفس السياق أن «سقوط أميركا» يمكن أن يكون نتيجة للإفلاس المالي للنموذج الليبرالي، والأزمة المالية الراهنة ليست سوى مؤشر واضح على ذلك.
الخصوم الضعفاء
السيناريو الثالث يتمثل في الخصوم «الضعفاء»، غير المتكافئين. فإذا كانت القوى الفاعلة «غير مكافئة» قادرة على أن تشوّش قوة الإمبراطورية الأميركية، إلى درجة يمكن تشبيهها ب«أسلحة تشوش شاملة». ثم ان هذه القوى مستعصية إلى حد كبير على الرد إذ إنها تتمثّل بالدرجة الأولى في «مجموعات إرهابية» ليس لها مواقع وجود ثابتة ومحددة.
ولا يخفي بعضها نوايا العمل على تدمير أميركا. لكن يمكن لمثل هذه القوى أن تشمل أيضا الدول الضعيفة التي لا تتصرف إلا بإمكانيات قليلة مع حقد كبير على واشنطن.
بالمقابل تبدو القوة الأميركية، وحتى لو أنها ضاعفت وجودها من أجل تعزيز قدراتها العسكرية، غير قادرة على إزالتها. لكن ما يمكن قوله، على ضوء الضربات المتكررة ضد الإمبراطورية الأميركية، هو أنها لا تستطيع تدميرها، ولكن مجرّد إصابتها ببعض «الجروح». بل قد يمكن للآلة العسكرية والسياسية والإعلامية الأميركية أن تستفيد من توظيف الضربات ضد أميركا من أجل فرض هيمنتها، كما حصل بعد تفجيرات 11 سبتمبر ـ ايلول 2001.
ويكمن السيناريو الرابع في احتمال مواجهة واشنطن لأزمة دولية كبرى. الأمثلة التي يقدمها المؤلف على ذلك تتمثل في اندلاع حرب معممة في الشرق الأوسط أو نشوب أزمة كبرى في منطقة يمكن أن تمس بصورة مباشرة أو غير مباشرة المصالح الأميركية. فماذا ستكون عندها ردود الأفعال الممكنة لواشنطن؟ المسألة هنا تتعلق أساسا بالتوجهات التي قد تلقى قبول الرأي العام الأميركي.
الفرضية الأولى هي قيام الولايات المتحدة بالرد على أي هجوم مزوّدة بالشرعية الدولية إذا استهدف الهجوم أراضيها. ومثل هذا الوضع لن يصبغ الشرعية على الرد واللجوء إلى استخدام القوة فحسب، ولكن أيضا تنظيم ذلك من قبل واشنطن وحدها إذا ارتأت أنه لا حاجة إلى الحصول على دعم القوى الأخرى. المسألة هنا تتعلق بتقديرات واشنطن.
الفرضية الثانية تخص الحالة التي تلعب فيها واشنطن دور الوسيط بقصد الوصول إلى تسوية أزمة دولية، ومن المعلوم أن الولايات المتحدة تعلب دورا خاصا في تسوية الخلافات بالشرق الأوسط أو في شرق آسيا. من جهة أخرى يتفق الصقور والحمائم في واشنطن على واقع أن الولايات المتحدة وحدها تمتلك المصداقية حيال هذه المسائل، والإدارة الأميركية وحدها قادرة على لعب دور الحكم في خلاف مثل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي.
تحديات عديدة
ويرى المؤلف أنه من المحتمل جدا أن يحاول الرئيس اوباما، مثل سابقيه، إيجاد حل لهذا النزاع ومن المنتظر اهتمام واشنطن سريعا بهذا الملف، رغم متطلبات المسرح الداخلي الأميركي. ومن المحتمل جدا أيضا أن تحتفظ الولايات المتحدة بموقع متميز في الشرق الأوسط وشرق آسيا خلال السنوات المقبلة.
إن هذا الأمر حساس جدا خاصة فيما يتعلق بمسائل انتشار أسلحة الدمار الشامل التي لا تستطيع واشنطن غض النظر عنها. وماذا لو بقيت واشنطن هي مركز الإمبراطورية؟ هذا السؤال هو موضوع السيناريو الخامس.
ومثل هذا السيناريو ليس مستبعدا، برأي المؤلف، رغم الصعوبات الاقتصادية. هذا في حال عدم تمكّن قوى أخرى إلى بلوغ مستوى واشنطن، أو قدرة السلطات الأميركية على الاحتفاظ بالموقع المسيطر.
وكان باراك اوباما قد وعد أثناء حملته الانتخابية واعتزاز واشنطن بنفسها على المسرح الدولي ودوام القوة الأميركية. لكن سيكون عليه للوصول إلى ذلك أن يرد على تحديات عديدة، إذ يمكن لمستقبل قوة بلاده أن تتعلق بتطورات التوازنات الدولية. «علينا أن نسير نحو المستقبل»، هكذا قال اوباما في جملة ختم فيها المؤلف الصفحات الأخيرة من كتابه.
المؤلف في سطور
يعمل مؤلف هذا الكتاب باحثا في مركز العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، وتولّى إدارة مكتب هذا المركز في «تايوان». وكان قد عمل لفترة طويلة باحثا في إطار نشاطات «مركز الدراسات الأطلسية».
يحمل شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية وهو اختصاصي بالشأن الأميركي. له عدة مؤلفات عن المسائل الدولية والاستراتيجية، من بينها: «واشنطن والدول المارقة: استراتيجية متعددة» و«العالم النووي» و«الحروب غير المتكافئة» و«شرق آسيا في مواجهة النزاعات القومية».
الصفحات: 267 صفحة
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: لوفيلان ـ باريس ـ 2009
"لبيان"




















