المستقبل –
الى اين تسير ايران؟ لا فكرة لدينا. لا أحد لديه فكرة. لا الـ سي اي ايه ولا أم 15 ولا الموساد ولا جهاز التجسس الفرنسي ولا المخابرات المصرية ولا الاستخبارات الروسية ولا الصينية او السعودية او اي جهاز استخباري في العالم.
السقوط المحتمل لنظام آيات الله هو حدث لم يتوقعه اي محفل تقدير معروف. يبدو ان الايرانيين انفسهم ليس لديهم فكرة الى اين تسير الامور. عشرات مليارات الدولارات تنفقها اجهزة العالم الاستخبارية في كل عام حتى تكون أمام المفاجأة في كل مرة من جديد.
هذا الاسبوع، جاء رئيس الموساد مائير دغان، الى لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست وقال بان آيات الله سيتغلبون على الاضطرابات بسهولة وسرعة. لم يجف حبر كلماته بعد حتى انتشرت الاضطرابات كالنار. دغان قال في المداولات بان التزييف في الانتخابات الايرانية لا يختلف عنه في أية دولة ديمقراطية اخرى. ربما كان يعرف شيئا ما عن التزييفات في انتخابات حزب العمل التمهيدية ونحن لا نعرفه؟ يكفي الاطلاع على التقارير الإعلامية الواردة من ايران كي ندرك حجم الفساد في هذه الانتخابات. معرفة هذا الأمر لا تحتاج إلى موساد.
حتى لو تمكن نظام آيات الله من الصمود وتجاوز الازمة الحالية، فمن الواضح لكل عاقل ان ايران تتغير أمام أعيننا. ما كان لن يتكرر بعد. الخوف زال. الحجر الاول قُذف، والجماهير التي تعيش تحت سطوة حرس الثورة بدأت تدرك قوتها. من الان فصاعدا يعيش آيات الله على الزمن المستقطع. كم هي مدة هذا الزمن بالضبط، لا احد يعرف. ماذا سيحدث هناك، لمن هو جيد وفي اي اتجاه يسير، لا أحد يعرف. هل يمكن القول ان مير حسين موسوي، الذي كان رئيس وزراء متشدداً ومتطرفاً قبل عقدين، هو الاصلاحي الذي ينتظره الناس؟ الحقيقة ان هذا ليس مهما. ما يحدث في ايران أكبر بكثير من موسوي. لم يصدق احد بان اريئيل شارون هو الذي سيقتلع المستوطنات في اسرائيل، وقد اقتلعها. لماذا؟ لان الاحداث جرفته الى هناك.
تمر ايران بأيام مصيرية، والتاريخ يحدث امام أعيننا، والارض تهتز وكل شيء مفتوح. من المبكر حتى الآن بث الاوهام والامال، ومن المحظور النسيان ان المشروع النووي الايراني يتمتع باجماع شعبي واسع. ثمة عندنا عدد غير قليل من المحافل الامنية التي تعتقد ان مشكلة اسرائيل مع ايران ليست القنبلة النووية وانما الحكم. اذا تبدل الحكم، فيتعين اعادة تقدير كل شيء. وهل الحكم يتبدل؟ من المبكر معرفة ذلك. من جهة ثانية، يجوز لنا التعلل بالامل، ولكن ما الذي يتوجب فعله؟ الصلاة والحذر.
كان لمئير دغان في هذا الاسبوع تقدير مذهل اخر: اذا لم تحدث أعطال، قال دغان عن الإيرانيين، ستكون لديهم قنبلة جاهزة للاطلاق في عام 2014 تقريبا. عفوا؟ اين اختفت التقديرات التي تحدثت عن "عدة اشهر" والتي نُشرت قبل عدة اسابيع؟ حتى الآن كانت اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية متفقة في تقديرها بأن القنبلة ستكون جاهزة حتى نهاية 2009، وأن الحافة التكنولوجية قد تم تجاوزها. وبشأن هذه المسألة ثار الخلاف المشهور مع الاميركيين (انظروا تقرير الاستخبارات القومية الاميركية الذي نشر في اواخر عهد بوش)، وهذا ما استنتدت اليه التحذيرات اسرائيلية المتكررة التي جرفت غالبية الخبراء عندنا، والتي نُشرت بنجاعة وصرامة في العالم. وها هو دغان يأتينا ويتحدث عن 2014 وهذا ان لم تحدث عندهم اعطال. دغان يفهم شيئا ما في الاعطال ويعرف ما الذي يلمح له.
هذا الاسبوع استكمل نتنياهو تشكيل طواقم عمل خاصة ومن ضمنها ايضا خبراء خارجيون في المسألة الايرانية. السؤال الذي يطرح في هذا السياق يشبه السؤال الذي يطرح منذ سنوات طويلة بصدد السلام. ما الذي سيحدث عندما يحدث السلام؟ وما الذي سيفعله كل الخبراء والجمعيات والوسطاء واصحاب المؤتمرات وجامعي الاموال؟ ما الذي سيحل بمصير عاطلي صناعة السلام؟ الشيء نفسه يقال عن الموضوع الايراني، ذلك أن إزالة التهديد النووي سيخلق فراغا هائلا هنا، فراغا حقيقيا. فمنذ عشرين عاما ونحن نعيش تحت هذا الظل. عاموس غلعاد (رئيس شعبة الاستخبارات سابقا) حذر من القنبلة الإيرانية عندما كان شعر رأسه أسود ( قبل أن يغزوه الشيب)، ونحن لا نذكر أنفسنا من دون هذا التهديد. فهل توجد حياة من بعده؟
في هذه الاثناء يمكن القول انه من المبكر الاحتفال. ايران ما زالت هناك. واجهزة الطرد المركزية كذلك. الايرانيون لا ينوون التنازل عن ذلك، وحتى ان تبدل النظام من غير المؤكد ان سباق الذرة سيتوقف. بنيامين نتنياهو، ايهود باراك رجعا من زيارتهما للولايات المتحدة متشجعين في كل ما يتعلق بالموضوع الايراني. الاميركيون سيذهبون إلى حوار دافئ (مع من؟ نجاد؟ موسوي؟) مع الايرانيين ولكنهم يعرفون ان احتمالات نجاحه ضئيلة (الا إذا تغير الحكم).
وماذا بعد؟ ثمة مصطلح جديد يتغلغل في الغرف الداخلية بصدد "ماذا بعد": "اغلاق" او بالانجليزية Blockade. لا حرب ولا قصف. عقوبات دولية متصاعدة الشدة، يُفرض في ذروتها حصار على ايران ويجبرها على الاستسلام. يدور الحديث عن خطة بعيدة جدا، فرصها غير واضحة، ومستقبلها ضبابي، ولكن يوجد فيها سحر جذاب: لا مزيد من الاحتلال، القتل وعمليات القصف. حاملات الطائرات الاميركية ستعزل ايران عن العالم، والحدود ستغلق لتتحول هذه الدولة الى كوريا الشمالية الجديدة. ان لم تؤد الاضطرابات الحالية إلى اسقاط النظام، فسيحدث ذلك بالطبع. لكن من جهة ثانية، لماذا نتعلق بكوريا شمالية جديدة بينما ما زالت القديمة معنا، نووية وحية تُرزق، مع حصار دولي ومن دونه؟.
("معاريف ـ ملحق السبت الاسبوعي 19/6/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل




















