(نائب رئيس معهد بحوث الأمن القومي)
تركزت حملة الانتخابات الرئاسية في إيران على ممارسات وأفعال الرئيس محمود أحمدي نجاد. فقد اتهمه خصومه، بشكل أساسي بفشل سياسته الاقتصادية والسلوك المشوب بالخلل في مجال السياسة الخارجية ـ لا سيما التسبب بإلحاق الضرر بإيران من خلال إنكار المحرقة واعتماد تكتيك متصلب جدا في القضية النووية. ومع ذلك لم يكن ثمة خلاف على القضية النووية بحد ذاتها وذلك لسبب مزدوج: كل المرشحين للرئاسة يؤيدون استمرار المشروع النووي الإيراني، وفي هذه القضية يمكن لأحمدي نجاد الإشارة إلى إنجازات ملموسة، بثمن إعلامي ودعائي محمول.فهو أثبت لشعبه وللعالم أن الكلاب تنبح، لكن القافلة تسير ـ وفي هذه الأثناء، كفت الكلاب عن النباح تقريبا.
لا يمكن التعرف على الكثير من الأمور جراء التصريحات العلانية الصادرة عن القيادة الإيرانية. ذلك أن هذه القيادة تؤكد تجاه الخارج على التقدم المستمر للمشروع النووي الإيراني وعلى الرفض التام لأية تسوية في كل ما يتعلق بهذا المشروع. وبما ان إيران لا تعترف بنيتها تطوير سلاح نووي، فإن التصريحات لا تعكس بالضرورة الكيفية الحقيقية التي تنظر فيها القيادة إلى الوضع، فما بالك وهذه التصريحات موجهة بشكل أساسي لاحتياجاتها الداخلية وللعرض الخارجي. بيد أن تحليل السلوك الإيراني والظروف التي تعمل فيها إيران، يتيح محاولة تكرار تقدير الوضع الذي يوجه اليوم القيادة الإيرانية في القضية النووية.
المشكلة التي تُشغل إيران أكثر من أي قضية آُخرى في السنوات الأخيرة هي امكانية تعرضها لهجوم عسكري، أميركي أو إسرائيلي، يطال منشآتها النووية وربما أهدافا استراتيجية أُخرى.
بيد أن هذه الامكانية سقطت تقريبا من جدول الأعمال في الأشهر الأخيرة. ويوضح مسؤولون كبار في المؤسسة الأمنية الأميركية أن هذا الخيار لا يُدرس اليوم في أعقاب المخاطر الكامنة فيه والأفضلية الممنوحة الآن لمحاولة الحوار المباشر مع إيران. فالرئيس الأميركي، باراك أوباما، لا يزال يقول، وإن اقل من السابق، أن " كل الخيارات على الطاولة" ولكن هذا الشعار تأكّل بصورة شبة تامة، وحتى الإيرانيون يجدون صعوبة على ما يبدو في التعامل معه بجدية باعتباره يعكس نية للعمل بالطرق العسكرية.
تواصل إيران الأخذ في الحسبان امكانية حصول عملية عسكرية إسرائيلية. وهي تعتبر بنيامين نتنياهو شخصية أكثر تشددا من سلفه في موضوع الخيار العسكري ضد إيران، ومن المحتمل أن تكون عودته إلى رئاسة الحكومة قد زادت قليلا المخاوف في القيادة الإيرانية. ولكن كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية الأميركية كلفوا أنفسهم عناء القول، وبشكل علني ايضا، أنهم يعارضون في هذه المرحلة مثل هذا الهجوم الإسرائيلي، ومن الصعب الافتراض أن إسرائيل ستلجأ إلى خطوة عسكرية من دون موافقة الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، أعلن مسؤولون كبار في إسرائيل ـ من بينهم رئيس الدولة ووزير الخارجية ـ أن إسرائيل لن تهاجم إيران، وهم بذلك شهدوا على الصعوبات التي تنطوي عليها الخطوة العسكرية.
ومع ذلك، لا يتعلق الأمر بالضرورة بنهاية الخيار العسكري. ذلك أنه من شأن هذا الخيار أن يُطرح مجددا في حال فشلت المساعي المبذولة لإيجاد تسوية سياسية للمسألة النووية، ويتعين على إيران أيضا أن تأخذ في الحسبان امكانية تعرضها للخداع والمفاجأة ـ أي أن التحفظ في الولايات المتحدة وفي إسرائيل تجاه العملية العسكرية، يرمي إلى إخفاء النية الحقيقية بهدف تخدير القيادة الإيرانية ومن ثم تنفيذ الهجوم. ومع ذلك، تقلصت المخاوف من مغبة حصول الهجوم، ويمكن استغلال الوقت من اجل تقدم المشروع النووي. كما ان العبرة المأخوذة من التجربة النووية التي نفذتها كوريا الشمالية، يمكنها ان تشجع ايران: رد الفعل الدولي على التجربة حتى الآن كان ضعيفا.
في المقابل، مجال المناورة السياسية لإيران كبُر بقدر ملموس في الأشهر الأخيرة. فاستعداد إدارة أوباما للحوار المباشر مع إيران في القضية النووية، منح إيران بعض المكاسب غير المتوقعة، من دون اي مقابل من جانبها. فالإدارة الأميركية قبلت بموقف إيران الذي يفيد بأن الحوار يجب أن يبدأ بعد الانتخابات الرئاسية، وهي بذلك كسبت خمسة أشهر على الأقل من دون مفاوضات ومن دون أن تتعرض لأية ضغوط. وحتى أن الإدارة تنازلت عن شرط تعليق تخصيب اليورانيوم في إيران قبل الشروع في الحوار، كما امتنعت في هذه الأثناء عنه تحديد موعد زمني لوقف المحادثات في حال لم تُحرز أي تقدم.
ليس واضحا ما إذا كانت المحادثات ستبدأ، ومتى ستبدأ، لكن تستطيع ايران التوجه إلى المحادثات وهي محررة من تهديد العملية العسكرية. صحيح ان إدارة أوباما حذرت من أنه في حال فشلت المحادثات فستعمل لتجنيد تأييد دولي لفرض عقوبات ثقيلة على إيران، ولكن تجربة الماضي علمت إيران أنه من دون إرفاق العقوبات بتهديد الخطوة العسكرية، فإن تهديد العقوبات سيفقد من قوته أيضا، وقد قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في الآونة الأخيرة، أنه لا ينبغي التوقع من بلاده تشديد الضغوط على إيران.
إذا كان تقدير الوضع في إيران على هذا النحو، فهذا يوضح الاعتبارات التي توجهها لمواصلة التقدم في مشروعها النووي ـ الأمر الذي تقوم به عمليا بنجاح ومن دون عرقلة فعلية. هذا النجاح يحظى أيضا بالتأييد عن طريق زيادة تأثيرها على المجال المحيط بها: في العراق، لبنان ـ على الرغم من فشل حزب الله في الانتخابات ـ وفي قطاع غزة.
المفتاح لوقف إيران موجود في يد الإدارة الأميركية. إذا واصلت هذه الإدارة اعتماد نهج مرن تجاهها، مع التقليل من احتمالات الخيار العسكري، فمن شأنها أن تجد نفسها تُسّلم بالواقع الذي فيه سلاحٌ نووي في إيران. أما النهج المتصلب فلا يضمن وقف إيران، لكنه على الأقل يترك مجالا لذلك.
("هآرتس" 23/6/2009)
ترجمة :عباس اسماعيل




















