مسيرة ترميم العلاقات والعودة إلى المؤسسات، في لبنان، تتقدّم على الطريق الصحيح. بعد أن انتخب اللبنانيون نوابهم الجدد، بأحسن ما عرفوه من الهدوء والشفافية؛ اختار البرلمان قبل يومين رئيسه لأربع سنوات.
بذلك انفتحت الأوضاع على المزيد من الآفاق الواعدة والرحبة. حالة من الاسترخاء غير المألوف منذ سنوات، تسود الساحة وتبشر بالأفضل. بموازاة ذلك، تنشط ورشة المصالحة الوطنية، عبر مسلسل من اللقاءات وإعادة مدّ الجسور بين القيادات؛ التي كانت قبل نيّف وسنة في حالة من القطيعة التامة.
وسط هذه الأجواء، التي لم تخل بعد من بقايا التوتر والحساسيات؛ ينتقل لبنان إلى استحقاق تشكيل الحكومة الجديدة. دستورياً هو الحلقة الأخيرة في عملية انطلاق مرحلة ما بعد اتفاق الدوحة. في ضوء المناخ السائد وما تمّ انجازه من استحقاقات، حتى الآن، تبدو الأمور وكأنها سائرة باتجاه خواتمها المنشودة. لكن السوابق ودقّة المعادلات، تجعلان من المهمة ليس أقل من اختبار آخر؛ لا يخلو من المحاذير والمطبّات.
عملية المخاض اللبناني، كانت طويلة ومحبطة. أكثر من مرة وصلت الأزمة إلى حافة الانزلاق في المحظور. لكن سرعان ما كانت تتضافر عوامل متداخلة، لردّ المكروه. استدراك الأطراف، كان من بين هذه العوامل.
من أهم الدروس التي تعلمها اللبنانيون من تجاربهم المكلفة، انه لا خيار لهم إلاّ الوفاق على إدارة الخلافات. التعامل مع هذه الأخيرة بأي صيغة أخرى؛ مسدود المنافذ ولا رابح فيه.
والبرهان، أنه بعد كل جولة تأزم، كان لا بدّ لهم من العودة إلى دائرة التسويات والتفاهم. إلى أقل التسويات كلفة. وهذه خلاصة ينبغي التشبث بها. ليس سرّاً أن التوازنات السياسية في لبنان، تؤثر فيها رياح غير محلية.
لن يكون من المتاح، في الأفق المنظور، سدّ النوافذ والأبواب بوجه مثل هذه التأثيرات. واقع قائم وحتى إشعار آخر. لكن هذا لا يعني أن اللبنانيين، غير قادرين على الاحتفاظ بمساحة للتحرك بمنأى عنها؛ ووفقاً لمقتضيات المصلحة الوطنية العليا.
هذا حق وواجب. وقد فعلوا. خاصة في الآونة الأخيرة. ومثل هذا المنحى، مطلوب ترسيخه. هو مسؤولية لبنانية، أولاً وأخيراً. هو باب الخلاص. بقدر ما يتم توسيع مدخله، بقدر ما تتوطّد وشائج المصالحة ويتعزز بناء الدولة. تشكيل الحكومة، فرصة لتعزيز التقارب. والأهم، لضبط الخلافات داخل المؤسسات.
امتحان، لا خيار فيه لغير النجاح. البلد بحاجة للانتقال إلى سكّة النهوض. كما بحاجة للعودة إلى طاولة الحوار الفعّال، للبحث في القضايا الخلافية الكبيرة. الوقت من ذهب. العودة إلى دوامة أزمة تركيب، ما عاد يحتملها لبنان؛ المتعطش للاستقرار.



















