منذ إعلان حركة «حماس» مقاطعتها الحوار الوطني الفلسطيني، الذي كان من المقرر أن ينطلق في 9 نوفمبر الجاري، والبيت الداخلي الفلسطيني ينحو، يوماً بعد آخر باتجاه مزيد من التصدع الذي قارب حد الانهيار.
وفيما قادة الحركتين الأبرز في الساحة الفلسطينية «فتح» و«حماس» غارقون في تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن إفشال الحوار، تُوغِل إسرائيل في زيادة حدة الاستيطان في الضفة الغربية، وإجراءات تهويد القدس، وتستعد عسكرياً لعملية واسعة في قطاع غزة، بحجة الرد على مطلقي الصواريخ، يتوقع أن تكون مدمرة إذا ما حدثت هذه المرة.
ولا يوحي أي تطور، حتى اليوم، بإمكانية التلاقي بين الأخوة المتصارعين على برنامج وطني شامل، يضع حداً للمهزلة الفلسطينية المستمرة منذ سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة في 14 يونيو 2007، رغم الجهود الهائلة من قبل مصر للتوصل إلى اتفاق يخرج الفلسطينيين من المستنقع الذي يغرقون فيه نتيجة سياسات قادتهم، بل الأمر على العكس.
فبالأمس اتهم القيادي في «حماس» محمود الزهار منظمة التحرير بـ «إيواء الخونة والتجار والجواسيس»، ما استدعى رداً من القيادي في «فتح» حكم بلعاوي، وصف فيه قادة «حماس» بـ «الأفاقين الآثمين» وأنهم «أقرب ما يكون إلى زنادقة العصر».
وبقدر ما يبدو المشهد اليوم عصياً على الحل، مع صب المزيد من الزيت على نار الخلافات المتوقدة أصلاً، فإن الحاجة إلى تدخل عربي، باتت أكثر من مجرد ضرورة عابرة.
وفي هذا السياق، ينبغي التوقف مطولاً عند خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي ألقاه في ذكرى رحيل الزعيم ياسر عرفات في 11 نوفمبر الجاري، والذي دعا فيه (الجامعة العربية) إلى معاقبة حركة «حماس»، نتيجة مقاطعتها للحوار الوطني، وما سربته بعض الأوساط المقربة منه بشأن نيته إعلان قطاع غزة إقليماً متمرداً وحظر حركة «حماس».
فدعوة عباس، وإن كان لها ما يبررها من وجهة نظره، ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار أن قراراً كهذا سيقفل طريق العودة نهائياً أمام أي مصالحة مع «حماس»، كما أنها لن تدفع بالحركة إلا إلى مزيد من التعنت والتشدد في مواقفها إزاء الحوار.
دعوة عباس، وهو الرئيس الفلسطيني وليس رئيس حركة «فتح» فحسب، كان ينبغي أن تتوجه إلى جامعة الدول العربية بالتنسيق مع مصر، لتسلم ملف المصالحة، عبر تشكيل لجنة عربية (تضم مصر والسعودية وسوريا والأردن والسودان على الأقل)، تعمل على إلزام كل الأطراف الفلسطينية على الانصياع لمسودة الحوار التي كانت القاهرة عملت بجد على إنجازها عبر «استمزاج» آراء كل الفصائل.
فانهيار البيت الفلسطيني الآخذ بالتزايد، يوماً بعد آخر، لن يترك آثاره على مستقبل القضية فحسب، وإنما سيطال العديد من الدول العربية، التي باتت اليوم مطالبة بالضغط على الجميع، إن لم يكن للمصالحة والمصلحة الفلسطينية، فمن أجل نفسها، وفي حال الفشل فلكل حادث حديث.
"البيان"




















