جاء الخطاب الأخير لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل قبيل أيام قليلة من انعقاد الجولة الحوارية السادسة بين حركتي "فتح" و"حماس" في القاهرة، ليثير مجموعة كبيرة من العناوين والقضايا، وليشير في الوقت نفسه إلى البراغماتية العالية التي بدأت تطل منذ فترة ليست بالقصيرة بين مفردات الخطاب السياسي لحركة "حماس".
ففي القراءة الهادئة والمتأنية والمختصرة لمضمون الخطاب، نستطيع القول إن خالد مشعل أطلق رسائل أربعاً في خطاب دمشق، أجاب فيها دفعة واحدة عن مجموعة من الأسئلة التي ما برحت مثار رد وجدل داخل الساحة الفلسطينية وحتى العربية. فما الجديد في خطاب مشعل والى أي تخوم رست الأمور في جديدها ومستجداتها ؟
إن الجديد في خطاب مشعل جاء في رسالته الأولى للولايات المتحدة وأوروبا الغربية، وتضمنت بالفعل رؤية "حماس" السياسية لمسار الأحداث في المنطقة بعد خطاب أوباما، حيث أعلن مشعل أن حركة "حماس" تلمس تغييراً مرحباً به في النبرة والخطاب الأميركي تجاه المنطقة والعالم الإسلامي، لكنه طالب بالمقابل بتغيير واقعي على الأرض يقفز عن سحر الخطابات ومفعولها العابر والمؤقت.
ويلحظ في هذا السياق أن حديث خالد مشعل عن متغيرات الموقف الأميركي ترافق مع معلومات كانت قد تواترت خلال الفترات الماضية، وأشارت إلى حوارات ولقاءات جرت خلف الكواليس بين حركة "حماس" ووفود أوروبية غربية تمت في أكثر من عاصمة في المنطقة. كما جاء حديثه عن متغيرات الموقف الأميركي مزوداً بإشارات أميركية إضافية نقلها الرئيس الأسبق جيمي كارتر أثناء لقاءاته قيادات حركة "حماس" في دمشق وغزة.
وعليه أعلن خالد مشعل باسم حركة "حماس" مد اليد للرئيس أوباما من اجل حوار جاد بين "حماس" والإدارة الأميركية، وأعلن أيضاً استعداد الحركة لحل يقوم على إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة فوق الأرض المحتلة عام 1967 ربطاً مع حق العودة لستة ملايين لاجىء فلسطيني، وهو أمر يكشف بوضوح مرونة وبراغماتية عالية بدت تميز
مواقف "حماس" لجهة التعاطي مع الفعل السياسي اليومي.
الرسالة الثانية التي أطلقها خالد مشعل في خطابه، وجهها إلى النظام الرسمي العربي، وهي من الحالات القليلة أو النادرة التي خاطبت فيها حركة "حماس" النظام الرسمي العربي عبر الإعلام المفتوح، ويشتم منها موقفاً نقدياً واضحاً يعبر عن عدم الرضى حيال الموقف العربي الرسمي المتهافت لجهة التعاطي مع مساعي التسوية الجارية.
ومن هنا فان خالد مشعل يؤشر لمواقف باتت تتبناها حركة "حماس"، حيث ينطلق مطالباً باستراتيجية عربية جديدة على المستوى الرسمي العربي، استراتيجية لا تترك خياراً دون آخر بل وتفتح طريق الخيارات المختلفة. وهذا هو من الجديد في الموقف المعلن لخالد مشعل في خطابه الأخير بالنسبة للحال العربية الرسمية. أما في رسالته الثالثة فقد تناول مشعل بالتشريح خطاب نتنياهو الأخير، الذي طالما انتظره البعض، فإذا به يعيد تكرار الثوابت الصهيونية بلغة متخمة بالفجاجة والوقاحة. ومن هذا المنطلق فان مشعل أعاد في خطابه نسف رواية نتنياهو، مشدداً على عناوين القضية الوطنية للشعب الفلسطيني، وفي قلبها قضية حق العودة.
وفي رسالته الرابعة تناول خالد مشعل الوضع الفلسطيني الداخلي ومسار العملية الحوارية الجارية منذ شباط الماضي، مشيراً إلى أن نجاح الحوار الفلسطيني ووصوله إلى حدود الاتفاق والتوافق يتطلب تحقيق ثلاثة أمور بالتتابع والتتالي: أولها إنهاء ملف الاعتقال السياسي. وثانيها تحييد الحوار الفلسطيني عمّا أسماه مشعل بـ (الالتزامات مع إسرائيل والشروط الخارجية). وثالثها تجاوز حلول "التقسيط بالمقطع" لصالح حل "الرزمة الكاملة".
في هذا السياق، يخطىء من يعتقد بأن حركة "حماس" باتت تسير نحو إحداث انقلاب دراماتيكي في برنامجها وسلوكها وتوجهاتها وفي اشتقاقاتها البرنامجية، فالتحول المطلوب في رؤية المنظومات السياسية يحتاج دوماً الى عملية إنضاج لا تقوم على التحليل والمماحكة النظرية فقط، بل يحتاج إلى التحليل المنطلق من التجربة المعاشة وإرهاصاتها المتتالية.
وعليه فإن الفترة الماضية، استطاعت أن تفعل فعلها، وأن تدفع الإسلام السياسي في فلسطين نحو الاستدارة المعقولة، بهدف استيعاب معطيات الواقع والبناء عليها لتوسيع فضاءات العمل أمام الحركة السياسية الفلسطينية، بالرغم من حملة الضغوط الأميركية الكبيرة والحملة الدولية التي قادتها واشنطن في حصار حكومة الوحدة الوطنية الائتلافية التي تشكلت عقب اتفاق مكة التوافقي وصولاً إلى الوقت الراهن.
وانطلاقاً من المعطى إياه، يمكن القول إن خطاب خالد مشعل الأخير جاء مليئاً بالرؤية والاشتقاقات البراغماتية لحركة "حماس" التي تعلمت في الميدان، وقد اختبرت واختمرت أفكارها ورؤاها، وباتت اليوم تقدم من حين إلى آخر اشتقاقات تؤشر إلى براغماتية ووطنية في النظرة إلى الصراع مع الدولة الصهيونية. وبالطبع ليس المعنى في ذلك أن "حماس" انسلخت أو هي في طور الانسلاخ عن ذاتها كما قد يقول بعض الذين يعتقدون بأن حركة "حماس" تحاول أن تتقولب مع المعطيات الجديدة تحت وطأة الحصار على قطاع غزة وتكاليفه الباهظة، إضافة لوقوعها تحت ضغط المحاور الإقليمية التي تألف الضغط على الحالة الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية في ظل معطيات إقليمية بالغة التعقيد.
الجواب الواضح والحقيقي من خطاب خالد مشعل هو أن حركة "حماس" تقف اليوم أمام معالجة وطنية بامتياز لمعضلة اجتراح وصياغة تكتيكات وبرامج تسهم فيها بإعادة توليد التوافق الوطني الفلسطيني كخيار لابد منه في سياق الصراع مع الاحتلال الكولونيالي الصهيوني. ومن هنا أهمية الرؤية الثاقبة والصحيحة لمضمون خطاب مشعل الأخير، وتجنب التفسيرات المقطوعة وغير الموصولة مع السياقات التي تطورت فيها مواقف حركة "حماس" السياسية لجهة
خطابها السياسي الموجه للعالم، وأدائها في هذا الميدان.
"النهار"




















