هذه سطور تناهض عقوبة الإعدام أينما فُرضت وأياً كانت الجرائم التي ارتُكبت واستوجبت فرضها، بما في ذلك جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضدّ الإنسانية، وذلك لأسباب إنسانية مبدئية وجوهرية تخصّ جدوى العقوبات الجسدية في السياقات الملموسة لتنظيم العلاقات بين الجريمة والعقاب عموماً؛ ثمّ استناداً، أيضاً، على الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، خاصة في ضوء الأنساق المتقدمة من خلاصاتها المتطورة الكونية.
وهذه، استطراداً، سطور تتطلع إلى يوم في سوريا الجديدة، الراهنة أو الآتية مستقبلاً، يمتلك فيه الشعب السوري فرصة خوض انتخابات حرّة ونزيهة، في الحدود القصوى وليس الدنيا الانتقالية أو التجميلية أو المؤقتة؛ تأتي بمجلس شعب فعلي وحيوي ومستقلّ الإرادة، ذي صفة تمثيلية عالية وتعددية سياسية واجتماعية كافية، يكون إلغاء عقوبة الإعدام واحداً من أشدّ قراراته جدارة بالصفة التاريخية، وأكثرها حيوية ورقياً واستشرافاً للمستقبل في آن. وسبق لهذه السطور، اتكاء على الاعتبارات ذاتها، أن ناهضت علانية قانون حافظ الأسد رقم 49 لسنة 1980، الذي قضى بفرض عقوبة الإعدام على المنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين، وصادق عليه مجلس شعب النظام بالإجماع في حينه؛ أسوة بمناهضة عقوبات الإعدام في أيّ، وكلّ، حالة أخرى داخل سوريا على امتداد الأحقاب والأنظمة، كما في العالم قاطبة.
ومن حيث المبدأ أيضاً، حيث لا يُنتظر جدال واسع أو اعتراض جدّي، يستحقّ أقصى العقوبات أمثال بشار الأسد وماهر الأسد وعاطف نجيب، ثمّ الأحياء أمثال إبراهيم حويجة وجميل حسن وغسان اسماعيل (ممّن تعاقبوا على إدارة المخابرات الجوية خلال 50 سنة ونيف)؛ وحسن خليل، عبد الفتاح قدسية، رفيق شحادة، وكفاح ملحم (في شعبة المخابرات العسكرية)؛ وعلي مملوك، زهير حمد، نزيه زرير، ومحمد ديب زيتون (إدارة المخابرات العامة)؛ وحسام لوقا، ناصر العلي (شعبة الأمن السياسي)؛ عدا فروع أمن واستخبارات لا تقلّ شراسة وعنفاً وجرائم حرب، في الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري.
عدا، أيضاً وأيضاً، العشرات من رجال نظام «الحركة التصحيحية» المدنيين، هنا وهناك في الوزارات ومؤسسات الدولة ومنابع الإثراء غير المشروع والفساد؛ ابتداء من رامي مخلوف، صيرفي النظام وكبير تماسيح النهب والاحتكار واللصوصية، مروراً بأمثال محمد حمشو وحسام ومحمد براء قاطرجي وأسعد الأسعد، وليس انتهاء بـ»وردة الصحراء»، حسب تسمية مجلة «فوغ»، أسماء الأخرس ورجالها. صحيح، بالطبع، أنّ تقاليد تحويل سوريا إلى مزرعة لآل الأسد وعصاباتهم تركزت أولاً في أيدي حفنة من الأقارب والأزلام، ولائحة الأسماء تطول هنا وتتعدد؛ إلا أنها، في عهد الأسد الابن، اتخذت وجهة الشبكات المتكاملة أو المتصارعة، المشتركة مع ذلك في تمويل الاستبداد وقمع الانتفاضة، حتى بوسيلة تصنيع الكبتاغون وتصديره حين تعزّ منابع النهب.
ولأنّ عقوبة الإعدام هي الأقصى في تدرّج العقوبات كما تنصّ عليها القوانين الراهنة التي لم تُبطل أو تُعدّل أو تُستبدل، وهي بالتالي سارية المفعول حتى إشعار آخر؛ فإنّ الإعدام كان العقاب الوحيد أمام قضاة محكمة الجنايات في دمشق: غيابياً بحقّ بشار الأسد وشقيقه ماهر، وستة متهمين من القيادات العسكرية والأمنية في النظام الساقط؛ وحضورياً بحقّ عاطف نجيب، الرئيس الأسبق لفرع الأمن السياسي في محافظة درعا، المسؤول عن إراقة دماء أوائل شهداء الانتفاضة الشعبية وتعذيب الأطفال، في آذار (مارس) 2011. وكان تلقائياً أن تستند المحكمة إلى ارتكاب هؤلاء جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، فضلاً عن القتل العمد والقصد بحقّ الاشخاص، وجناية التعذيب والاعتقال التعسفي، وسواها.
لم يكن أقلّ تلقائية، وانتظاراً على نطاق شعبي عريض، أو شبه مطلق، أو لا يُستثنى منه سوى ما تبقى من فلول يواصلون الولاء لنظام «الحركة التصحيحية»؛ أن تصدر أحكام الإعدام وحدها، وليس السجن مدى الحياة مع الأشغال الشاقة مثلاً، أو الذهاب في التأويل القانوني أبعد من مجرد الاتكاء على أحكام المادة 322 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السورية، بخصوص المحاكمة غيابياً؛ وعلى أحكام المادتين 309 و310 وما بعدهما من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والمواد 534 و535 و556 و216 من قانون العقوبات العام، لفرض العقوبات الجسدية؛ أو الرجوع إلى قانون روما الأساسي، بصدد تعريف الجريمة ضدّ الإنسانية، أو تحديد الصفة غير الدولية لـ»النزاع المسلح» في سوريا…
توفرت أصوات حقوقية اعترضت على أحكام الإعدام، ليس لأنها تعارض العقوبات الجسدية من حيث الأصل والمبدأ، بل من زاوية أنها سوف تعيق تسليم المتهمين، بشار وشقيقه ماهر
وللاختصاصيين في قوانين العقوبات، وللمحامين وهيئات حقوق الإنسان وأصول المقاضاة، أن يساجلوا حول صحة هذه الحيثيات في مستوياتها القانونية التطبيقية أو التقنية، وهذا سجال ليس مشروعاً وحيوياً في هذه المرحلة الانتقالية تحديداً، فحسب؛ بل هو ضروري ولازم، إنْ لم يكن من أجل تأطير أشغال «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية»، فعلى الأقلّ من أجل تشجيع مجلس الشعب كي ينتقل خطوات واضحة ملموسة نحو مراجعة القوانين عموماً، والعقوبات منها خصوصاً. يُسجّل للمحكمة، مع ذلك، أنها اتبعت صيغة من العلانية مقبولة إجمالاً وعالية في بعض الجلسات؛ كما اعتمدت كثيراً على شهود الحقّ العام، وأقوال المدعين الشخصيين والوثائق الرسمية والتقارير الطبية ومواد الصوت والصورة والتقارير الدولية الموثقة، حيث اتضح مراراً أنّ الشهادات كانت «تساند بعضها بعضاً وتتقاطع في الوقائع والأزمنة والأمكنة تقاطعاً يستحيل معه التواطؤ والكذب».
ولقد توفرت أصوات حقوقية اعترضت على أحكام الإعدام، ليس لأنها تعارض العقوبات الجسدية من حيث الأصل والمبدأ، بل من زاوية أنها سوف تعيق تسليم المتهمين، بشار وشقيقه ماهر خصوصاً، بالنظر إلى أن الدول التي منحتهم اللجوء أو الملاذ سوف تعتبر هذه الأحكام ذريعة تحول دون ترحيلهم. وإذا جاز أنّ الاعتراض صحيح من حيث المنطق الشكلي، فإنّ الامتناع عن تسليم الأسدَين لم يكن وارداً أصلاً، خاصة في بلد مثل روسيا وتحت إدارة رئيس مثل فلاديمير بوتين؛ سواء صدرت بحقهم أحكام إعدام، أم سجن مؤبد، أم واجهوا أية صيغة من المثول أمام القضاء السوري. الحال ذاتها تسري على مجرمي حرب آخرين من رجالات النظام الساقط، لاذوا بالفرار إلى دول أخرى لا تقوم فيها قائمة لحقوق الإنسان، ولا للعدالة القويمة أو حتى تلك الصورية أيضاً.
وعلى أكثر من نحو، في الوسع الافتراض بأنّ أحكام الإعدام، التي أصدرتها محكمة الجنايات مؤخراً في سوريا، كانت تلبّي حاجة الراهن إلى حسّ بالعدالة، مؤقتة بدت أو انتقالية، شعبية أصيلة أم لا تنقصها حماسة شعبوية؛ ومن الإنصاف التأكيد على أنها لم تُنفّذ بطرائق عشوائية واستعجالية وكاريكاتورية، بل بدرجات متقدمة تماماً (ومفاجئة، بمعنى إيجابي، أحياناً). لكنها، في يقين هذه السطور، لا تحجب الحقّ، وربما الواجب، في النظر إليها كجزء من باطل انتقالي يتوجب على سوريا المستقبل أن تصححه، حين تتبصر مؤسساتُ تشريع مستقلة ومنتخَبة في إبطاله عن طريق إلغاء عقوبة الإعدام.
يقين هذه السطور كان، ويظلّ اليوم أيضاً، أنّ على الوطنيّ الديمقراطيّ السوري (سواء تحت وطأة نظام استبدادي دكتاتوري مقيت، أو في مرحلة انتقالية مؤقتة) أن يناهض عقوبة الإعدام أينما فُرضت، وأياً كانت الجهة التي تُنزلها، وبصرف النظر عن أسباب إصدارها. الاعتبارات كثيرة ومتشعبة: أخلاقية وحقوقية وفلسفية، من جهة أولى؛ وأخرى تخصّ موقع الإنسان، بصرف النظر عن طبيعة التناسب المطلوبة بين ضخامة الجريمة وشدّة العقاب، من جهة ثانية؛ ولأنّ النظام المستقبل المأمول لا يستبدل بربرية الطغيان بأخرى تجمّل بربرية العقاب على أيّ نحو، من جهة ثالثة.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
- القدس العربي

























