بانياس– منذ سنوات وسنوات تطرح في الجولان المحتل فكرة تشكيل لجنة أو لجان مهمتها تنظيم عملية تسويق التفاح محلياً أو خارجياً بشكل مدروس يراعي متطلبات السوق ويحفظ حقوق المزارعين وأتعابهم بنفس الوقت. حيث لا زال المزارع الجولاني عرضة لأطماع السماسرة والتجار والذين يستفردون بكل مزارع على حدة ويسعون لتخفيض الأسعار إلى أدنى مستوى ممكن حتى تزداد أرباحهم إلى أعلى مستوياتها، وقد وصلت أسعار التفاح خلال السنوات الماضية إلى مستويات خطيرة هددت امن المزارعين ولقمة عيشهم الأساسية، كما كرست الأخطار العملية بالابتعاد عن الأرض والزراعة والتي هي عماد المنطقة وعماد وجودها ونضالها كمنطقة محتلة.
وقد شكلت خطة الإنقاذ الوطنية بتسويق جزء كبير من محاصيلنا إلى الوطن عاملاً مهماً في هذه المعركة كان من الممكن أن تكون قارب نجاة للزراعة الجولانية لولا القصور الذي طال العملية والتي أديرت بعقلية تجارية صرف تتوخى الربح.. لا بعقلية الدعم الوطني التي كان من شأنها أن تشحن الحالة الوطنية أمام المحتل إلى أقصى مداها.
وبغض النظر عن موضوع التسويق إلى الوطن سوريا فإن حال التسويق إلى الأسواق الإسرائيلية أسوأ بما لا يقاس، وكل محاولات المزارعين باتجاه تنظيم هذه العملية كانت ولا زالت تواجه بحملات التيئيس والمماطلة من قبل عدد من المنتفعين، وحتى الآن لم تنشأ أية حركة منظمة استطاعت أن تتابع هذا الشوط إلى نهايته، إنما تبقى محاولات متفرقة ومحدودة تتوقف أمام أول عقبة كما غالبية قضايانا المحلية.
ورغم أن الأسعار هذا العام تبدو معقولة (1000 – 1200 ش.ج للميخال صنف أول) إلا أن هذا السعر ليس مقياساً حقيقياً للواقع فهو يأتي في سنة "شميتا"، راحة الأرض عند المتدينين اليهود، حيث يمتنعون عن الشراء من المحاصيل اليهودية، بالإضافة إلى ذلك يؤكد الكثيرون أن الأسعار الحقيقة للتفاح الجولاني يجب أن تكون أعلى من هذا المستوى بكثير، كما أن المزارعين اليهود الأكثر تنظيماً يحصلون على أسعار أعلى بجودة تفاح أقل.
وربما كان من المناسب التنويه بالتجربة الرائدة لـ "براد المجدل" والذي بادر هذا العام لحماية موسم الكرز والذي لم يكن يخضع للحماية سابقاً، واحتفظ به في التبريد لمدة شهر دون أن يقبل بخفض الأسعار وباع في النهاية بسعره هو لا بسعر التجار. (سوف نحاول أن نفرد تقريراً خاصاً عن هذا الموضوع).
وفي هذا الإطار من المبكر الحكم على المحاولة الجديدة التي بدأها عدد من المزارعين في قرية بقعاثا والذين حاولوا ويحاولون تنظيم عملية التسويق في براد حرمون في بقعاثا بالتنسيق مع باقي البرادات، ويقول الدكتور "محمد عماشة" أحد أفراد هذه المجموعة: "إننا لم نقتصر في هذه المحاولة على براد حرمون في بقعاثا، إنما حاولنا الاتصال بجميع البرادات في المنطقة، وقد اعتمدنا في هذا على لجنة براد حرمون، وأستطيع القول أنه ربما قد حصل بعض التقصير في هذا المجال".
ويتابع د. عماشة "أننا كمجموعة مزارعين من الجولان قد توجهنا بداية بورقة اقتراحات إلى لجنة براد حرمون (ومن خلالهم إلى اللجان الأخرى وإلى عدد من المشايخ الأفاضل)، وقد تضمنت الورقة بعض الإيضاحات والمقترحات آملين بذلك أن تتشكل مجموعات ضغط أخرى في كافة البرادات وفي كافة القرى بهدف إيصال هذا الموضوع إلى شاطيء آمن".
فيما يلي نص الورقة التي وجهتها المجموعة قبل ما يقارب الشهر:
بسم الله الرحمن الرحيم
كيف نسوّق تفاحنا؟
يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره.
قام بعض الشباب المتنور والأفاضل من مشايخنا مشكورين بالمبادرة إلى إقامة البرادات وإنشائها، وكان السبب الرئيس لقيامهم بهذا العمل المحمود هو المحافظة على جودة تفاح عالية وسعر أعلى، وكذلك لمنع المضاربين والسماسرة من التلاعب بأسعاره. والنتيجة: فقدت صلة الوصل بين البرادات كمؤسسات ربحية قائمة بحد ذاتها غير متصلة بأسباب قيامها وأرزاق الناس ومصالحها من جهة أخرى، وأبيحت هذه المؤسسات لغير بنائها ومستحقيها.
"إن ألسنة الخلق أقلام الحق".. فكثيراً ما تداولت الألسن هذا الموضوع فأشبعته نقاشاً وجدلاً، وقد أجمع رأي كثير من الناس على أن في التنظيم لتسويق هذه السلعة بالطريقة الأمثل والأفضل تعم الفائدة على كل الناس.
وبما أننا قوة إنتاجية كبيرة للتفاح في هذه البلاد فيجب أن يكون لنا التأثير والمقدرة للمحافظة على أسعار حقيقية. لذلك لا بد لنا من بذل الجهد والعمل وإيجاد الوسائل والأدوات حتى يتحقق لنا النجاح في هذا المسعى الحميد.
وبناء على ذلك يتوجب القيام بالخطوات التالية:
1- نرجو من جميع المعنيين لجان برادات كانوا أو مدراء أن يبادروا إلى دعوة المساهمين الكرام إلى اجتماعات كل في براده للتشاور والبدء في تنفيذ هذا المشروع بطريقة مدروسة وسريعة.
2- اجتماعات دورية واستثنائية ملزمة لمتابعة هذا الأمر وإنجاحه مما سيؤدي بالتالي لتشجيع العمل العام اجتماعياً كان أو اقتصادياً.
3- التشاور مع كافة اللجان المعنية في المنطقة والتنسيق معها لوضع سعر موحد تراعى فيه حاجات ومتطلبات السوق واحتياجات المستهلك والمنتج على حد سواء.
4- وأخيراً نتمنى أن يكون في ذلك الخير والفائدة للجميع.
مزارعون من الجولان
19 / 9 / 2008
ويقول الدكتور عماشة أنه "وبعد تقديم هذه الورقة وبعد سلسلة من الاتصالات والاجتماعات رأينا أن هناك تجاوباً حذرا مع هذه المساعي قام به البعض (ربما عن غير قصد) وهو لن يؤدي في النهاية بهذا الجهد إلا لطريق مسدود، لذلك نناشد كل الفاعلين والمهتمين بالمصلحة العامة أن يبادروا لدعم جهودنا بأفكار جديدة وبناءة إضافة إلى الجهد العملي والعمل على تحويل هذا المطلب المشروع إلى واقع حقيقي وملموس يعود بالنفع علينا جميعاً".
وصاغ الدكتور عماشة تصوره الأخير للموضوع والذي يمثل باقي أفراد المجموعة بالتالي:
"بعد حوارنا وبحثنا مع بعض المعنيين بالأمر والذي كان الأوجب والأولى بهم أن يفكروا وينشغلوا بهذا الموضوع وأن يبادروا لطرح مشروع دراسة لتسويق التفاح وحماية أرزاق الناس.. نعرض على الجمهور ما يلي:
لقد بحثنا مع المعنيين بالأمر موضوع لجان تسويق للتفاح وبعض البنود المذكورة أعلاه من سعر موحد لهذه السلعة يفيها حقها إلى التنسيق مع لجان البرادات في المنطقة كلها، وكل النشيطين في العمل العام وكل الأكف الخيرة التي تستطيع أن تساعد بخبرتها عموماً.
أما بعد:
بعد البحث والمداولة قررتم أن تساعدوا على تحقيق هذه المصلحة العامة التي هي في الضمير العام الجامع، وقد قررنا بدورنا أن ننبذ اشمئزازنا ونفورنا، فماذا حدث لقراركم؟؟؟ ولنا أن نسأل بعض الأسئلة:
1- هل الحلول المطروحة من قبلكم في اجتماعكم الأخير يوم الجمعة بتاريخ 3 / 10 / 2008 في براد "حرمون" بقعاثا أتى بحلول حقيقية أم أنها نوع من المماطلة ومحاولة منكم لنقل المشكلة إلى ساحة جديدة؟.
2- ما هو التصور الذي جعلكم تنبذون فكرة لجان التسويق وتسعون لتحقيق سعر موحد غير مدروس، مرحلي (حتى تنسى الناس)، ومزيف..
3- ما هي المزالق والمشاكل التي تعرقل هذا الموضوع ومن هو الحاضر الغائب في هذه الاجتماعات؟
إن هذا المنطق الذي رشح من اجتماعكم الأخير ومؤداه أن لا شيء يستحق بذل أي مجهود ولا طريقة أفضل من الأخرى ولا حيلة بيدنا أمام السوق وقسوة السوق وقوة السوق، لهو منطق باهت يجب ألا يقف بوجهنا دون أن نستطيع تجاوزه أو مواجهته.. نعيد عليكم السؤال مرة أخرى: هل من طريق إلى الخارج.. هل من سيبل إلى النجاة؟
إننا لن نقاسي سياط هذا الفكر وهذا "المنطق" بلا أمل، إنما سننطلق باحثين عن خلاصنا، وسنظل سائرين بالاتجاه الصحيح، ونقول لكم: أن أي خطر أو تعطيل من قبلكم سيوقظ فينا وفي الناس الإرادات النائمة، لأن بواعث الحياة فينا وفي المجتمع أقوى من إراداتكم الشخصية ومصالحكم".
****
بانياس سوف تتابع هذا الموضوع في تقارير قادمة، وسوف نحاول الوقوف على مختلف العقبات التي تقف بوجه تنظيم عملية التسويق والتي باتت تفرض نفسها كضرورة ملحة من الصعب الاستغناء عنها أو تجاهلها… ونرحب في هذا المجال بكافة المساهمات التي من شأنها أن تضيء على هذه القضية وتدفع بها إلى الأمام.




















