يستمر سؤال الحداثة في البلاد العربية والإسلامية بما هو في جانب أساسي منه نفي للاستبداد وإقامة الحكم الديمقراطي المستند إلى الإرادة الحقيقية والكاملة للشعوب، فبعد ما يزيد على القرن من تاريخها المعاصر، حيث شهدت كل من إيران وسوريا والعراق في العام 1906 إطلاق ما سمي بحركة المشروطية من أجل نظام دستوري وذلك في ظل واقع راهن تتكرر فيه إشكالية التعاضد نفسها بين «الاستبدادين» الديني والسياسي والمتواطئين مع الخارج من أجل تعطيل كل آليات المراقبة والمحاسبة وتحويل المواطنين مجرد رعايا وأتباع مسلوبي الإرادة من أجل نهب الثروات الطائلة لهذه البلاد.
أراد الكاتب والباحث العراقي في تاريخ الأديان والمذاهب رشيد الخيون الاحتفاء بالمناسبة، عبر إصدار مؤلفه الجديد (المشروطة والمستبدة مع كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملة») حول تاريخ الحركة وأبرز رجالاتها، في لحظة، يحتدم فيها الصراع مجدداً من أجل بناء دولة المواطنة والديمقراطية والتحرر من ربق الاستبداد، الذي يرتدي لبوس الحفاظ على الإسلام في مواجهة الديمقراطية الغربية، باعتبارها الخطر الرئيسي الذي يتهدد القيم الجوهرية للإسلام واستبدالها بقيم الحياة المادية.
يتناول الكتاب مسألة الإمامة في الإسلام أو ما عرف «بالحاكمية» التي شكلت نقطة الخلاف المركزية مع انتهاء عهد الخلفاء الراشدين وأنتج انقساماً تاريخياً حاداً داخل الصف الإسلامي بين السنة والشيعة بكل تداعياته الخطيرة على وحدة المجتمع العربي والمسلم وإراقة الكثير من الدماء تحت هذا العنوان، ويشير إلى أن بداية الفقه الشيعي كانت في القرن الثالث الهجري، أي بعد خلو الأرض من وجود إمام معصوم وبدء الغيبة الصغرى، حيث تحول الشيعة إلى ما يشبه التنظيم الحزبي المتقن والمتواصل بشكل متواز مع السلطة الزمانية المسلّم بوجودها ظاهرياً (خمس، تبرعات، قوة روحية عميقة)، إذ كانت سرية التنظيم الشيعي الإمامي قد هيأت لفكرة الغيبة واعتبارها أمراً إلهياً.
ويؤكد الدكتور الخيون أن قوة التيار الحداثي، دفعت بالحوزة الدينية في النجف إلى التحول مسرحاً للخلاف بين فريقي المشروطية والمستبدة. وأدت إلى انقسام علماء المرجعية الشيعية إلى فريقين الأول يقول بضرورة الحياة الدستورية والآخر يتشبث بنظام الحكم الاستبدادي، خشية انهيار التقاليد الدينية، خصوصاً وأن الأول حضّ وبقوة، على نقل تجربة الحكم العلماني في أوروبا واعتبر الحياة الدستورية موروثاً إسلامياً.
وكانت إرهاصات الحركة المشروطة قد ولدت في تركيا البلد الإسلامي الأول، الذي بدأ فيه الصراع بين التيارين نحو منتصف القرن الثامن عشر، أي قبل إيران بما يقارب المئة عام، والتي انفجرت داخلها لاحقاً شرارة الخلاف بين التيارين في أواسط القرن التاسع عشر، وانتهت إلى إصدار قانون 1906 الدستوري الذي كان أول تجربة للحياة الدستورية فيها، بعد أن تمت صياغة قانون للانتخابات وتشكيل برلمان وصدور دستور جرى تجميده بعد نحو السنتين من العمل به، واستكمل ذلك بإلغاء مجمل الحياة الدستورية والذي كان سبباً إضافياً لتسعير الخلاف بين فريقي المشروطة والمستبدة، وامتداده إلى داخل الحوزة الدينية في النجف يحكم الانتماء إلى نفس المذهب ووضعت رسائل عدة لصالح كل من التيارين، ووصل الصراع بينهما إلى حد تكفير كل طرف الطرف الآخر.
تشكل رسالة الشيخ الميرزا محمد حسين النائيني «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» وهو أحد أبرز مرجعيات النجف في تلك المرحلة محور الكتاب والذي يوضح من خلالها الشيخ النائيني بأنه إذا كان الإسلام قد دعا إلى الشورى بمعناها العام، بل وعرفتها العرب قبل الإسلام، فإنه لا يعني الحكم الدستوري البرلماني أي حكم الشعب، مشيراً إلى أن الثورات ضد الوالي الجائر سرعان ما تتحول إلى نوع آخر من المستبدة، وليس ما يعصم من هذا التراجع سوى تثبيت حقوق الرعية وواجبات الراعي بدستور مكتوب، مؤكداً أيضاً أنه لا يكفي لتحقيق العدل أن يكون شخص الخليفة عادلاً، حيث ذهب الكثير منهم ضحايا محاولاتهم التي انتهت إلى مصائر مأسوية.
ويحاول الكاتب قدر الإمكان إضاءة تلك الفترة من تاريخ الحركة المشروطية التي بدأت المعركة ضد الاستبداد، وجعلت الفقهاء الشيعة في أصفهان والنجف، وفقهاء السنة في مشيخة الإسلام في إستانبول على صلة في ما بينهم، من خلال الفتاوى والرسائل، الأمر الذي أدى إلى التقريب بين الطائفتين المسلمتين وتعزيز الوئام الاجتماعي بين الأرمن والمسلمين في تركيا وبين المسلمين والمسيحيين وسائر المذاهب الدينية في أنحاء الدولة العثمانية.
واستقطبت حركة المشروطية المتنورين من الأدباء والشعراء ورجال الفكر المعادين للاستبداد، على الضد من أنصار المستبدة من رجال الدين الذين كانوا يعتمدون على من يلتف حولهم من البسطاء والمنتفعين من استمرار الاستبداد، لإبقاء الأوضاع على ما هي عليه باسم «جماعة الدين» وبالرغم من تراجع الشيخ النائيني عن رسالته في المرحلة الأخيرة من حياته، تحت ضغط العوام وبغية الحفاظ على دوره كمرجع وزعامة دينية، وبفعل ما بدر من أنصار المشروطية من ممارسات قمعية تتناقض والمبادئ الأساسية للحركة، فإن الأعوام المئة المنصرمة وبفضل نضال الشعوب والتطورات على الصعيد العالمي، شهدت إصدار الدساتير في جميع البلدان العربية والإسلامية والتي بقيت في أكثريتها الساحقة، مجرد حبر على ورق يسبب قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، وإجراء الانتخابات المزيفة للمجيئ ببرلمانات مطواعة لمن بيدهم مقاليد الحكم الفعلية، وبقيت حقوق وحريات الشعوب منتهكة ومصادرة حتى اللحظة دون حسيب أو رقيب، ومما تثبت بنيوية وعمق الخلل الذي يصيب المجتمعات العربية والإسلامية حيث لن تتحقق الديمقراطية دون ديمقراطيين، ناهيك عن تأصّل الاستبداد في الشخصيتين الفردية والجماعية للمجتمعات العربية ويدخل حتى في أسلوب تعليم وتربية الأطفال بل ويسحب نفسه على الأغلبية الساحقة من المعارضات التي لا تختلف في طبيعتها الاستبدادية عن الأنظمة الحاكمة.
ويقدم الدكتور الخيون قراءة لمضمون رسالة الشيخ النائيني، الذي يحدد فيها سبب تقدم أوروبا بالتعلم ورفع الحاجز الديني وتخلف المسلمين بترك العلم والخضوع لهيمنة الحكام ورجال الدين المستبدين مؤكداً أن سياسات الديمقراطية في أوروبا هي من صلب الإسلام بل أن الإسلام نفسه يتعارض مع الفكر الاستبدادي، وأشار إلى وجوب وجود السلطة السياسية وأباحها في زمن غياب الإمام المهدي شرط المحاسبة والمراقبة كأحد أهم أركان المشروطية واعتبار الدستور يملك قوة رسائل الفقهاء في الحفظ والتنظيم، وليس تسخير الرعية كالعبيد، حيث يجب أن لا تقتصر المشاورة على البطانة بل تشمل كل المتصدين للشأن السياسي، كما يعتبر الفساد رأس الاستبداد وخصوصاً الديني منه لأنه يسيطر على القلوب.
تبقى السمة الأهم لرسالة الشيخ النائيني طابعها الفكري المتكامل، الذي يتجاوز كل ما سبقه على هذا الصعيد لدى رجال الدين المسلمين، بما فيهم العلامة الكواكبي الذي تحدث عن الشورى والعدل فقط وليس الدستور بمعناه الكامل والحقيقي، بل وبدت الرسالة استعادة للتاريخ العربي والإسلامي منذ القرن الثالث الهجري وكل إرث السِجال بين المعتزلة والحنابلة ثم الأشاعرة والحنابلة والعلاقة بين العقل والنقل بل والهزيمة التي كانت تلحق دائماً بالخيار الفكري المتنوّر الذي يبقى داخل إطار النخبة دون أن يتحول إلى خيار عام يطاول الأغلبية الساحقة من الأفراد في المجتمعات العربية والإسلامية، بما يضمن قطع دابر الاستبداد بكل أشكاله داخل هذه المجتمعات التي يبقى التحدي الأساس أمامها اللحاق بركب التطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يشهده العالم في دوله ومجتمعاته المتقدمة.
وحسناً فعل الدكتور الخيون عندما ضمّن كتابه النص الكامل لرسالة الشيخ النائيني وتأييد الشيخين الخراساني والمازندراني لما ورد فيها، مع التقديم القيّم الذي أعده المرحوم آية الله السيد محمود الطالقاني وهو الشخصية الهامة في بداية الثورة الإيرانية واشتهر بين الناس بلقب أبي ذر الثورة الإسلامية فيها، وكانت وفاته عام 1979 والثورة في بدايتها خسارة كبيرة للفكر الإسلامي المتنوّر.
[ الكتاب: المشروطة والمستبدة مع كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملَّة»
[ المؤلف: د. رشيد الخيُّون
[ الناشر: معهد الدراسات الاستراتيجية، بغداد بيروت
"المستقبل"




















