> الأحد 9/11/2008: رجل منظّم
تبالغ في نظام يحكم حياتك (هل يحفظ حياتك؟)، وتحسب الأمور بدقة مثل صيرفي يتجرد من العواطف عند باب المكتب.
وخلف مظهرك الدقيق وحركتك المنظمة يكمن طفل تحتفل به وحدك ليعوّضك عن التمرد والقفز فوق النظام، فللطفل فيك أن يقوم بالضلالات لاعباً بالحدود ساخراً من الجدية ومسقطاً عن الأشياء هالاتها. كل كبير يصغر أمام الطفولة، وكل مأثور تحوله مادة للعب، وتُدخل كل قول في الغناء.
إنها الطفولة تعيد الأشياء الى بساطتها والقصور الى بيوت متواضعة والأبراج الى أشجار وظلال.
وأنتَ لن تعرف القلق لأنك قررت وكنت أميناً لقرارك، ولسوف تفوتك الكتابة المتعثرة كما يفوتك الصمت حين يكون عيّاً عن الكلام لا قراراً بوقف الكلام.
الطفولة في دخيلتك، والنظام، نظامك، يحكم حركة حياتك المعلنة، حاضراً في الاسترخاء والغضب، في الحب والخيانة. ولكن، كيف تسمح للنظام بالحضور أمام هذا الذي ينتظرك وينتظرنا في أوّل النفق؟
(يقول إننا في آخر النفق ندخل ضياءه من دون أن ندري، فالعينان وما ألفتا والعقل وما يحدّ).
كيف يستمر النظام في تلك البرهة الفاصلة بين الحياة والموت؟
كيف لا تتنصل منه وتعلن الطفولة فيك، تعلنها حقيقتك الوحيدة وفوضاك الأثيرة؟
> الاثنين 10/11/2008: طبيعة
للتراب لم تداخله الكيمياء ولا دخان المعادن.
لنظافة النبات طرياً ويابساً، وللشوك المتشيطن نظيفاً أيضاً.
والهواء هناك لا نتنفسه مرتين، قبل أميال، قبل دقائق، لا ندريها المسافات.
الذاكرة وحدها تقرّب الأحباب وتجعل الشوق مستجاباً.
– لذلك الجبل وقمته القرعاء، حيث حطام الفخار عالياً وما كان سكناً في ماض غامض، يتسلل النبات لكنه يعجز عن تغطية الماضي.
النبات العابر لا يشهد للزمن، وحدها الحجارة تشهد وحطام الفخار وجواهر كانت وسرقوها.
– لتلك الفتوة والأناقة وخطوات الصياد الواثقة.
وللجميلة عند فم الوادي يلوّح شعرها الهواء وتفرح في الانتظار ضاحكة لمشهد البندقية في هذا الأمان الغامر.
البندقية عذر الحبيب، وليست لقتل الطير هناك في هدأة للحب ولاحتفال الطبيعة بالطبيعة.
> الثلثاء 11/11/2008: مدينة نزار قباني
في عدد صيف وخريف 2008 من «إضافات – المجلة العربية لعلم الاجتماع» دراسة لمحمد علي الأتاسي في عنوان «تمرين سوسيولوجي في فهم ولادة شاعر: نزار قباني ودمــشق الأربعينات». ويدرج الكاتب شعر قباني في الثمار الناضجة لفترة ما بين الحربين العالميتين في سورية، إذ كانت تلك الفترة معبراً من النظام العثماني الى الحياة الحديثة، ومما جاء في الدراسة:
«المحرك الحقيقي الذي ولدت من معينه أشعار قباني أو غيره من الشعراء المجددين، لا يوجد داخل تركيبة الأعمال الأدبية نفسها. لكنه، كما يبين بيير بورديو، يندرج في علاقة القوة الرمزية، وفي الصراع بين أولئك الذين من خلال موقع القوة الذي يشغلونه (موقتاً) داخل الحقل يكونون مدفوعين الى المحافظة على النظام الرمزي القائم، وبين أولئك النازعين الى القطيعة مع المألوف والى نقد النماذج السائدة وتجاوزها، بعبارة أخرى إنه «الصراع بين أولئك الذين لكي يجدوا لأنفسهم مكاناً في التاريخ يحتاجون الى أن يرسلوا الى الماضي من سبقهم الى تبوؤ هذا المكان، أي كل أولئك الذين لهم مصلحة في إيقاف الزمن على ما هو عليه».
لكن الزمن يستمر في الحراك، ويستمر معه أفول أجيال وظهور أجيال جديدة وإنتاج أدبي مغاير. وإذا نظرنا الى جيل قباني في دمشق نجد أنه لم يكن وحده في هذا المسار، بل كانت هناك مجموعة من القادمين الجدد الذين تجمعهم أمور كثيرة، وتفرق واحدهم عن الآخر اختلافات عدة. فقد كان معظمهم من أصول مدينية متوسطة، ومن خريجي المدارس الحديثة، وعلى احتكاك واسع بالثقافة الفرنسية وبباكورة الشعر العربي الحديث عموماً، والشعر اللبناني الحديث خصوصاً.
(…) لم يكن يخفى على قباني منذ البداية ما ستخلفه قصائده من ردود فعل عنيفة وكان يقول: «أنا مجنون في منطقهم لأنني حملت المطر الى المدينة التي نسيتها الأمطار». لكنه، كان يعرف كذلك، أنه ليس وحيداً في تمرده وأنه يستطيع الاعتماد، إذا لم يكن على دعم، فعلى الأقل على تواطؤ كل نظرائه من الأدباء اليافعين الذين كانوا يريدون بدورهم أن يجدوا لأنفسهم مكاناً في الحقل الأدبي الناشئ.
(…) وإذا كانت قصيدة «خبز وحشيش وقمر» التي نشرت في العام 1954، أثارت عاصفة من النقد، ونوقشت في البرلمان السوري، حيث طالب الكثير من النواب بطرد الشاعر من السلك الديبلوماسي باسم الكرامة الوطنية، وبحجة تجرؤه على الممارسات الدينية للشرائح الشعبية، فإن النقد لم يأته فقط من الوسط المحافظ، بل أيضاً من أتباع الأدب الاجتماعي، وسيكتب رئيف الخوري في مجلة «الآداب»، وهو من أوائل الماركسيين العرب، مقالاً رداً على قصيدة «الى أجيرة»، يورد فيه جملاً تذكّرنا بردّ الشيخ علي الطنطاوي على قصائد قباني الأولى: «إن في هذا الشعر حطة لا تدانى، وما أدري أيهما كان أحط: المرأة التي أسلمت جمالها وجسدها للعبث وباعت نفسها، أم الشاعر الذي شهد على نفسه بأنه اشترى امرأة بماله ثم راح يقول انظروا أيّ عربيد أنا»؟
> الأربعاء 12/11/2008: بلا تشهير
– أوج العطاء هو أوج العوَز. ربما، أو هكذا يُظَنّ.
ربما، أو هكذا يحدث لكثيرين، لا العائلة تحضنهم ولا الدولة، ولا أغنياء يبذلون المال بعيداً.
– كاتب عربي في مدينة أوروبية، لم ينجح في وطنه الأم ولا في وطن الاغتراب.
غير ناجح، لكنه خصص معظم عمره للقراءة والكتابة لا للتجارة. كاتب مهدد بشيخوخة تعيسة، وبالضرورة خارج وطنه الأم، لسبب وحيد، أنه يستطيع القيام بأود نفسه من المساعدة الاجتماعية في وطنه البديل البعيد.
– كاتب لم يتدبر أمر شيخوخته، كان ولا يزال يحس بأنه فتى في مقتبل العمر يحلم بالمستقبل ويخطط له.
– من يحصي هؤلاء الكتّاب، ومن دون تشهير بأسمائهم؟
> الخميس 13/11/2008: حوار الأديان
مؤتمر حوار الأديان والثقافات في الأمم المتحدة هو الخطوة الثالثة في مسار تصاعدي بادر إليه ورعاه وشارك فيه الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في مكة ثم في مدريد والآن في نيويورك.
هكذا تفتح القيادة السعودية الستار على المشكلة الأبرز في الأفكار السائدة في عالمنا اليوم، مشكلة الجهل المتبادل (أو التجاهل المتبادل) بين أصحاب الديانات والمعتقدات الكبرى، فالجهل هو السبيل الى زرع سموم التعصب للذات والتحامل على الآخر، وتجد هذه السموم في بيئات العالم من دون استثناء، وهي تؤدي الى ما نشهد من قتل وتفجير للذات والآخر بدعوى الدفاع عن العقيدة.
ويعاني أتباع العقائد من خلط بين التاريخي واللاتاريخي، فالإيمان بما هو عبادة وتعاليم ووصايا تتعلق بسلوك الإنسان وتعامله مع الآخر، يدخل في باب اللاتاريخي ويصلح في أي زمان ومكان، لأنه شأن مبدئي، أما التاريخي المتصل بوقائع المراحل الأولى لنشوء أي دين أو أي عقيدة، فينبغي النظر إليه في سياقه والاستفادة منه كعبرة نقيس عليها وليس كشأن إيماني متصل بأصول العقيدة.
وفي هذا المجال التاريخي يلعب الذين يسيّسون الأديان أو يعسكرونها فيرسمون جبهات فارضين القداسة في جانب والباطل في جانب آخر، وهم ينسبون الى فروضهم الشخصية صلة بالإيمان.
وهناك علاقة بين عسكرة الدين وثقافة أولئك الذين يؤسسون العسكرة ويتعهدونها، فهم يضفون من ثقافة مجتمعهم قيماً على التعاليم الدينية تكاد تطغى عليها، فكأنهم يحتلون الدين الموجه الى الإنسان في كل مكان ويصبغونه بصبغتهم المحلية أو القومية. هذا التصرف يسيء الى الدين كما الى المتدينين الذين يشعرون بحرج عندما يرون اخوتهم في الإيمان يتصرفون بطريقة غير إنسانية لا تليق، على الأقل، بإيمانهم.
مؤتمر حوار الأديان يحتمل أفكاراً عملية كثيرة، ربما توضع في خدمة الأمانة العامة، إذا أنشئت. ونتمنى إنشاءها في لبنان الذي هو مختبر حوار الأديان والثقافات منذ حوالى 160 سنة، أي منذ الصراع الأهلي الأول في جبل لبنان عام 1844.
"الحياة"




















