رام الله- من محمد هواش:
لم تنجح كل الجهود المصرية خلال جولات الحوار الست التي رعتها القاهرة بين الأفرقاء الفلسطينيين في كسر حلقة الانقسام الداخلي الفلسطيني، كما انها لم تنجح في إبدال إطار الحوار الراهن من رعاية مصرية أحادية الى رعاية عربية جماعية، على غرار تسوية الطائف اللبنانية. لكن مصر نجحت حتى الان في صد محاولات نقل غزة وعبئها الى مصر لأضعاف مكانتها الاقليمية، ونجحت كذلك في إبقاء غزة جزءاً من القضية الفلسطينية، حتى وان كانت ظلال المحاور الاقليمية قوية في حضورها وتأثيرها وتداعياتها في اللعبة السياسية وعلى اللعبة كلها أيضاً. وربما يكون لغبار المعارك السياسية التي أثارتها الانتخابات الايرانية الأخيرة الحضور الأبرز على طاولة حوار القاهرة، وقدرة على إخفاء ملامح هذا الحضور بسبب حساسية المعركة والتعبير عن تداعياتها العربية، لاسيما وان شائعات (شائعات؟ ربما) سرت عن مشاركة افراد من حركة "حماس" في قمع الايرانيين الذي احتجوا على نتائج الانتخابات الرئاسية في بلادهم.
مصر اقترحت تسويات عدة على الفلسطينيين حتى وصلت اخيراً الى تسوية تبقي على حكومة رئيس الوزراء المقال اسماعيل هنية في غزة مع سعي الى اعتراف موارب من السلطة الفلسطينية الرسمية بهذه الحكومة لغرض اعادة اعمار غزة وتنسيق المساعدات الدولية وايصالها بصورة أو بأخرى الى حركة "حماس" تحت بند اعادة اعمار غزة. بينما تريد "حماس" ان تكون هذه العملية مقدمة لاستعادة سيطرتها على النظام السياسي الفلسطيني برمته ومد سلطة حكومتها من غزة الى رام الله، وذلك من خلال موافقتها على المبدأ شرط ان تكون العملية متدرجة، وبدل ان تستعد لانتخابات مطلع 2010 اقترحت مدة سنتين لانجاز مصالحة تشرف حكومة هنية خلالها على اعادة اعمار غزة مع لجنة التنسيق الفصائلية المقترحة. وزادت أكثر فطلبت التمديد للمجلس التشريعي الحالي 4 سنوات اخرى وأبدت استعداداً لتمديد ولاية الرئيس محمود عباس 4 سنوات اذا وافق على التمديد للمجلس التشريعي.
وقد أعلن عدد من قياديي الحركة ذلك في مجالس العائلات في غزة وفي مداولات ثنائية وفي تصريحات علنية لمسؤولين من "حماس" وفي قنوات الحوار ايضاً، مترافقاً مع حل مشاكل الحصار والاعمار شرطاً لقبول مصالحة، مع ان الحديث علناً يدور عن مصالحة لإنهاء الانقسام وتأليف حكومة توافق وطنية تعد لانتخابات تشريعة ورئاسية في موعدها الدستوري.
تجديد إعلان رئيس المكتب السياسي لـ "حماس" خالد مشعل موافقته على اقامة دولة على حدود عام 1967، كان وضع اساساً سياسياً قوياً للمصالحة، ولتمرير شرعية عربية ودولية ما بحكومة "حماس" في غزة الى جانب الحكومة الرسمية للسلطة في رام الله ريثما يتم التوصل الى اتفاق على تأليف حكومة فلسطينية واحدة .
مع ذلك، هيمن موضوع الاعتقالات على الحوار الثنائي بين "فتح" و"حماس"، مع ان وتيرة الاعتقالات زادت في الضفة وغزة، وثمة قاعدة قانونية واضحة للاعتقالات في الضفة تقوم على أساس ان برنامج الحكومة الفلسطينية يخلو الآن من أي مواجهة عسكرية مع اسرائيل ويحصر استخدام السلاح في يد الأجهزة الأمنية الرسمية فقط، ويركز برنامج هذه الحكومة على استراتيجية تنمية للمواطن الفلسطيني المستهدف بالاستيطان ومصادرة أرضه وتهميشه الاقتصادي والسياسي تمهيداً لفرض تسوية اسرائيلية للقضية الفلسطينية ، والاعتقالات في الضفة تستهدف من يعارض هذه السياسة بأعمال عنف أو بالتخطيط لها أو بتمويلها، في الوقت الذي زادت وتيرة الاعتقالات في غزة لفلسطينيين تتهمهم "حماس" بـ"التخابر مع رام الله". وهذا يعني الكثير، خصوصاً بعدما اتهم هنية في خطبة الجمعة (3 تموز) السلطة الفلسطينية بأنها ترتهن لاسرائيل، وان الحوار فشل بسبب هذا الارتهان. وهو تصعيد يحمل في طياته الكثير من غبار معركة طهران الانتخابية، لأن المنحى السياسي لقيادة الحركة هو محاكاة سلوك السلطة الفلسطينية برئاسة عباس في ما يتعلق بالمواقف السياسية، وكذلك في ما يتعلق بطلب مشعل التفاوض مع ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما، واشارات مشابهة صدرت من القيادي في الحركة محمود الزهار الذي طالب اسرائيل بالتفاوض مع "حماس" واصدار فتاوى في غزة تجيز الحوار مع اسرائيل اذا كان عنوانه "حماس ". ولا يمكن فهم تغليب حل ملف الاعتقالات في الضفة على خلافه من المواضيع السياسية. وبالطبع، فان اعتقال عشرات أو مئات من غزة والضفة على أي من القاعدتين ليس أكثر أهمية من وحدة الفلسطينيين وانهاء كل مظاهر الانقسام . فالمنطق يقول إن التوصل الى اتفاق سياسي على نظام سياسي واحد وحكومة واحدة وبرنامج عمل واحد وتعددية سياسية، يحل مشكلة الاعتقالات بصورة آلية، في حين ان حل مشكلة الاعتقالات بمعزل عن حل سياسي لا يوصل الى أي مكان، باستثناء المزيد من البلبلة والفوضى. ولكن في الشرق العربي لا يفسر المنطق كل شيء، ولا أبسط الظواهر والفروق بين زيتون اسود وزيتون اخضر.
والحوار الذي ترعاه القاهرة لإنهاء الخلافات السياسية بين الفلسطينيين يقفز فوق حقيقة وجود صراع عميق على السلطة وعلى القرار السياسي الفلسطيني بين الفلسطينيين انفسهم وبين الافرقاء الاقليميين تحاول القاهرة صوغ تسوية له يمهد لادارة معركة ديبلوماسية مع واشنطن وتل أبيب وفي الحلبة الدولية لاطلاق مفاوضات بهدف اقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل وارساء نظام امن اقليمي.
مصر بادرت الى هذه الحوار قبل ظهور مواقف اميركية جديدة، وأرادتها اليوم لصنع تسوية بين الفلسطينيين تحمل في طياتها أكثر من مبرر لمواصلة رعايتها للحوار، الأول ترتيب أوراق عربية قبل أي قرار او مبادرة اميركية حيال السلام الاقليمي. لكن اكثرها أهمية أن مكانتها لا تسمح لها بخسارة هذه المعركة. وهو أمر في وضوح الاخضر من الاسود في الزيتون وفي المنطق وغيابه.
"النهار"




















