وسط مناخات التهدئة واجواء المصالحة واستئناف جلسات الحوار، كان اللافت الاطلالة عبر شاشة التلفزيون السوري لمجموعة تدعّي انتماءها الى ما يسمى منظمة «فتح الاسلام»، من بينها ابنة شاكر العبسي التي سبق وقدمت عقب انتهاء حرب البارد، افادة كاذبة عن جثة ادعت انها تعود لوالدها، وها هي اليوم تظهر على شاشة التلفزيون السوري معترفة مع رفاق لها بارتكاب التفجيرات الارهابية التي حصلت في شمال لبنان وداخل سوريا بعلم وتوجيه مسؤولين من تيار المستقبل، وذلك بعدما كانت قد اختفت من مسجد الارقم لفترة دامت اكثر من سنة.
في الواقع، تذكّر الاعترافات المعروضة على شاشة التلفزيون السوري بمسلسل كثير الحلقات عن انجازات «العقل الامني» السوري في مجال فبركة الاضاليل وتركيب الافلام الامنية والمقالب البوليسية. والارث السوري في هذا «الباع» تحفل فيه يوميات زمن الوصاية المباشرة على لبنان، و»ماورائيات» الاستحقاقات الكبرى في المرحلة التي تلتها اي عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري واضطرار اجهزة الوصاية الى الانسحاب «العلني» بنتيجة الضغوطات التي مورست عليها محليا وعربيا ودوليا.
المهارة في فبركة الاعترافات امتياز قد لا يوجد من يستطيع مجاراة او منافسة الاجهزة السورية في ممارستها لهذا «الفن» الذي تعج جعبة هذه الاجهزة بـ»اعاجيبه». فسلسلة الاعاجيب هذه تمتد من فترة الدخول السوري الى لبنان في عام 76 ولا يبدو ان حلقة الاعترافات الاخيرة ستكون آخر عجائب هذه الاجهزة.
نموذج مثلث ابوعدس وهسام هسام ووفاء العبسي يخفي وراءه مثلثات ومربعات شبيهة كثيرة. والعقل الامني الذي فبرك قضية كنيسة سيدة النجاة وادخل سمير جعجع السجن هو نفس العقل الذي دبر قضية 7 آب عام 2000، ولفق التسجيلات الصوتية عن العلاقة والاتصال باسرائيل، مودعا العشرات من الشباب المسيحي الزنازين واقبية التعذيب. وهذا «العقل الامني» هو نفسه العقل الذي مازال يضع وراء القضبان رموز ربيع دمشق امثال الكاتب ميشال كيلو والدكتورة فداء حوراني وكثيرين آخرين، وهو العقل ذاته الذي ارتكب مجزرة سجن صيدنايا واوقع عشرات الضحايا بين المعتقلين الذين ما زالت عائلاتهم حتى الساعة تسأل عن مصيرهم من دون اية نتيجة.
الاعترافات المعروضة نسخة مكررة، «منقحة ومزيدة» عن اعترافات كثيرة من دون محاكمات عادلة او شاشات واذاعات. اعترافات معروضة للبيع او المقايضة في بازار البحث عن مخارج للحل مع اسرائيل والرغبة في الحديث مع اميركا والتقرب اكثر فاكثر من الاوروبيين تحت شعار الحرب على الاصولية والارهاب. اعترافات القصد منها تحويل الجلاد الى ضحية والضحية الى الجلاد في وقت باتت فيه المحكمة الدولية على الابواب.
الغريب في امر الاعترافات المعروضة على شاشات التلفزة السورية هو ان هذه «القنبلة الاعلامية» تاتي في مرحلة اعتقد اللبنانيون ومعهم كثر في العالم العربي والمجتمع الدولي، ان ثمة علاقة بناءة وايجابية قد بدات تتكون بين لبنان وسوريا اثر الزيارة التي قام بها الرئيس ميشال سليمان الى سوريا وبعده الوزير صلوخ والاعلان الرسمي عن التبادل الديبلوماسي بين البلدين الشقيقين.
فمن منطلق الاعلان عن بدء العلاقات الديبلوماسية والتوجه الحثيث الذي ابداه الجانبان اللبناني والسوري لتطبيع العلاقة بين البلدين وفتح صفحة جديدة على اسس متوازنة صحيحة ومتينة، كان اولى بالجانب السوري في حال كانت النوايا حسنة والاعترافات صحيحة، اطلاع الجانب اللبناني على سير وتفاصيل التحقيقات، لاسيما وان الاعترافات المعروضة تمس لبنان وامنه مباشرة وتتناول جهات لبنانية بشكل واضح وصريح.
ومن التساؤلات بشان الاعترافات المعروضة ايضا، استباق الجانب السوري الزيارة المقررة لوزير الداخلية زياد بارود بناء على الدعوة التي وجهت اليه من الجانب السوري عبر امين عام المجلس الاعلى اللبناني السوري، نصري خوري، والسماح ببث الاعترافات قبل وصوله، وهو الامر الذي اوحى بتقصّد الجانب السوري احراج الوزير اللبناني وتفريغ زيارته من مضمونها لاسيما وان مسألة الاعترافات تعتبر جزءا من الملف الامني الذي حمله الوزير بارود الى دمشق. ولا شك ان هذا التزامن بين زيارة وزير الداخلية والاعترفات المتلفزة يذكر بظروف وتزامن الزيارة الاولى للرئيس ميشال سليمان الى دمشق مع حدوث انفجار طرابلس ضد عناصر الجيش.
شعورعميق لدى فئات واسعة من اللبنانيين تعتبر الاعترافات المعروضة طبعة جديدة، منقحّة ومزيدة من طبعات السلوك السوري الهادف الى التخلص من عبء المحكمة الدولية واعادة فرض الهيمنة والقبض على شتى مفاصل الحياة السياسية والامنية في لبنان. واذا كانت حلقة الاعترافات المعروضة لم تفاجئ معظم اللبنانيين بالسلوك السوري المعروف، فان هذه الاعترافات المعروضة للبيع والمقايضة او الاستثمار في الداخل والخارج، ادت من دون شك الى تقليص وتحجيم الامال التي ظهرت مؤخرا بامكانية تحسين النظام في سوريا لسلوكه ونواياه تجاه لبنان واللبنانيين.
() أستاذ في الاعلام
"المستقبل"




















