في فهم "المصطلح"
يعود أصل كلمة المواطَنة إلى اللاتينية وكان يشار إليها بمفردة civitas، وتغطي ثلاثة مفاهيم:1) المواطنة، حقوق المواطن وحقوق المدينة "الدولة"؛ 2) مجموعة المواطنين الذين يؤسسون مدينة أو دولة؛ 3) الإقليم الذي تشغله هذه الجماعة أو مجموعة المواطنين. أما المواطن فينتمي إلى غايات، أهداف وقوانين الدولة وهو انتماء يعطيه حقوقا ويملي عليه واجبات. بالعودة السريعة إلى اليونان القديم نجد مفهوم المواطنة مرتبط "بالمدينة أو السياسة" ( إذا أردنا العودة لأصل كلمة "سياسة" فإننا سننتهي إلى معناها الحقيقي وهو المدينة)؛ وهي المدينة التي تضم مجموعة المواطنين والقوانين المؤسسة لهذه المجموعة. والديمقراطية الأثينية في القرن الخامس قبل الميلاد هي تعبير مباشر لمجتمع المواطنين، وأفضلهم يقرر الشؤون المتعلقة "بالدولة": الحرب، السلم، الاقتصاد، البنية التحتية، الاتفاقيات الخارجية والقوانين.
في روما الجمهورية استند مفهوم المساواة إلى حالة قانونية خالصة في مجتمع ليس ديمقراطي بل تسيطر عليه نخبة معينة. أما نوعية المواطن فكان لها صفات خاصة مع ذلك شملت عددا كبيرا من الجمهورية. وممارسة المواطنة تم اختزالها في احترام القانون واستناد إلى القدرات التي يمكن أن يقدمها المواطن في المشاركة لبناء الجمهورية، وأخيرا إلى موقع وقوة المجموعات "الطبقات" الاجتماعية. وستستمر هذه المفاهيم السابقة لفترة طويلة جدا، ولن يتطور المفهوم الحديث للمواطنة إلى مع الثورة الأمريكية ومن ثم الفرنسية. ولكنها ثورات لم تأت فجأة، بل تعود في مرجعيتها الفكرية إلى: ترجمة كتاب أرسطو "السياسة"، تعليم القانون الروماني في الجامعات، تطور طبيعة النشاط الاقتصادي والجدل حول مفهوم الحريات الجديدة.
بشكل عام، المواطنة في هذا التراث الفكري المتراكم لم تكن، فقط، تعبيرا عن حقوق وواجبات أو حرية يتمتع بها الفرد، بل أيضا ممارسة لقيم مشتركة حتى ولو كانت خاضعة للجدل والتناقض. إذا المواطنة "تفترض عقدا اجتماعيا يربط المواطنين بحياة جماعية مشتركة" (كما يرى جان جاك روسو في "عقده الاجتماعي"). بالإضافة لذلك، لن يكون لمفهوم المواطنة إمكانية للتطبيق من غير ضمان ممارستها وبأشكال مختلفة وفق الزمان و المكان: الديمقراطية المباشرة في اليونان القديم، سن القوانين في روما، الحقوق الفردية والاجتماعية مع الثورات، كالأمريكية و الفرنسية. المواطنة اليوم هي إنتاج للصراع الفكري وممارسته العملية الممتدة من قبل الميلاد ،وليست أفكارا دينية أو وضعية نعبدها ونقدسها ثم نرفض تطبيقها؛ وهي قيم مشتركة بين الشعوب التي ترتقي بالإنسان وهو على الأرض، ولا تبني له مجدا مجهولا غيبيا ورثه ولم يشارك في صنعه وممارسته. هذه الممارسة للمواطنة والتي سنقسّمها إلى ثلاثة أشكال.
المواطنة السياسية
وتقوم على قاعدتين أساسيتين: ما تتضمنه من محتوى قانوني و ما يتعلق بالجنسية. بالنسبة للمحتوى القانوني فإننا نعني به الحقوق المدنية .هذه الحقوق حصل عليها الفرد بعد صراع طويل مع "ممثلي" الله على الأرض وتذخر بهم كافة الأديان، والمتسلطين على رقاب شعوبهم من ملوك وزعماء، ولم يبق من هؤلاء الكثير. طبعا يجب أن نميز بشكل دقيق بين ما نسميه حقوق الإنسان وحقوق المواطن (وسيكون التمييز موضوعا لمقال آخر). بالنسبة للحقوق المدنية فإنه من حق المواطنين المشاركة شخصيا أو عبر ممثلين لهم بوضع القوانين، أيضا تكفل هذه الحقوق حرية الرأي بكل أشكاله بما فيه الديني، وتضمن حرية الكلام، الكتابة، الطباعة والملكية الخاصة..الخ. أما ما يتعلق بالجنسية فإن الصفة الأكثر وضوحا للمواطنة هنا هي حق الاقتراع والترشح لجميع أشكال الانتخابات في حالة حصول الفرد على جنسية البلد الذي يعيش فيه (وهو حق يختلف من دولة لأخرى حتى في الأنظمة الديمقراطية). بمعنى آخر، الجنسية ليست فقط من حقوق الإنسان، بل تمتلك أيضا قيما محددة لا يوجد إجماع عالمي عليها. إذا ليس كل من يحمل الجنسية هو مواطن وهذه صفة متجذرة في المجتمعات العربية (يعني ما يسمون "البدون" في دولة عربية عليهم أن يعرفوا أن معظم الشعب العربي هو "بدون"). فإذا كان بعض رجال الدين (العلماء) يرفضون وجودك في مجتمعهم فقط لأنك لست من طائفتهم، فكيف ومن أي منطلق يمكننا الحديث عن مواطنة في داخل هذا الجحيم والاستبداد ذي الرأسين ديني/سياسي!.
المواطنة الاقتصادية
لا يمكن للسياسة أن تحتكر مفهوم المواطنة والحقوق المتعلقة بها لأن المواطنة تتضمن كل جوانب حياتنا في المجتمع. بمعنى آخر، السياسة الاقتصادية التي تتبعها الدولة لها تأثير كبير على ممارسة المواطنة. فالفقر و البطالة أو العيش في قاع وعلى هامش المجتمع هو تدمير منهجي للمواطنة التي يجب أن يتمتع بها الفرد، ويؤدي ذلك إلى تفكك التضامن الاجتماعي ونشوء أجيال أقرب للقطعان منها إلى الإنسان/المواطن لاسيما عندما يفتقد هذا الأخير أسباب حصوله على التعليم، العمل، الصحة..الخ. أيضا التعبير الاقتصادي عن المواطنة يأتي من خلال الحق في تأسيس نقابات وجمعيات أهلية تدافع عن حقوق العمال والموظفين في جميع ميادين النشاط الاقتصادي؛ لكن ليست كتلك النقابات الموجدة في العالم العربي والتي تشكل ذراعا من أذرع استبداد الجمهوريات، الممالك و الجملوكيات.
المواطنة الاجتماعية
يرى العديد من القانونيين أن مفهوم المواطنة الاجتماعية ناتج أو متطور من الشكلين السابقين لها، أي السياسي والاقتصادي. وهذا يدعونا لطرح السؤال التالي: ما هو مفهوم المواطنة عند إنسان يعاني الحرمان والإقصاء، ليس له الحد الأدنى من الضمان الصحي أو من شروط الحياة الكريمة؟ هذا الإنسان مستعد لفعل أي شيء دون سقف للتوقعات، فهو لا يمتلك أي شعور بالانتماء للجماعة أو أنه يعيش في دولة تعطيه صفة المواطن، إنه رقم لا يتم عده إلا في حالة الموت. مع ذلك، لا بد من الانتباه على عدم التركيز فقط على المواطنة الاجتماعية، لأن هذا التركيز وحيد الجانب ربما يفرّغ المواطنة من محتواها السياسي. فالمواطنة الاجتماعية هي الحد الأدنى من المواطنة التي يمكن أن يحصل عليه الفرد في دولة القانون وليس دولة العصابات.
إذن، المواطنة مفهوم غير قابل للتجزئة، والحقوق السياسية، الاقتصادية والاجتماعية تتكامل وعندما يحصل الفرد عليها مجتمعة يمكن أن نسميه مواطنا، وإلاّ فهو ربع أو نصف مواطن أو أنه مواطن على الورق ومن ورق. أخيرا، لا بد من التأكيد على أن المواطنة ليست هي العيش في مجتمع أو دولة وفق القوانين السائدة أو هي، فقط، حقوق وواجبات الفرد. بل هي الانتماء لقيمٍ، يمكن أن تكون متناقضة، ولكنها تشكل مرجعيات كبرى لمجتمع من المواطنين وليس الرعايا. هذه القيم تختلف من أمة لأخرى وتتطور عبر الزمن، لكن بشرط أن تكون قيما ديناميكية قابلة للتطور وليست جامدة أوفاقدة للحياة. إن المواطنة في بلاد العرب تحتاج إلى مجهر للبحث عنها أو حتى على شكل واحد من الأشكال التي ذكرناها.
* خاص بموقع "العربية.نت"




















