قرأت مقالاً رائعاً للبروفيسور ديفيد ليفينغستون بعنوان (لماذا نُحب الطغاة) ترجمه ترجمة رائعة الكاتب المبدع المتخصص في الشأن التركي الأرمني: كيفورك خاتون وانيس.
ويطرح البروفيسور سؤالاً مهماً: لماذا رحب الناس بالطغاة والقادة المستبدين عبر التاريخ ؟
المقال رائع وفيه تحليل نفسي عميق للأنظمة الديكتاتورية وللديكتاتور حيث يشرح الأفكار الهامة.
أولاً: لكي تنجح الدعاية السياسية يجب على مُروجيها أن يُحدثوا شعوراً بالعجز في جمهورهم ( السُم ) ثم يقدمون لهم حلاً ( الكعكة) ثانياً: تحديد أقلية أو مجموعة من الغرباء المُتسببين في معاناة الشعب (أي الأشرار) يضطهدوننا من الخارج أو ينهشوننا من الداخل . ثالثاً : تقديم علاج هوسي لمخاوف العجز عند الناس.
لكن ما يهمني فيما سأكتب موقف عظام المثقفين المؤيدين لأنظمة ديكتاتورية أوغلت في القتل والإجرام والتأييد والإعجاب الكبير بشخصية الديكتاتور !!!
الدفاع عن العدالة والحرية
المفروض ومن البديهي أن الكاتب المبدع المُخلص يجب أن تكون رسالته في كتاباته وإبداعه الدفاع عن العدالة والحرية والمساواة، أن يكون صوت من لا صوت لهم وأن يكون ضمير شعبه. وسأعطي بعض الأمثلة لكبار المثقفين الذين أعجبوا بديكتاتوريين.
الفيلسوف الوجودي الكبير سارتر الذي رفض جائزة نوبل للآداب كان من أشد المُعجبين بالديكتاتور ستالين، وكان إعجاب سارتر بستالين سبب شرخ كبير بين ألبير كامو (المثقف الوجودي الحاصل على جائزة نوبل) بل أنهما كانا يكرهان بعضهما لأن ألبير كامو كان يجد ستالين سفاحاً قتل الملايين، وكان جوهر الخلاف بين سارتر وكامو أن سارتر يؤمن أن العدالة أهم من الحرية أما كامو فكان يُقدس الحرية.
وفي رأيي لا يجب أن يكون أي تعارض بين مفهومي العدالة والحرية. موقف سارتر من ستالين وإعجابه به يحبط ويؤلم قراءه الذين ينتظرون منه أن يكون ضد الديكتاتور ستالين وأن يدافع عن المظلومين.
والغريب أن من كتب مسرحية رائعة (الذباب) أي سارتر حيث موضوعها تمرد الإنسان على الله ( الوجودية الملحدة ) لا يجد تناقضاً صارخاً بين أن يتمرد الإنسان على سلطة الله ، ويعتبر الله يحد من حرية الإنسان وبين إعجابه الكبير بسفاح مثل ستالين!!
برنارد شو المبُدع العبقري كان بدوره مُعجباً بستالين!
فلاسفة العصر الحديث
هايدغر أهم فلاسفة العصر الحديث كان شديد الإعجاب بهتلر، بيتر هاندكه الكاتب النمساوي الذي يعيش في باريس والذي حصل على جائزة نوبل كان معجباً لحد التقديس بميلوشيفيتس ملك المجازر التي ارتكبها في كرواتيا والبوسنة وكوسوفو بل كان بيتر هاندكة يغض النظر عن تلك المجازر. وكتابه ( العدالة لصربيا ) هو دفاع عن ميلوشيفيتس ودعم للقومية الصربية المتطرفة . (صربيا الكبرى). وأثار حصول بيتر هاندكه الكثير من الغضب والاحتجاجات من قبل مثقفين ومن قبل ( الأكاديمية الكوسوفية) التي طالبت بإلغاء إعطاء بيتر هاندكه جائزة نوبل لأنه يدعم سفاحا بدل أن يكون جانب الضحايا يحس بآلامهم والظلم الرهيب الذي يتعرضون له والمجازر ، ويدافع عن قيم العدالة والحرية .
كيف يُمكن لكاتب مبدع مثل بيتر هاندكه أن ينفي المجازر التي ارتكبها ميلوشيفيتس في حق البوسنة . لكن المُخزي والمؤسف أن رد الأكاديمية السويدية: أن الجائزة تُمنح للمؤلفات الإبداعية وليست معنية بموقف الكاتب السياسي.
أفلاطون الفيلسوف اليوناني العظيم كان أكثر الفلاسفة والمثقفين تأثيراً في دعم الاستبداد، فقد ناقش في كتابه ( الجمهورية ) الذي كتبه ( 380 قبل الميلاد ) أن الدول الديمقراطية مُقدر لها أن تنزلق إلى حالة طغيان.
ويعتقد أن الديمقراطية للحكم تخلق جماهير فاسدة وغير منضبطة تكون فريسة سهلة لسلاسة خطاب السياسيين البارعين في فن السمسرة والاستغلال.
علم النفس
ماذا يقول علم النفس في تفسير تلك الظاهرة (حب الطغاة ) يقول فرويد: المعتقدات الدينية هي أوهام لكن – برأيه – أن ما يُميز الوهم عن اللاوهم، ليس فيما إذا كانت تلك المُعتقدات مُزيفة أم صحيحة، إنما كيف نشأت؟
الأوهام مُعتقدات نتبناها لأننا نريدها أن تكون صحيحة وعادة تكون تلك المُعتقدات خاطئة، لكن أحياناً يتضح أنها صحيحة.
وأكثر الأوهام هي خداع الذات ، فخداع الذات أوهام زائفة لكنها تملك مقاومة عالية للمراجعة العقلانية، بسبب القوة الهائلة التي تُغذيها، فالرغبات التي يقوم عليها المُعتقد الديني لها علاقة بالتحرر من العجز البشري فنحن عرضة للكوارث والمرض والموت، ويمكن لآخرين أن يظلمونا أو يقتلونا، ويعتقد فرويد حين إدراكنا هذا العجز فإننا نعود إلى نموذج طفولي أي اعتمادنا الكامل على البالغين، ويعتقد فرويد أن المتدينين يتعاملون مع شعورهم بالعجز من خلال التشبث بمعبود قوي يمنحهم الحياة الآخرة. ويبدع في تحليل الارتباط بين الاندفاع الديني والقوى النفسية التي تلعب دوراً في مجال السياسة، فالسياسة هي استجابة لضعف الإنسان وهذا ما يجعلنا عرضة لأوهام سياسية التي يتم التشبث بها بإصرار عاطفي مقاوم للحجج المنطقية ( أي خداع الذات ) لذا فإن الأنظمة السياسية المستبدة تردد صدى الديانات التوحيدية ، فالقائد كالإله كُلي القدرة كُلي العلم والحكمة كلماته هي الحقيقة، لذا يجب إرضاؤه دوماً ويجب دعمه والتحالف معه تجاه أعدائه.
أخيراً أي إحباط وقهر وغضب ينتاب الجمهور الكبير لهؤلاء المبدعين الكبار والذين نالوا أعلى الجوائز الأدبية والتقدير وتُرجمت أعمالهم إلى كل لغات العالم تقريباً ، هؤلاء المبدعون الذين يؤمن بهم الناس ويعتبرونهم قدوة لهم، يقرأون كتبهم وتُدرس في المدارس والجامعات ، هؤلاء المثقفون المبدعون الذين يأسروننا بسحر الأفكار والأسلوب، ويبتكرون أشكالاً جديدة وإبداعية في السرد ، كيف يُمكننا أن نعذرهم أنهم يدعمون الاستبداد وحكاما خلد التاريخ إجرامهم المُروع !!! كيف يُمكن أن نحترم أو نصدق مبدعا – مهما كان عالي الإبداع ) معجباً ومُدافعاً عن طاغية وسفاح ؟!! أي فصام وشرخ نحسهما في شخصيتنا وعقلنا ونحن نقرأ إبداعات أدبية وفكرية عالية لكن ثمة خللا كبيرا بين موهبة هؤلاء الكتاب وشهرتهم وبين مواقفهم الداعمة للاستبداد والديكتاتوريات.
يقول ألبير كامو : الكتابة شرف ، تعبير رائع عن أن الكتابة يجب أن تنحاز للحق والعدل والكرامة وحب الناس ، الكاتب المبدع الحقيقي هو من يتنبى معاناة شعبه وقهره والظلم الذي يتعرض له وأن يكون مُستعداً أن يدفع ثمن أفكاره المنحازة للإنسان في كرامته الوجودية وحريته، حتى لو دفع حياته ثمناً للدفاع عن المظلومين، لا يُمكن على الإطلاق الفصل بين الثقافي والسياسي لأن السياسة هي حياتنا بكل تفاصيلها، معاناة الحصول على رغيف خبز هو سياسة، الفقر والذل سياسة ، انعدام الحريات سياسة ، السياسة هي نسيج حياتنا.
لا يُمكن أن نغفر لهؤلاء المبدعين مواقفهم ضد الإنسانية والعدالة والانحياز للديكتاتور الذي يظلم ويقتل شعبه ويزجه في حروب ، بدل أن ينحاز هؤلاء (الذين نسميهم عظماء) للاستبداد والطغاة .
هؤلاء الفلاسفة والمبدعون المشهورون والذين وصلوا لأرقى المراتب ونالوا أهم الجوائز هم بمواقفهم الداعمة للديكتاتوريين كأنهم يدسون السم في عقل القارئ أو يخبئون قنبلة بين صفحات كتاباتهم الإبداعية، لأنهم خانوا شرف الكتابة وهدفها الذي هو الانحياز للشعب المظلوم وللمعذبين في الأرض. أظن الموضوع يحتاج لدراسة نفسية مُعمقة أكثر.
أي قهر يشعر به قراء برنارد شو المسرحي المبدع العبقري أن صورة ستالين بقيت تحت مخدته حتى موته !!!
كاتبة من سوريا
“القدس العربي”


























