ما يشهده العراق من تصعيد أمني في الفترة الأخيرة، خاصة في الموصل، هو افتعال للظروف التي تفرض انتشار القوات الأميركية في هذه المحافظة وإعادة توزعها في باقي العراق، في مناقضة حقيقية أن الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار في العراق هو إنجاز المصالحة الوطنية الحقيقية بين مختلف أطياف الشعب العراقي، وتأسيس عراق موحد كفيل بإسقاط كل المناورات الرامية إلى إدخاله مجدداً في دائرة العنف الطائفي.
بموجب الاتفاقية الأمنية المبرمة بين واشنطن وبغداد، تتحدد مهام الجيش الأميركي في القضايا الاستشارية والتدريبية، بعد سحب قواته من المدن، بينما سيواصل عملياته القتالية وتسيير دورياته الأمنية خارج المدن، بالتنسيق مع الجهات الأمنية العراقية، وهذه النقطة بالذات تثير الكثير من القلق والمخاوف، فالقوات الأميركية المنسحبة من المدن ستستقر في قواعد ثابتة، وسيكون في مقدورها إعادة الانتشار وتهديد سيادة العراق، في أية لحظة تعجز أجهزة الأمن العراقية عن السيطرة على الأوضاع.
فالفراغ الأمني الذي تسبب به الانسحاب الأميركي، في ظل انعدام وجود جيش وقوات أمن وطنية، وإلى جانب عدم اكتمال التوافق الوطني على جملة قضايا تتعلق بطريقة اقتسام السلطة ومستقبل العراق، أدى إلى تعمق حالة الفراغ الأمني، في ظل وجود قوى مسلحة متعددة الانتماءات والارتباطات الداخلية والخارجية.
وتصريحات نائب الرئيس الأميركي جون بايدن الأخيرة بالتلميح إلى إمكانية تمديد الانسحاب النهائي في حال استمرار العنف، تعطي مؤشراً قوياً إلى أن سيادة العراق أصبحت على المحك، وتستدعي الحفاظ على هذا المكسب من خلال سد كل الثغرات الأمنية التي سمحت بعودة العنف الطائفي، والتعجيل بتجسيد المصالحة الحقيقية بين كل العراقيين، من خلال تحقيق توافق وطني بين مكوناته القومية والدينية والمذهبية على أسس بناء الدولة الجديدة.
لا نستطيع بالطبع الجزم بنوايا الأميركيين حول هذه القضية، ولا مجال سوى استقراء المواقف الأميركية المعلنة، ومن ثم محاولة ترجيح ما نرى أنه الاحتمال الأقرب. ذلك أن الانسحاب، بمعنى «ترك العراق للعراقيين»، مقرون بعودة الاستقرار الكلي للعراق.
ويبقى أهم تحد للعراق هو ضرورة كسر حلقة العنف والقضاء عليه، وهي مهمات تتطلب كمقدمة العمل على مسارين، أولهما السعي لتضميد جراح الماضي وإبداء الاستعداد لتقبل المسؤولية المشتركة لإنهاء أعمال العنف، والثاني هو البدء في إظهار بعض إجراءات بناء الثقة المهمة، تمهيداً لعملية الحوار الوطني ومن ثم المصالحة.




















