لم يشهد بلد يعتمد النظام الديموقراطي الصحيح ما يشهده لبنان من تشويه لهذا النظام ومن تعطيل لأحكام الدستور عندما تفرض الاقلية النيابية شروطها على الاكثرية وكأن لا انتخابات جرت لا بل تفرض مشاركتها في حكومة تحت اسم حكومة "الوحدة الوطنية" ولو بالاكراه واختيار الحقائب التي تريد ليس من أجل تنفيذ مشاريع اصلاحية متفق عليها، بل بحجة تطبيق النظام التوافقي الذي لا وجود له في لبنان، بحيث يكون نظاما هدينا عندما يجمع بينه وبين النظام الديموقراطي الذي يقول بحكم الاكثرية وليس بحكم الاقلية، او بحكم حكومة ائتلافية اذا اتفقت على بنرامج عمل واحد: واذا كانت الاقلية بررت مطالبتها بـ"الثلث المعطل" باعتبارها اكثرية وهمية، فانها تبرر ذلك الآن بالقول انها أكثرية نيابية وليست أكثرية شعبية…
لقد صح حتى الآن ما توقعه البطريرك الكاردينال صفير قبل الانتخابات عندما أبدى قلقه حيال تجدد الجدال حول نوعية الحكومة التي ستشكل بعد الانتخابات لا سيما الاصرار الذي يبديه فريق المعارضة على ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية قد تكون شبيهة بحكومة الرئيس السنيورة وهي حكومة لم تكن تجربتها ناجحة ومشجعة نتيجة مفاعيل "الثلث المعطل" الذي أدى الى شل العمل الحكومي خصوصا في مجال التعيينات، وأشار الى ان ممارسة الديموقراطية في نظام مثل النظام اللبناني تفترض وجود أكثرية تحكم وأقلية تعارض وصفة حكومة الوحدة الوطنية تنط¥بق على تمثيل الطوائف داخل الحكومة احقاقا للتوازن بين الطوائف اللبنانية وليس التوازن بين الاحزاب والهيئات السياسية، وما تقرر في الدوحة ينبغي ان ينتهي مع نتائج انتخابات 7 حزيران والعودة الى تطبيق اتفقا الطائف الذي يحدد أصول المشاركة الوطنية ويضع قواعد واضحة لها كما يحدد المواضيع الاساسية التي يتطلب اقرارها موافقة ثلثي عدد الوزراء وهذا يطرح في رأي بعض رجال القانون والسياسة ضرورة اتفاق الاكثرية والاقلية على المواضيع التي تعتبر أساسية ايضا وتحتاج الى موافقة الثلثين كي تضاف الى المادة 65 من الدستور، إذ لا يعقل ان يبقى التوافق على كل موضوع شرطا للموافقة عليه بما فيه تعيين حاجب في الدولة…
واذا كان بعض الاقلية يصف الثلث المعطل بـ"الثلث الضامن" للتخفيف، فليسمَِ هذا البعض بصراحة، ما هي المواضيع التي تحتاج الى هذا "الثلث" عله يصير اتفاق عليها فلا يتم اقرارها الا بالتوافق، هل هو سلاح "حزب الله" وهل هي اجراءات تتعلق بسير المحكمة ذات الطابع الدولي؟ هل هي اتفاقات معقودة بين لبنان وسوريا اذا ما أعيد النظر فيها بما فيها المجلس الاعلى اللبناني – السوري؟ هل هي المفاوضات مع اسرائيل؟ هل هي العودة الى اتفاق الهدنة وتطبيقه كما نص اتفاق الطائف الى ان يتحقق السلام الشامل في المنطقة؟
لذلك ينبغي انهاء الجدل القائم حول "الثلث المعطل" باعتماد احد الحلول الآتية:
أولا: تحديد المواضيع الاساسية التي تحتاج الى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة لاضافتها الى المواضيع الـ14 المحددة في المادة 65 من الدستور وتعديل هذه المادة تحقيقا لذلك.
ثانيا: اذا كان تعديل المادة 65 لهذه الغاية يحتاج الى وقت فيمكن الاتفاق بين الاكثرية ولااقلية على تحديد هذه المواضيع التي لا يجوز بتها الا بالتوافق وليس بتصويت الثلثين كما نصت المادة 65، ولو من قبيل العرف، اذ لا يعقل ان يبقى "الثلث المعطل" سيفا مصلتا لتعطيل إقرار أي مشروع سواء كان أساسيا أو عاديا.
ثالثا: ان يصير اتفاق في البيان الوزاري على المواضيع الاساسية والتي صار ذكر بعضها آنفا، فلا تعود الحاجة عندئذ بعد التوصل الى هذا الاتفاق، لا الى ثلث معطل، ولا الى تمثيل نسبي بل يصير تشكيل الحكومة تطبيقا للنظام الديموقراطي واتفاق الطائف، كما كان يتم تشكيلها في الماضي عندما تفرز نتائج الانتخابات اكثرية وأقلية، فاذا صار اتفاق بينهما على برنامج عمل واحد تشكلت حكومة ائتلافية منهما، واذا لم يتم هذا الاتفاق فان تشكيل الحكومة هو الذي يفرز أكثرية نيابية جديدة موالية واقلية نيابية معارضة.
لكن المشكلة كما تبدو للمراقبين، هي في قيام تحالف مذهبي له وحده "حق الفيتو" في كل شيء وفي كل موضوع اذا لم يكن هذا التحالف موافقا عليه، وعندما يصبح هذا التحالف قادرا على احتكار قرار ا لطائفة وهو الحاصل حاليا، فانه يستطيع أـن يعطل تشكيل أي حكومة اذا وضع تشكيلها بين خيارين: اما ان يسمي هذا التحالف وزراءه والحقائب ويكون له حق رفض التعيينات التي لا يقبل بها، او عندما لا يشارك كطائفة او مذهب في الحكومة فان تشكيلها يصير مناقضا الميثاق الوطني والعيش المشترك، أو أنه يشارك ثم يستقيل ممثلوه من الحكومة اذا اتخذت قرارات غير مقبولة منهم، ولا يعود تاليا في الامكان تعيين بدائل عنهم كما حصل مع حكومة السنيورة الاولى لان التحالف المذهبي يحتكر حق التمثيل لنفسه أو لمن يسميه… وهذا من شانه أن يضع لبنان امام حتمية البحث في نظام جديد للبنان يعطي كل المذاهب حق "الفيتو" او النقض لكل مشروع يطرح على مجلس الوزراء فلا يبقى هذا الحق حكرا على مذهب واحد، كما هي الحال الآن. وهذا النظام اما يكون "فيديرالية طوائف" او نظام المجلس الرئاسي الذي يتمثل فيه كل مذهب بشخص واحد ولا شيء يتقرر فيه إلا بالتوافق، وهذا من شأنه أن يضع البلاد أمام البحث في نظام جديد للبنان يتلاءم وأوضاع مستجدة للمذاهب والطوائف، وليس لأوضاع الاحزاب والتيارات السياسية وليس أمام البحث في تشكيل حكومة جديدة لا اتفاق على ان يتم تشكيلها وفقا للنظام الديموقراطي الصحيح، بل وفقا لنظام غير موجود يسمى "النظام الديموقراطي التوافقي" ولا وفقا للدستور الذي حدد بوضوح كيفية تشكيل الحكومة اذ تبدأ باستشارات نيابية ملزمة يجريها رئيس الجمهورية ويسمي بنتيجتها رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب ويصدر رئيس الجمهورية مرسوم تسمية رئيس مجلس الوزراء منفردا (المادة 53) يجري رئيس الحكومة المكلف بموجب المادة 64 استشارارت نيابية لتشكيل الحكومة ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها لأن هذا المرسوم يصدر بالاتفاق بينه وبين رئيس الجمهورية، وعلى الحكومة ان تتقدم من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوما من تاريخ مرسوم تشكيلها، ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة.
ويتبين من هذا النص ان الدستور لم يحدد مهلة للتكليف، ولا اشترط على الرئيس المكلف تشكيل حكومة من اكثرية وأقلية او باعطاء "ثلث معطل" او تمثيلا نسبيا لأي فريق، بل ذكر في مقدمة الدستور: "ان لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك" (الفقرة ي) واذا بكل فريق أخذ يعطي لهذا النص التفسير الذي يريد…
"النهار"




















