من سينكيانغ الى كيبيك، من جوهانسبورغ الى القدس، ومن كشمير الى كركوك، تواجه حضارتنا العالمية مفترقات طرق تاريخية. إنها حالة عادية وعامة وطبيعية أن تكون الشعوب على تماس في ما بينها حيث تتعدد اللغات والثقافات والأديان، وحيث الصراعات حول الموارد والهوية ؛ وغالباً ما يُكتب تاريخها بأسلوب عنفي عبر ظلم تسببه للآخر. الهويات تكسبنا الوحي والانتماء والهدف، غير أنها تحمل أيضاً منطق الغالب والمغلوب حيث يربح الأقوى، وحيث ينظر الى التعاطف مع الآخرين على أنه خيانة للجماعة.
أمام هذا الواقع خياراتنا أربعة لا غير.
الغزو بالعنف
معلوم تاريخياً أن النزاعات تخلق أعذاراً لكي تلغي الشعوب بعضها البعض. وقد ابتكر رفاييل ليمكين Raphael Lemkin اثر الحرب العالمية الثانية تعبيراً للظاهرة القصوى لهذه النزعة: الإبادة الجماعية. ورغم الاتفاق عالمياً على أن الإبادة الجماعية جريمة ضد انسانيتنا الواحدة، غير أن الالتزامات القانونية تبقى ضعيفة في وجه النزاعات المستفحلة التي لا مخرج سياسياً لها ولا نموذج بنّاء لتعبير المغاير فيها من خلال نظام سياسي مشترك، في حين لا يمكن الجلوس على الحياد أمام الإبادة الجماعية أو الاعتماد على التدخل العسكري لوضع حد لها.
المحافظة على الستاتيكو
كما في الفيزياء، قانون الجمود غالب في مجال النزاعات التي تبدو غير قابلة للحل. ولا بد لنا من الاعتراف بقوة هذا القانون الذي يحد من مفعول التدخلات الضعيفة ومن الالتزامات الكلامية المنمقة بالعدالة وحقوق الإنسان والسلام. ومع ذلك، فإن منطق التصارع لدى المجموعات التي ترى في قتل الآخر خياراً أوحد لها، ممزوجاً بتوافر التقنيات العسكرية الساحقة، يؤدي دائماً الى الكارثة. وفي وقت باتت وسائل الدمار أكثر بطشاً، تصبح احتمالات التدمير الذاتي في محاولة الحفاظ على الستاتيكو أضخم. وبهذا المعنى يكون بقاء الأقوى معادلا للتدمير الذاتي المتبادل. ففي منطق القوة لدى الإسرائيليين، هل من الأمان اعتبار أن صواريخ القسام ستبقى مع مرور الأيام سلاح التدمير الأكثر تطوراً لاختراق الحدود الجنوبية؟ وكذلك من وجهة نظر الإيرانيين، هل يشكل مصدر ثقة التكهن بأن إسرائيل ستقف مكتوفة اليدين وتكتفي بأن تراقب تطورات تكنولوجية تعتبرها مصدر تهديد وجودي؟
الانفصال من خلال التقسيم
من باحة المدرسة الى ساحة المعركة، تبقى الهدنة المؤقتة وفصل الأعداء من الخيارات الجذابة مقابل وحشية الصراعات. لكن الهدنة بطبيعتها هشة، غالباً ما تحيل الى تقسيم الشعوب المتداخلة في وحدات إقليمية. للانفصال والتقسيم ماضٍ مرير من العنف الهائل، منذ تاريخ ولادة أميركا حتى الغيتوات اليهودية، ومنذ بلقنة يوغوسلافيا حتى تجزئة الهند وباكستان. إن فصل الإسرائيليين والفلسطينيين في دولتين مقفلتين أو تقسيم العراق الى ثلاث دول قد يبدو طريقاً مغرياً للسلام لأن هذه المقاربة تحمل وعداً مبدئياً بفصل المتحاربين في حرب ضروس. غير أن التقسيم لا يقدم شيئاً لحلّ دائرة العنف، وفي أحسن الأحوال يعلّقها بانتظار قيام فرصة جديدة لتقديم اعتراض تاريخي لاحق تظلماً من الانقسام الجبري. إن التقسيم يتجاهل تداخل ظروف الهوية والأرض وتشابكها المزمن. تقسيم العراق الى ثلاث دول لن يحل مشاكل كركوك، أوالنفط والغاز، أو المياه، أو حقوق الأقليات، أو من سيحكم بغداد، وجميعها مواضيع محورية لأهل البلد. وكذلك الأمر بالنسبة لحلّ الدولتين في اسرائيل-فلسطين، رغم طغيانه اليوم، لأنه لا يرعى الحقوق المدنية والإنسانية لعرب إسرائيل في إسرائيل أو للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية. من شأن التقسيم أن يزيد الصراعات التاريخية سوءاً بدلاً من أن يأتي بحلّ لها.
حكم المشاركة السياسية
في تقاسم السلطات: الفيدرالية
من الضروري وجود إلتزامات معيارية في حقوق الإنسان والحقوق المدنية والسلام والازدهار، غير أن ذلك يبقى غير كافٍ، وكان جان مونيه، مؤسس الاتحاد الأوروبي، أجاد التعبير في أن كل فكرة جديدة هي فكرة سيئة قبل تنفيذها عبر مؤسسة مدروسة. هذا شأن النظام الاتحادي أو الفيديرالي، وقد ولد مفهوم الفيديرالية في الولايات المتحدة من التمييز بين المنطقة والوطن ومن التفريق بين المقاطعة والأمة. كما أن فكرة التكامل في الاقتصاد وفي الوحدة السياسية في أوروبا ومنظومات اتحادية أخرى تعكس محاولات التقاط تلك الاستراتيجيات السياسية العمودية بما يسمح للمواطن الإيطالي أن يكون أوروبياً، وآخر من كيبيك أن يكون كندياً، والكردي عراقياً.
لمن يشكك بتلك المقاربة في جو الصراعات الكبرى، مثال العراق قاضٍ، حتى ولو كان الوضع ما زال فيه هشاً. يمثل العراق أهم المختبرات المعاصرة لامتحان الخيارات الملحّة: الغزو من خلال العنف والاحتلال، المحافظة على الستاتيكو، الانفصال من خلال التقسيم، جميعها لا تفيد في العنف الطائفي والقومي المحدق بين الأكراد والسنة والشيعة، ولا بد من مؤسسات عمودية تحت عنوان الفيديرالية أو الاتحادية لتأطير الحلول في مسار دستوري ناجز. هذا ليس مفهوماً خيالياً في عراق اليوم، ومن اللافت أن تعتبر الدولة العراقية نفسها إتحاداً في الدستور العراقي. ففي المقدمة كما في المادة الأول من دستور 2005، هنالك إشارة واضحة لهذه الميزة الأساسية؛ كما أن النصوص الدستورية تشير بكثافة في ثلاثة فصول من أصل ستة الى الاتحادية نظاماً للحكم.
لا تزال الآلية بعيدة عن الاكتمال: لم تطوّر بعد الغرفة الثانية من الفرع التشريعي، وهو مجلس الاتحاد، ولا يمكن أن تحقق الدولة مفهومها كنظام فيديرالي دون مجلس اتحادي وفق ما أوكل اليه بموجب المادة 48: "تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومن مجلس الاتحاد". هذا الأمر هو في صميم المناقشة ضمن عملية المراجعة الدستورية القائمة في بغداد، كما في الفضاء العراقي الأوسع. من خلال تقديم توازن في السلطة إقليمياً (وقد يكون بعضه عفواً مذهبياً وقومياً)، تؤمن الفيدرالية أكثر الأدوات الدستورية تطوراً من أجل الإبقاء على تماسك الدولة. و توفّر الفيديرالية أفضل الوسائل المؤسسية لتناول المشاكل المستعصية مثل كركوك والنفط، إضافة الى مشاكل المياه والأحوال الشخصية. والفيديرالية وحدها في النظم الدستورية، التي يؤمنها جزئياً مجلس الاتحاد، يمكن أن تقدم حلولاً آنية ومستقبلية لمسائل دستورية بغاية الأهمية بطريقة نظامية ومنهجية، بدلاً من التسويات السياسية العابرة التي تجعل من معظم الحلول المرتجلة – إذا ما تم التوصل اليها – مشوبة على الدوام بالغموض والظرفية. مستقبل الفيديرالية في العراق مهم لأهل بلد منكوب، كافحوا لعقود مديدة من أجل حقوق الإنسان والسلام. لا بل إنها اختبار حيوي لمصلحتنا جميعاً، من أميركا الشمالية الى أوروبا، ومن آسيا الى الشرق الأوسط، يظهر ما إذا كان بإمكان مجتمع عانى من العنف الطائفي والقومي بقدر العراق الحديث أن ينبذ خيارات ممجوجة كالغزو والإبادة والتقسيم، وأن يتبنى استراتيجية سياسية ونظامية عمودية تمزج بين تحقيق الذات القيم والأهداف المشتركة.
(عميد كلية س.ج. كويني للحقوق – جامعة يوتاه.المدير التنفيذي لمشروع العدالة العالمية – العراق. www.gjpi.orgتلقت "قضايا النهار" هذا النص مترجماً.)
"النهار"




















