لا يكاد يمر يوم على تونس من دون دليل إضافي يؤكد الطبيعة الانقلابية لنظام الحكم الذي فرضه الرئيس التونسي قيس سعيّد منذ التدابير الاستثنائية التي اعتمدها يوم 25 تموز/ يوليو 2021، وتضمنت تعليق البرلمان وإقالة الحكومة وحل المجلس الأعلى للقضاء، أعقبتها إجراءات أخرى منحت الرئاسة سلطات تنفيذية شبه مطلقة، وصولاً إلى تنظيم استفتاء صوري إلكتروني وانتخابات تشريعية اتسمت بمقاطعة شعبية واسعة.
ويستوي أن يلجأ سعيّد بنفسه إلى تخوين المعارضة الشعبية والحزبية ووصمها بالخيانة والتآمر والعمالة للخارج، أو تلجأ إلى التضييق أجهزته الأمنية أو القضائية العسكرية التي تتلقى توجيهات مكتبه، خاصة بعد أن استنّ دستوراً يمنحه الصفة الحصرية للبت في شؤون السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية على حد سواء. ويظل الاعتقال سيفاً مسلطاً فوق رؤوس الرافضين لاستبداد قصر قرطاج، بذريعة سلسلة من التهم الفضفاضة مثل الفساد أو التستر على الإرهاب أو المسّ بسمعة الجيش، أو التآمر على أمن الدولة، أو محاولة تبديل هيئة الحكم.
وفي هذا السياق جرى مؤخراً توقيف رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي (81 سنة) بعد مداهمة منزله وتفتيشه، حيث اقتيد إلى مقر فرقة الحرس الوطني في العاصمة بناء على أمر من النيابة العامة في المجمع القضائي لمكافحة الإرهاب. وكان الغنوشي قد صرح خلال اجتماع عقدته جبهة الخلاص المعارضة بأن «تونس دون إسلام سياسي، تونس دون يسار أو أي مكون آخر، هي مشروع لحرب أهلية» وأنّ «الذين احتفلوا بالانقلاب هم استئصاليون وإرهابيون، وهم دعاة حرب أهلية» وهي التصريحات التي اعتبرتها النيابة العامة تحريضية.
وحتى ينجلي التوقيف عن مآل قضائي ملموس، خاصة وأن الغنوشي يخضع منذ أسابيع إلى التحقيق بحالة إطلاق سراح في قضايا عديدة، فإن رئيس حركة النهضة ينضم في وضعية التوقيف والاعتقال إلى عدد من رجال الصف الأول في الحركة، أمثال علي العريّض ونور الدين البحيري وعبد الحميد الجلاصي والحبيب اللوز. ومع هؤلاء وسواهم يعاني من الاعتقال قادة أحزاب معارضة أخرى ووزراء ونوّاب سابقون وقضاة وأساتذة قانون دستوري وصحافيون وناشطون من شتى الأطياف السياسية والتوجهات العقائدية.
وإلى جانب سيرورات الاستبداد التي تتأصل يوماً بعد آخر، يعاني سعيّد من عزلة داخلية آخذة في الازدياد على جبهات شعبية ونقابية متعددة، لعل أوضح مظاهرها الأحدث تمثلت في مقاطعة الحوار مع قوى المجتمع الحية ورفض مبادرة الإنقاذ الوطني التي دعا إليها الاتحاد العام التونسي للشغل بمساندة من رابطة حقوق الإنسان وهيئة المحامين ومنتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والإصرار في المقابل على أن الحوار لا يستقيم في وجود برلمان منتخب، مطالباً بأن يجرى الحوار داخل المجلس ذاته التي شكك المبادرون في مصداقية انتخابه.
ومعاناة الشعب التونسي اليومية من غلاء الأسعار وندرة المواد الغذائية وانهيار الاقتصاد الوطني تترافق مع تناقض سعيّد مع رئيس حكومته التي لا حول لها ولا طول أساساً، في أنه يتشدق باستقلالية تونس ورفض إملاءات صندوق النقد الدولي، بينما لا تكف نجلاء بودن عن تسوّل الصندوق واستصراخ المساعدات الإنقاذية العاجلة.
“القدس العربي”


























