يقف التهديد النووي الإيراني على رأس الأمور التي تثير قلق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وبعده ربما يأتي القلق من محاولة دول أُخرى في المنطقة محاكاة إيران. وهذا ما أوضحه نتنياهو لأوباما خلال لقائهما في ايار الماضي، والذي خُصص بأغلبه للتهديد الإيراني. ويفضل نتنياهو أن تعالج الولايات المتحدة التهديد الإيراني على شن عملية عسكرية إسرائيلية. وقد سمعه أوباما فسارع إلى جبي الثمن، من خلال طلبه تجميد الاستيطان. هذا يعني أنه ينبغي على نتنياهو أن يقيِّد "حق اليهود في السكن في كل مكان من أرض إسرائيل"، كي يجهض أوباما "حق إيران في المشروع النووي". كلاهما سيكبحان معا أحلام اليمين الإسرائيلي ورجال الدين الإيرانيين.
ترى إدارة أوباما في تخفيف حدة الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني مصلحة استراتيجية اميركية، وهي تسعى إلى ترميم مكانتها وتأثيرها في الشرق الأوسط بعد سنين من الأزمات والمشاكل. والارتباط الإسرائيلي بواشنطن يفرض على إسرائيل الانصياع عندما توضح الولايات المتحدة مصالحها. هذا ما كان يحصل دوما، منذ ان استجاب بن غوريون لمطلب ترومان وأوقف اجتياح الجيش الإسرائيلي لسيناء في نهاية حرب الاستقلال. في المقابل نجحت إسرائيل في تجاوز كلام الولايات المتحدة والخروج بسلام فقط عندما كان الأميركيون أقل حزما مقابل العناد الإسرائيلي ـ على سبيل المثال بناء المفاعل النووي في ديمونا و42 عاما من الاستيطان في الضفة الغربية.
في التصدي لإيران، تحتاج إسرائيل إلى غطاء اميركي بسبب موازين القوى: إيران اكبر من إسرائيل بثمانين مرة من حيث المساحة، وعدد سكان إيران أكبر من عدد سكان إسرائيل بتسعة أضعاف. إذا قرر نتنياهو مهاجمة إيران، فستكون القوة الأميركية ضرورية لأيجاد التوازن القائم على صعيد الفجوة في الموارد. النقاش الإسرائيلي بشأن مسألة الحرب ضد إيران يتركز على المسألة التكتيكية، بخصوص ما إذا كان سلاح الجو قادرا على ضرب المنشآت الإيرانية وأن يلحق بها ضرراً من شأنه وقف المشروع النووي أو عرقلته لعدة سنين. ويفترضون في إسرائيل أن إيران سترد بإطلاق صواريخ شهاب على تل أبيب وديمونا، واستخدام صواريخ حزب الله من لبنان، ويسألون ما إذا كان تلقي وابل صاروخي كهذا يمثل ثمنا مناسبا لإزالة الخطر النووي.
هذه نظرة جزئية وقصيرة المدى للمشكلة. فالخطط العسكرية تركز على المهام الفورية، وتميل لطمس التداعيات البعيدة المدى. فالمؤرخة برباره توخمن كتبت في آب 1914، أن المخططين العسكريين في أوروبا قبل الحرب العالمية الأولى، عند كل الأطراف المحاربة، افترضوا أن الحرب ستنتهي في غضون ثلاثة أو أربعة أشهر على أبعد تقدير. فتجاهلت خططهم امكانية حصول حرب استنزاف دامية تستمر لسنوات في غياب الحسم السريع. كما لم يفكروا أبدا بحصول حرب عالمية مع ملايين القتلى ومع خارطة جديدة لأوروبا. أمر مشابه حصل مع الجيش الإسرائيلي في العام 2006، وإن بمستويات أكثر تواضعاً بكثير، حيث استعد الجيش لعملية انتقامية في لبنان وليس لحرب تمتد خمسة اسابيع مع حزب الله.
مثل هذا الخطر يكمن لإسرائيل اذا ما خرجت في حرب ضد إيران. من السهل الوقوع في إغراء النصر اللامع لحملة جوية كبيرة؛ المشاكل تبدأ بعد أن "تعود الطائرات الى قواعدها بسلام". اليابان ضربت اميركا في برل هاربر، ولكن موازين القوى كانت في غير صالحها. اميركا انتعشت، تسلحت ودمرت الامبراطورية اليابانية.
لقد دمرت إسرائيل سلاح الجو المصري في "ثلاث ساعات في حزيران" في 1967، والقصف الناجح سمح باحتلال سيناء في غضون أربعة ايام. ولكن مصر اكبر بكثير من إسرائيل، وقد نجحت في اعادة احتلال اراضيها في حملة عسكرية محدودة الى جانب خطوة سياسية واسعة. ودفعت إسرائيل الثمن بالاف القتلى والضرر الاقتصادي الهائل على محاولتها الفاشلة الاحتفاظ بالصحراء ذات المشاهد الرائعة واستيطانها بالإسرائيليين.
تطرح إيران امام إسرائيل معضلة صعبة: اذا لم تفعل شيئا، ستضطر الى أن تعيش في ظل القنبلة النووية لاحمدي نجاد وربما لحكام آخرين في المحيط. ولكن اذا ما شنت الحرب ضد إيران، فان إسرائيل ستعرض نفسها لخطر المواجهة لسنوات، حتى لو انتصرت فيها بالنقاط فان ثمنها سيكون اثقل من أن يحتمل. الجيش الإيراني أدنى مكانة اليوم من الجيش الإسرائيلي من حيث قوة النار ومدى العمل، ولكن دولة كبيرة يمكنها أن تصحو، ان تنظم نفسها وان تجد نقطة الضعف عند الخصم ـ بالضبط مثلما فعل السادات في حرب يوم الغفران.
ومن اجل ايجاد التوازن في موازين القوى الشاملة مقابل إيران، تحتاج إسرائيل الى غطاء ودعم اميركي. كما تحتاج أيضا إلى دعم عسكري في تزويدها بالسلاح، المعلومات الاستخبارية ومظلة الردع، وإلى الدعم السياسي في مجلس الامن ومقابل العرب والاوروبيين، وإلى الدعم الاقتصادي. العقوبات التي تخطط لها ادارة اوباما ضد الاقتصاد الإيراني قد لا توقف اجهزة الطرد المركزي فورا. إيران يمكنها أن تبذل جهدا صغيرا آخر فتبني قنبلة اخرى او اثنتين حتى لو فرضوا عليها مصاعب استيراد البنزين والسولار وجمدوا ارصدة بنوكها. ولكن اذا ما فرضوا العقوبات بجدية فانها ستثقل على قدرة إيران ادارة حرب طويلة ضد إسرائيل (او الولايات المتحدة، او كلاهما). وربما حتى تردع الإيرانيين من التفكير بحرب استنزاف، على الرغم من أنه دوما سيوجد من يزودهم بالسلاح والبضائع بالسر (مثلما فعلت إسرائيل في الحرب الإيرانية ـ العراقية).
وماذا ستعطي إسرائيل بالمقابل؟ حتى اليوم، ثمن الدعم الاميركي الإسرائيلي كان ثابتا: تنازلات للعرب في العملية السياسية. انسحاب من سيناء ومن القنيطرة في الجولان، مقابل القطار الجوي الاميركي في حرب يوم الغفران. الذهاب الى مؤتمر مدريد خلافا لمبادىء رئيس الحكومة اسحق شامير، مقابل صواريخ الباتريوت التي نصبت في إسرائيل في حرب الخليج. موافقة على خريطة الطريق ودولة فلسطينية، مقابل تصفية صدام حسين وإزالة خطر "الجبهة الشرقية" في 2003.
الأدلة الظرفية تلمح ايضا إلى وجود صلة بين قصف المفاعل السوري في 2007 واستئناف عملية السلام مع الفلسطينيين. فقد أبلغت ادارة بوش الكونغرس بان إسرائيل تشاورت معها قبل الهجوم واوضحت بان المنشأة السرية التي بنتها سوريا قرب نهر الفرات هي "تهديد وجودي" وعليه ينبغي تدميرها. الاميركيون وافقوا بصمت، حسب شهادتهم. وحسب مجلة مهنية في الولايات المتحدة، ساعدوا الحملة ايضا بالحرب الالكترونية. بعد سبعة اسابيع من تدمير المفاعل عقد الرئيس جورج بوش مؤتمر انابوليس. رئيس الحكومة في حينه ايهود اولمرت سحب معارضته السابقة للمفاوضات على "اتفاق رف" وجاء الى المؤتمر. هل الموقف الاميركي في الموضوع السوري دفع اولمرت الى تغيير موقفه في الشأن الفلسطيني؟
يقف نتنياهو الآن امام الاقتراح ذاته الذي لا يمكنه أن يرفضه: فهو يريد دعما اميركيا مقابل إيران، ويدرك بان عليه ان يدفع الثمن بالمستوطنات. السؤال هو فقط كم سيدفع، وأي قسم من الدفعة سيكون نقدا ـ بتجميد البناء الآن ـ وأي سيكون بالتقسيط، بتنازلات مستقبلية كجزء من التسوية. والسؤال الذي يُستمد من ذلك كيف سيساعد اوباما نتنياهو في أن يشرح المعادلة الاستراتيجية ليتسهار (مستوطنة في الضفة الغربية) وبوشهر (حيث المفاعل النووي الإيراني) للجمهور الإسرائيلي ولرجال اليمين في الائتلاف.
ألوف بن
("هآرتس" 28/8/2009)






